recent
أخبار ساخنة

نغلبهم بطاعتنا لله.. رسالة إلى شباب الأمة العربية والإسلامية للاستعداد لمرحلة فاصلة في التاريخ /شيفاتايمز

شيفاتايمز SHEFATAIMS
نغلبهم بطاعتنا لله.. رسالة إلى شباب الأمة العربية والإسلامية للاستعداد لمرحلة فاصلة في التاريخ
حسين السمنودي

ليست الكلمات التي نرددها عن أمجاد الماضي مجرد حكايات نرويها لأبنائنا، وليست انتصارات المسلمين في العصور الأولى صفحات نقرؤها ثم نطويها ونمضي، وإنما هي دروس عظيمة تحمل في أعماقها معاني الإيمان والصبر والثبات والإرادة، وتدعونا إلى أن نراجع واقعنا، ونستعيد أسباب قوتنا، ونفهم كيف استطاعت أمة قليلة العدد والإمكانات في بداياتها أن تواجه قوى تفوقها في العدد والعتاد، وأن تصنع تاريخًا ما زالت الأجيال تتوقف أمامه بكل إعجاب. واليوم، ونحن نعيش عالمًا مضطربًا تتصاعد فيه الصراعات، وتتشابك فيه المصالح، وتتعرض فيه الشعوب لاختبارات قاسية، يصبح من الضروري أن نتوجه برسالة صادقة إلى الشباب العربي والمسلم، ندعوهم فيها إلى اليقظة والاستعداد وتحمل المسؤولية، لا استعدادًا قائمًا على الخوف أو الكراهية أو الاندفاع غير المحسوب، وإنما استعدادًا يقوم على الإيمان والعلم والوعي والوحدة وبناء القوة التي تحمي الأوطان وتصون كرامة الشعوب.
لقد نُسب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه معنى عظيم في الحديث عن أسباب النصر، وهو أن طاعة الله والاستقامة على الحق من أسباب القوة والثبات، وأن المعصية والظلم والتنازع تفتح أبواب الضعف والهزيمة. وهذا المعنى يستحق أن نتوقف أمامه طويلًا، لأن أمتنا اليوم لا تحتاج إلى المزيد من الشعارات بقدر ما تحتاج إلى فهم عميق لما تعنيه الطاعة في حياة الفرد والمجتمع، وما تعنيه التقوى حين تتحول من كلمات على الألسنة إلى سلوك يحكم العلاقات، ويحفظ الحقوق، ويصنع الإنسان القادر على مواجهة الصعاب.
إن النصر في التصور الإسلامي ليس مجرد غلبة عسكرية، وليس معادلة حسابية تقوم على عدد الجنود والأسلحة وحدها، كما أنه ليس وعدًا آليًا يتحقق لمجرد أن جماعة ما ترفع شعار الدين. فالتاريخ يعلمنا أن النصر والهزيمة يرتبطان بعوامل متعددة، منها الإيمان والثبات، ومنها التخطيط والقيادة والانضباط والاستعداد، ومنها الأخذ بالأسباب وحسن تقدير المواقف. وقد أمرنا الله سبحانه وتعالى بإعداد القوة، فقال في كتابه الكريم: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، وهي آية عظيمة تؤكد أن الإيمان لا يتعارض مع الاستعداد، وأن التوكل لا يعني ترك العمل، وأن من يريد حماية وطنه لا بد أن يمتلك العلم والقدرة والوعي والإرادة.
يا شباب العرب والمسلمين، إن المرحلة التي نعيشها لا تسمح لكم بالغياب عن مسؤولياتكم، ولا تليق بكم فيها حالة اللامبالاة، ولا يكفي أن تتابعوا أخبار العالم ثم تنتقلوا إلى أخبار الرياضة والترفيه وكأن مصير الأمة لا يعنيكم. إنكم أبناء منطقة تشهد تحولات سياسية واقتصادية وأمنية متسارعة، وتعيش شعوبها تحديات تتطلب عقولًا واعية، ونفوسًا ثابتة، ومجتمعات متماسكة، وأجيالًا تعرف كيف تحمي مصالحها بالعلم والعمل، وكيف تميز بين الخبر الصحيح والشائعة، وبين التحليل المسؤول والتحريض، وبين الدفاع المشروع عن الأوطان والاندفاع الذي قد يجر الشعوب إلى كوارث لا تريدها ولا تحتمل نتائجها.
