recent
أخبار ساخنة

الإنسان بين رغيفٍ وصاروخ /شيفاتايمز

شيفاتايمز SHEFATAIMS
الإنسان بين رغيفٍ وصاروخ

فاطمة عبدالله يشوتي 🇲🇦

في زمن الحروب، لم يعد الظلم يُقاس بعدد القتلى في نشرات الأخبار، بل بعدد الأحياء الذين لم يعودوا قادرين على الحياة.

الإنسان اليوم محاصرٌ بين خوفين: خوفٌ من السماء أن يسقط منها صاروخ، وخوفٌ من الأرض أن لا تخرج له منها لقمة عيش.

يفتح التلفاز صباحاً، فيرى مدينةً تُمحى، وطفلاً يصرخ تحت الركام، فيحمد الله أنه ما زال حياً. ثم يخرج إلى السوق، فيرى سعر الخبز قد ارتفع، وأجرة بيته قد تأخرت، وعمله قد صار مهدداً، فيتمنى لو كان الموت أرحم وأسرع.

هذا هو القهر الجديد: أن تموت الحرب في مكان، ويبقى جوعها في كل مكان. أن يُقصف بيتٌ في غزة، فترتفع فاتورة الخبز في جرش. أن يُغلق معبرٌ في الشمال، فيُقطع رزق عاملٍ في الجنوب.

لقد صار الإنسان يُقتل مرتين: مرةً برصاصةٍ لا يراها، ومرةً بلقمةٍ لا يجدها.

وما بين الرصاصة واللقمة، يقف الإنسان وحيداً، يسأل سؤالاً واحداً لم تجب عنه كل الحروب: إذا كانت الحرب تقتلنا لأننا أعداء، فلماذا يقتلنا الجوع ونحن أبرياء؟

ويصبح الإنسان في زمن الحرب رقماً بلا قيمة. إن مات بالقصف، قالوا: شهيد. وإن مات بالجوع، قالوا: فقير. وإن مات بالقهر، لم يقولوا عنه شيئاً، كأنه لم يكن.

تتغير الخريطة، ويتبدل الحكام، وتُعقد المؤتمرات، وتُرفع الأعلام، ووحده الإنسان البسيط يدفع الثمن مرتين: يدفع دمه ثمناً للحرب، ويدفع كرامته ثمناً للسلام.

يُطلب منه أن يصبر على الحرب لأنها قدر، وأن يصبر على الغلاء لأنه تضحية، وأن يصبر على الظلم لأنه حكمة. حتى صار الصبر هو اسمه الآخر.

أي صبرٍ هذا الذي يجعل الأب يرى طفله يبكي من الجوع، فيُسكتُه بخبرٍ عن النصر؟ وأي نصرٍ هذا الذي لا يُطعم جائعاً، ولا يأوي مشرداً، ولا يعيد بيتاً مهدوماً؟

الحروب لا يصنعها الفقراء، لكنهم أول من يموت فيها، وآخر من يُذكر بعدها. الصاروخ يقتل مرة، لكن الظلم الذي يأتي بعده يقتل كل يوم.

وفي نهاية كل حرب، يجلس الكبار على طاولة واحدة، يتصافحون، ويقتسمون الغنائم، ويكتبون التاريخ كما يريدون. أما الصغير، فلا طاولة له. يعود ليبحث عن بيته، فلا يجد بيتاً. يبحث عن عمله، فلا يجد عملاً. يبحث عن اسمه في قائمة التعويضات، فلا يجد اسماً.

عندها يفهم الحقيقة التي حاولت كل الحروب إخفاءها: أن الحرب ليست بين جيشين، بل بين جيشٍ وشعب. جيشٌ يملك السلاح، وشعبٌ يملك الخسائر.

لهذا، لا تسأل الجائع عن رأيه في الحرب، لأنه لا يملك ترف الرأي. ولا تسأل المشرد عن رأيه في السياسة، لأنه يبحث عن سقف، لا عن شعار. اسأله سؤالاً واحداً فقط: ماذا بقي لك؟ سيقول: بقي لي أن أستيقظ غداً، وأحاول مرة أخرى أن أكون إنساناً.

وهذه هي المقاومة الحقيقية. أن تزرع، وهم يحرقون. أن تبني، وهم يهدمون. أن تُطعم ولدك، وهم يريدونك أن تجوع. أن تضحك، وهم يريدونك أن تبكي للأبد. فمن استطاع أن يبقي إنسانيته في زمن الوحشية، فقد انتصر، حتى لو خسر كل شيء.

في النهاية ستنتهي الحروب، كما انتهت كل الحروب من قبلها. ستصمت المدافع، وستُطفأ الحرائق، وسيتعب تجار الموت. وسيُكتب في الكتب: انتصر فلان، وهُزم فلان. ولن يكتب أحدٌ أن رجلاً بسيطاً في مدينةٍ صغيرة، استيقظ كل صباح في زمن الحرب، وذهب ليعمل بيديه، وعاد برغيف خبزٍ حلال لأطفاله، ولم يسرق، ولم يخن، ولم يفقد إنسانيته. مع أن هذا الرجل هو المنتصر الوحيد الحقيقي.

لأن التاريخ يحفظ أسماء من أشعلوا الحروب، لكن الحياة تحفظ أسماء من أبقوها مستمرة رغم الحروب.

لا تبحث عن معنى الحرب في بيانات المنتصرين، ابحث عن معناها في صبر الخباز، وتعب العامل، ودمعة الأم، وضحكة طفلٍ ما زال يلعب رغم القصف. هناك، هناك فقط، ستعرف أن الإنسان أقوى من الحرب، وأن الرغيف أشرف من الصاروخ.
--------------------
فاطمة عبدالله يشوتي 🇲🇦
google-playkhamsatmostaqltradent