إننا لا نستطيع أن نجزم بأن معركة فاصلة بعينها ستقع في موعد محدد، ولا أن نحدد شكل الصراعات القادمة أو أطرافها ونتائجها، فالمستقبل لا يعلمه إلا الله، والسياسة والحروب تحكمهما ظروف متغيرة وحسابات معقدة. لكننا نستطيع أن نقول بثقة إن الاستعداد للمستقبل واجب، وإن الأزمات قد تأتي بأشكال متعددة، وإن الأمم التي تنتظر الخطر حتى يصل إلى أبوابها تكون أقل قدرة على مواجهته من الأمم التي تستعد قبل وقوعه. ولهذا، فإن رسالتنا إلى الشباب العربي والمسلم هي أن تهيئوا أنفسكم لكل الاحتمالات، وأن تكونوا مستعدين لخدمة أوطانكم في ميادين العلم والطب والهندسة والإغاثة والإنتاج والإعلام المسؤول والدفاع المشروع، وأن تجعلوا من وعيكم وانضباطكم وتماسككم خط الدفاع الأول عن مجتمعاتكم.
تذكروا أن الاستعداد الحقيقي لا يبدأ بحمل السلاح، ولا بالدعوة إلى الحرب، ولا بالانجرار وراء خطاب يملأ النفوس بالغضب دون أن يقدم رؤية واضحة. الاستعداد الحقيقي يبدأ من بناء الإنسان، لأن الإنسان الواعي هو الذي يستطيع أن يحمي وطنه من التضليل، وأن يواجه الأزمات بعقل ثابت، وأن يسهم في إنقاذ الأرواح عند الكوارث، وأن يحافظ على تماسك المجتمع حين تنتشر الشائعات، وأن يؤدي عمله بإخلاص حين تتعطل مصالح الناس، وأن يضع مصلحة وطنه فوق المكاسب الضيقة والخلافات الشخصية.
يا شباب الأمة، إن أول معارككم اليوم هي معركة الوعي. فالعالم لم يعد ساحة للصراع العسكري وحده، بل أصبح ساحة تتنافس فيها الدول على المعلومات والتكنولوجيا والاقتصاد والطاقة والاتصالات والقدرة على التأثير في عقول الشعوب. وقد تتعرض المجتمعات لحملات تضليل تستهدف بث الخوف أو الفتنة أو الكراهية، وقد تنتشر أخبار كاذبة تدفع الناس إلى اتخاذ مواقف متسرعة، وقد تُستغل العاطفة الدينية والوطنية لإشعال صراعات لا يعرف المحرضون عليها حجم الخسائر التي قد تترتب عليها. ولذلك، فإن الشاب الذي يتحقق من الأخبار قبل نشرها، ويمتنع عن ترويج الشائعات، ويحترم عقول الناس، ويفهم الأحداث في سياقها، يؤدي دورًا وطنيًا حقيقيًا لا يقل أهمية عن أدوار كثيرة يراها الناس أكثر بريقًا.
إننا نريد شبابًا يعرف أن القوة ليست في الصراخ، بل في امتلاك المعرفة، وليست في التهديد، بل في القدرة على حماية المصالح، وليست في الاستهانة بالخصوم، بل في دراسة الواقع وفهم موازين القوى. نريد شبابًا يقرأ التاريخ ليعرف كيف نهضت الأمم وكيف سقطت، ويدرس العلوم ليصنع المستقبل، ويتعلم اللغات ليصل إلى المعرفة من مصادرها، ويطور مهاراته ليكون قادرًا على المنافسة، ويؤمن بأن الوطن الذي يريد أن يكون قويًا لا بد أن يمتلك عقولًا منتجة، ومؤسسات قادرة، واقتصادًا متماسكًا، وتعليمًا يصنع المبدعين لا مجرد الحاصلين على الشهادات.
وحين نستعيد قول الله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾، فإننا نفهم أن نصرة دين الله تكون بالتمسك بالحق، وإقامة العدل، ونصرة المظلوم، وحفظ الأمانة، ومقاومة الفساد، وإعمار الأرض، والوفاء بالعهود، والعمل الصالح. وليس من نصرة الدين أن نظلم إنسانًا بسبب اختلافه معنا، أو أن نعتدي على بريء، أو أن نبرر الفوضى باسم الحماسة، أو أن نخلط بين القوة والبطش. فالدين الذي يأمر بالعدل لا يمكن أن يكون غطاء للظلم، والإيمان الذي يربي على الرحمة لا ينبغي أن يتحول إلى كراهية عمياء، والغيرة على الأمة لا تعني التخلي عن الحكمة أو الاستهانة بأرواح الأبرياء.
ولذلك، فإن علاقتنا بالله يجب أن تكون علاقة صادقة تظهر آثارها في حياتنا كلها. لا يكفي أن نرفع أيدينا بالدعاء إذا كنا نهمل العمل، ولا أن نتحدث عن التقوى إذا كنا نتجاوز حقوق الآخرين، ولا أن نتمنى النصر إذا كنا نرفض التعلم ونستهين بالعلم ونترك أسباب التقدم. إن الصلاة التي تؤديها بإخلاص ينبغي أن تدفعك إلى الصدق، والصيام الذي تتقرب به إلى الله ينبغي أن يعلمك ضبط النفس، والزكاة والصدقة ينبغي أن تعلماك الرحمة والتكافل، والقرآن الذي تتلوه ينبغي أن يزيدك بصيرة وعدلًا ومسؤولية. بهذه المعاني يتحول الدين إلى قوة تبني الإنسان، وتحمي المجتمع، وتدفع الأمة إلى العمل بدلًا من انتظار المعجزات.
لقد شهد التاريخ الإسلامي مواقف عظيمة ظهر فيها أثر الإيمان والثبات والأخذ بالأسباب. ففي غزوة بدر، كان المسلمون نحو ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، بينما كان جيش قريش يقارب الألف، ومع ذلك نصر الله المسلمين في تلك المعركة التي أصبحت علامة بارزة في التاريخ الإسلامي. وقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. لقد كانت بدر درسًا في الثبات والثقة بالله، لكنها كانت أيضًا واقعة تاريخية لها ظروفها وأسبابها، ولا يصح أن نحولها إلى قاعدة تقول إن العدد والعتاد لا قيمة لهما، أو إن كل مواجهة يخوضها المسلمون ستكون نتيجتها النصر حتمًا.
وفي غزوة أُحد، تعلم المسلمون أن مخالفة التوجيهات والتنازع قد يؤديان إلى نتائج مؤلمة، وأن وجود الإيمان لا يعفي الإنسان من مسؤولية الأخذ بالأسباب والانضباط. وهنا تكمن إحدى أهم الرسائل التي ينبغي أن تصل إلى شبابنا: لا تدخلوا أي تحدٍّ وأنتم تتصورون أن الحماسة وحدها تكفي، ولا تستهينوا بحجم المخاطر، ولا تجعلوا الاندفاع بديلًا عن الحكمة، ولا تسمحوا للخلافات الداخلية بأن تبدد طاقاتكم. فالأمم التي تحسن تنظيم قدراتها، وتستثمر عقول أبنائها، وتحترم التخصص، وتراجع أخطاءها، تكون أقدر على مواجهة المحن من الأمم التي تتعامل مع الأزمات بعشوائية وانفعال.
وإذا كانت جيوش الماضي تعتمد بدرجة كبيرة على عدد المقاتلين والخيول والسيوف والخطط العسكرية المتاحة في زمانها، فإن حروب اليوم أصبحت أكثر تعقيدًا، إذ تدخل فيها الطائرات الحديثة والصواريخ والطائرات المسيّرة والقدرات الإلكترونية والاستخباراتية والصناعات المتقدمة وسلاسل الإمداد والاقتصاد والطاقة. ولم يعد التفوق العسكري مرتبطًا بكثرة الجنود وحدها، كما لم تعد حماية الشعوب مسؤولية القوات المسلحة وحدها؛ فهناك مسؤولية على العلماء والأطباء والمهندسين والمعلمين والعمال والإعلاميين وكل صاحب مهنة يستطيع أن يقدم شيئًا لوطنه. ومن هنا، فإن الاستعداد للمستقبل يجب أن يكون شاملًا، وأن يقوم على بناء القدرات المدنية والعلمية والاقتصادية إلى جانب الاستعداد الدفاعي المشروع الذي تتولاه مؤسسات الدولة المختصة.
يا شباب العرب والمسلمين، لا تجعلوا حديث الاستعداد للمعركة القادمة يدفعكم إلى ترك مقاعد الدراسة، أو إهمال أعمالكم، أو الانخراط في جماعات مسلحة، أو اتخاذ قرارات خطيرة بناء على منشورات مجهولة المصدر. إن خدمة الأمة لا تتطلب من كل شاب أن يحمل السلاح، ولا أن يسافر إلى مناطق الصراع، ولا أن يضع حياته وحياة الآخرين في خطر دون مسؤولية أو معرفة. بل تحتاج الأمة إلى الطبيب الذي ينقذ المصابين، والمهندس الذي يطور الصناعة، والعالم الذي يبتكر، والمعلم الذي يصنع العقول، والمزارع الذي يحمي الأمن الغذائي، والعامل الذي يتقن إنتاجه، والصحفي الذي يكشف الحقيقة دون تضليل، والمتطوع الذي يساعد المتضررين، والمواطن الذي يحترم القانون ويحافظ على المال العام.
إن الاستعداد لكل شيء يعني أن تكونوا قادرين على مواجهة الأزمات دون أن تفقدوا إنسانيتكم. يعني أن تتعلموا الإسعافات الأولية، وأن تدعموا العمل التطوعي المنظم، وأن تعرفوا طرق التعامل مع الكوارث، وأن تحافظوا على اللياقة والصحة، وأن تتقنوا مهارات التواصل والعمل الجماعي، وأن تدخروا من قدراتكم ما يعينكم على تحمل الظروف الصعبة. ويعني كذلك أن تلتزموا بالتعليمات الرسمية في حالات الطوارئ، وألا تنشروا معلومات عسكرية أو أمنية حساسة، وألا تتعاملوا مع مصادر مجهولة تزعم امتلاكها أسرارًا عن الحرب أو تحاول تجنيد الشباب أو دفعهم إلى أعمال غير قانونية.
إن الأمة التي تستعد للمستقبل لا تستعد للحرب فقط، بل تعمل بكل ما تستطيع لتمنع الحرب وتحمي السلام. فالسلام ليس استسلامًا، والدفاع عن الوطن ليس عدوانًا، والقوة الحقيقية ليست في إشعال المعارك، وإنما في امتلاك القدرة التي تحمي الشعب وتمنع الاعتداء وتدفع الآخرين إلى احترام الحقوق. والدولة القوية هي التي تستطيع حماية حدودها ومصالحها، وتملك قرارها، وتحافظ على اقتصادها، وتبني علاقاتها على المصالح المشروعة، وتعرف متى تتفاوض ومتى تتخذ التدابير اللازمة لحماية أمنها. أما الشعوب التي تدفع أبناءها إلى صراعات بلا حساب، فقد تجد نفسها أمام خسائر لا تستطيع تعويضها بسهولة.
ولعل من أخطر ما يواجه الشباب العربي اليوم أن يتحول الغضب من مشاهد الظلم والحروب إلى طاقة مدمرة لا تعرف طريقًا واضحًا. إن الغضب على قتل الأبرياء، أو تهجير السكان، أو الاعتداء على الأوطان، شعور مفهوم، لكن قيمة هذا الغضب تتحدد بما ينتج عنه من مواقف مسؤولة وأعمال نافعة. فبدلًا من الاكتفاء بالشتائم، يمكن للشباب دعم الإغاثة الإنسانية عبر الجهات الموثوقة، ونشر المعلومات الدقيقة، والمشاركة في المبادرات المجتمعية، وتطوير قدراتهم العلمية، ومساندة المؤسسات التي تعمل على حماية المدنيين، والمطالبة باحترام القانون الدولي وحقوق الإنسان. وهكذا تتحول العاطفة إلى عمل، ويصبح التضامن قوة نافعة لا مجرد موجة تنتهي بانتهاء الخبر.
وإذا أردنا الحديث عن الفارق بين علاقة المسلمين بربهم وعلاقة غير المسلمين بربهم، فلا بد أن نلتزم بما علمنا إياه الإسلام من العدل والتواضع. فالمسلم يؤمن بالله الواحد، ويؤمن بأن القرآن الكريم هداية له، وأن الطاعة طريق للاستقامة، لكنه لا يملك أن يحكم على سرائر الناس، ولا أن يقرر أن كل غير مسلم بعيد عن الرحمة أو أن كل مسلم مستحق للنصر لمجرد انتسابه إلى الإسلام. فالله وحده يعلم ما في القلوب، والناس متفاوتون في أعمالهم وأخلاقهم، والقرآن الكريم يأمرنا أن نعدل حتى مع من نختلف معهم. وقد قال سبحانه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.
إن هذا المبدأ لا ينتقص من اعتزاز المسلم بدينه، بل يرفع من قيمة هذا الاعتزاز، لأن المسلم الذي يفهم دينه لا يحتاج إلى ظلم الآخرين كي يثبت قوته، ولا إلى احتقار الشعوب كي يعلن ثقته بنفسه. إنه يعرف أن الإيمان مسؤولية، وأن التقوى ليست وسيلة للتعالي، وأن القوة ينبغي أن تخضع للحق، وأن الانتصار الحقيقي لا يكتمل إذا تحول المنتصر إلى ظالم. ولذلك، فإننا نريد شبابًا يعتز بالإسلام، ويحافظ على هويته العربية، ويحترم اختلاف الناس، ويرفض العدوان، ويدافع عن وطنه، ولا يسمح لأحد بأن يستغل حماسته في إشعال الفتن أو تبرير الاعتداء على الأبرياء.
إن واقع الأمة العربية والإسلامية يفرض علينا أن نعيد النظر في معنى الوحدة. فلا يمكن أن نتحدث عن قوة الأمة بينما تستنزف خلافاتنا طاقاتنا، ولا أن نتمنى مستقبلًا أفضل ونحن نزرع الكراهية بين شعوبنا، ولا أن نطالب العالم باحترامنا إذا كنا لا نحترم عقول شبابنا ولا نستثمر قدراتهم. الوحدة لا تعني أن تختفي الاختلافات بين الدول والمجتمعات، ولا أن تتطابق الآراء في كل قضية، لكنها تعني أن نعرف المصالح المشتركة، وأن نتعاون في التعليم والبحث العلمي والتجارة والصناعة والأمن الغذائي والصحة، وأن نحترم سيادة الدول، وأن نبحث عن حلول عادلة للخلافات، وأن نرفض تحويل الاختلافات السياسية إلى عداوات بين الشعوب.
إن شباب الأمة يستطيعون أن يصنعوا فارقًا كبيرًا إذا أدركوا أن مستقبلهم ليس منفصلًا عن مستقبل أوطانهم. فالشاب الذي يتعلم البرمجة والذكاء الاصطناعي، والذي يتخصص في الطب والهندسة والطاقة، والذي يطور وسائل الإنتاج الزراعي، والذي يتقن الصناعات الحديثة، يساهم في بناء قوة حقيقية للأمة. والشاب الذي يتعلم كيف يفكر بصورة نقدية، وكيف يتحقق من المعلومات، وكيف يناقش المختلف دون تعصب، يساعد على حماية المجتمع من الانقسام والتضليل. والشاب الذي يحافظ على أسرته، ويعمل بإخلاص، ويحترم القانون، ويقدم العون لمن يحتاج إليه، يضع حجرًا في بناء مجتمع قادر على الصمود.
ولا ينبغي أن نغفل عن دور الأسرة والمدرسة والجامعة والمسجد ووسائل الإعلام في إعداد هذا الجيل. فالشباب لا يصنعون وعيهم في فراغ، وإنما يتأثرون بما يسمعونه ويشاهدونه، وبما يجدونه من نماذج أمامهم. وإذا أردنا منهم أن يكونوا مسؤولين، فعلينا أن نقدم لهم المعرفة الصحيحة، وأن نعلمهم تاريخهم دون مبالغة، وأن نشرح لهم واقع العالم دون تهويل، وأن نفتح أمامهم أبواب البحث والعمل والإبداع، وأن نربيهم على احترام الحياة، وعلى أن الشجاعة الحقيقية لا تعني التهور، وأن البطولة لا تعني البحث عن الموت، وإنما تعني الاستعداد لتحمل المسؤولية وحماية الناس والقيام بالواجب.
يا شباب الأمة، استعدوا، ولكن افهموا معنى الاستعداد. استعدوا بالعلم حتى لا يخدعكم الجهل، وبالوعي حتى لا تستغلكم الشائعات، وبالأخلاق حتى لا تفقدوا البوصلة، وبالصحة والانضباط حتى تستطيعوا أداء واجباتكم، وبالعمل والإنتاج حتى لا تبقى أوطانكم رهينة لغيرها، وبالوحدة حتى لا تبدد الخلافات قوتكم، وبالإيمان حتى تجدوا في قلوبكم الصبر والأمل والثبات. استعدوا لخدمة بلادكم إذا احتاجت إليكم، ولمساعدة إخوانكم إذا نزلت بهم كارثة، وللدفاع المشروع عن أوطانكم وفق القانون وتحت مسؤولية مؤسساتها المختصة، وللمساهمة في كل جهد يحفظ كرامة الإنسان ويمنع الظلم.
ولا تسمحوا لأحد بأن يقنعكم أن المستقبل لا يُصنع إلا بالحرب، أو أن المعركة القادمة أمر محتوم لا مفر منه. فالحروب قد تنشأ عن قرارات سياسية وأخطاء في الحسابات وتصعيد يمكن تجنبه، وقد تنجح الدبلوماسية والحكمة في منعها أو الحد من آثارها. والواجب علينا أن نكون مستعدين دون أن نتمنى سفك الدماء، وأن نمتلك أسباب الدفاع دون أن نتخذ العدوان هدفًا، وأن نحافظ على الأمل في السلام دون أن نهمل متطلبات الأمن والقوة. إن الأمة الحكيمة هي التي تستطيع أن تحمي أبناءها، وأن تمنع خصومها من الاعتداء عليها، وأن تسعى في الوقت نفسه إلى تسوية عادلة تحفظ الحقوق وتجنب الشعوب ويلات الحروب.
ولنتذكر دائمًا أن كثرة العدد ليست ضمانًا للنصر، كما أن قلة العدد ليست ضمانًا له. فقد ينتصر جيش أقل عددًا بحسن قيادته وتماسكه وتخطيطه، وقد يخسر جيش كبير بسبب سوء التقدير والانقسام والغرور. وقد يحقق شعب انتصارًا بالصمود والحفاظ على هويته وحقوقه، حتى لو طال طريق استعادة ما فقده. ولهذا، فإن الحديث عن النصر يجب أن يقترن بالمسؤولية، وعن الإيمان يجب أن يقترن بالعمل، وعن القوة يجب أن يقترن بالحكمة والعدل.
إننا حين نقول إن الطاعة لله من أسباب النصر، فإننا لا نتحدث عن كلمات سحرية تضمن نتيجة كل معركة، ولا نزعم أننا نعرف حكم الله في كل واقعة سياسية أو عسكرية، وإنما نتحدث عن حقيقة أخلاقية وإيمانية عميقة: أن الظلم يفسد المجتمعات، وأن الفساد يضعف المؤسسات، وأن الكذب يهدم الثقة، وأن التنازع يبدد القوة، وأن الأمانة والعدل والعلم والانضباط من أهم مقومات نهضة الأمم. ومن هنا، فإن العودة إلى الله ينبغي أن تكون بداية إصلاح شامل يعيد للإنسان ضميره، وللمجتمع تماسكه، وللعمل قيمته، وللعلم مكانته.
يا شباب العرب والمسلمين، لا تنتظروا أن يكتب الآخرون تاريخكم، ولا تتركوا مستقبلكم رهينة للصدفة، ولا تكتفوا بالبكاء على أمجاد الماضي. تعلموا، واعملوا، وابنوا، وتعاونوا، وكونوا أهلًا للمسؤولية. وإذا واجهت أوطانكم خطرًا، فكونوا من أكثر الناس وعيًا وانضباطًا وقدرة على تقديم العون، لا من أكثرهم اندفاعًا وراء المجهول. وإذا تعرض الأبرياء للظلم، فكونوا أصواتًا للحق، وأيديًا تمتد بالإغاثة، وعقولًا تبحث عن الحلول، وطاقات تعمل من أجل حماية الإنسان وصون الكرامة. وإذا اختلفتم، فاجعلوا الحوار سبيلًا للتفاهم، ولا تسمحوا للعداوات الصغيرة أن تسرق منكم فرصة بناء مستقبل كبير.
إن المعركة الفاصلة التي ينبغي أن نستعد لها قبل كل شيء هي معركة بناء الإنسان العربي والمسلم: معركة الجهل والتخلف، ومعركة الفساد والظلم، ومعركة التبعية والعجز، ومعركة تمزيق الصفوف وإهدار الطاقات. فإذا انتصرنا في هذه الميادين، امتلكنا أدوات أفضل لحماية أوطاننا، وأصبحنا أكثر قدرة على مواجهة الأزمات العسكرية والاقتصادية والسياسية والإنسانية. أما إذا تركنا هذه المعارك الحقيقية دون مواجهة، فلن تعوضنا عنها آلاف الشعارات ولا عشرات الخطب التي تلهب المشاعر ثم تترك الواقع كما هو.
ولنرفع دعاءنا إلى الله أن يحفظ بلادنا وشعوبنا، وأن يجنب المنطقة الحروب والفتن، وأن ينصر المظلومين، وأن يرد الحقوق إلى أصحابها، وأن يرزق أمتنا العلم والحكمة والوحدة والعدل، وأن يجعل شبابها قوة بناء وإصلاح، وأن يحفظ أرواح الأبرياء من كل عدوان. ولنجعل من هذا الدعاء دافعًا للعمل، لا بديلًا عنه؛ فالأمل الذي لا تصحبه خطوات يبقى أمنية، والإيمان الذي لا يثمر أخلاقًا وسلوكًا يحتاج إلى مراجعة، والقوة التي لا يحكمها العدل قد تتحول إلى سبب للهلاك بدلًا من أن تكون طريقًا للأمان.
إن أمتنا لا تحتاج إلى جيل يبحث عن معركة كي يثبت شجاعته، بل إلى جيل إذا فرضت الظروف تحدياتها وجدناه مستعدًا بعلمه وإيمانه وانضباطه ووحدته. جيل لا يخاف من المستقبل، ولا يستخف بمخاطره، ولا يندفع إلى المجهول، بل يقرأ الواقع بعقل واعٍ، ويستعد لكل الاحتمالات، ويحمي وطنه بالعلم والعمل، ويواجه الظلم بالحكمة والثبات، ويجعل من الإيمان مصدرًا للرحمة والعدل والقوة المسؤولة.
وإذا كان التاريخ قد حفظ لنا يوم بدر شاهدًا على أن قلة العدد لم تمنع المسلمين من النصر، فقد حفظ لنا كذلك دروسًا أخرى تؤكد أن الأخطاء والتنازع وسوء الاستعداد قد تكون لها عواقب مؤلمة. وبين هذين الدرسين تتحدد مسؤوليتنا اليوم: أن نؤمن بالله، وأن نحسن العمل، وأن نعد القوة، وأن نحفظ العدل، وأن نتعلم من الماضي دون أن نعيش أسرى له، وأن نواجه الحاضر دون تهور، وأن نستعد للمستقبل دون أن نجعل الحرب أمنيتنا أو نظن أن وقوعها أمر محتوم.
فيا شباب الأمة، استعدوا لكل ما قد يأتي، ولكن استعدوا بعقولكم قبل اندفاعكم، وبعلمكم قبل شعاراتكم، وبأخلاقكم قبل قوتكم، وبوحدتكم قبل خلافاتكم، وبالعمل الصالح قبل ادعاء الاستحقاق. تمسكوا بالله، وخذوا بالأسباب، واحموا أوطانكم، واحفظوا حياة الأبرياء، ولا تسمحوا لأحد أن يحول إيمانكم إلى أداة للكراهية أو تهورًا يدفعكم إلى خسارة أنفسكم. فالأمة التي تعرف ربها، وتفهم زمانها، وتبني قوتها، وتحفظ حقوق الناس، وتستعد للمحن دون أن تسعى إليها، هي الأمة الأقدر على الثبات وصناعة المستقبل وصون كرامة أبنائها.
نغلبهم بطاعتنا لله.. رسالة إلى شباب الأمة العربية والإسلامية للاستعداد لمرحلة فاصلة في التاريخ

google-playkhamsatmostaqltradent