recent
أخبار ساخنة

الرزق المحسوب والرزق المكتوب /شيفاتايمز

شيفاتايمز SHEFATAIMS
حسين السمنودي

هناك فرق كبير بين الرزق الذي نتمناه لأنفسنا، والرزق الذي كتبه الله لنا، فليس كل ما نرغب فيه يكون خيرًا لنا، وليس كل ما تأخر عنا يكون شرًا، وليس كل باب أغلق في وجوهنا يعني أن الحياة قد أدارت لنا ظهرها، فقد يكون وراء هذا الإغلاق باب آخر لم نره بعد، وقد يكون في المنع عين العطاء، وفي التأخير عين الحكمة، وفي الانتظار خير لا نعرفه إلا عندما تصل إلينا اللحظة التي أرادها الله.

الرزق ليس مالًا فقط، كما يظن البعض، وإنما الرزق أوسع من ذلك بكثير؛ الصحة رزق، والستر رزق، والأبناء رزق، والزوجة الصالحة رزق، والصديق الوفي رزق، وراحة القلب رزق، وطمأنينة النفس رزق، والقدرة على العمل رزق، ومحبة الناس رزق، والنجاة من مصيبة لم نعلم أنها كانت قريبة منا رزق، بل إن بعض الأبواب التي لم تفتح لنا كانت في حقيقتها رزقًا، لأن الله سبحانه وتعالى يعلم ما لا نعلم، ويرى ما لا نرى.

نحن نحسب الرزق بأعيننا، فنقول: هذا الإنسان رزقه واسع لأنه يملك المال، وهذا رزقه قليل لأنه لا يملك إلا القليل، بينما ميزان الله مختلف تمامًا؛ فقد يعطي الإنسان مالًا كثيرًا ويأخذ منه راحة البال، وقد يعطي آخر مالًا قليلًا ويمنحه قلبًا مطمئنًا، وقد يفتح لشخص باب الشهرة ويغلق عنه باب السكينة، وقد يحرم آخر من أشياء كان يتمنى امتلاكها، ثم يكتشف بعد سنوات أن هذا الحرمان كان حماية له من طريق لم يكن يعرف نهايته.

الرزق المكتوب لا يأتي دائمًا بالصورة التي رسمناها في خيالنا، فقد ندعو الله بوظيفة معينة، فيرزقنا بعمل آخر، ونسأل عن شخص بعينه، فيصرفه الله عنا ويرزقنا بمن هو أفضل، ونتمنى طريقًا محددًا، فيضع الله أمامنا طريقًا مختلفًا، فنغضب لأن أمانينا لم تتحقق، بينما الحقيقة أن الله لم يمنع عنا الرزق، ولكنه اختار لنا صورته التي تناسب حياتنا وقدرنا.

وهنا يجب أن نفهم معنى عظيمًا: أن الله سبحانه وتعالى لا يكتب للعبد ما يريده العبد دائمًا، وإنما يكتب له ما يعلمه سبحانه أنه خير له، وما يدخل في قدره وحكمته وعلمه. نحن نرى لحظة واحدة، أما الله فيعلم الطريق كله؛ يعلم البداية والنهاية، ويعلم ما سيحدث غدًا وبعد غد، ويعلم ما تخفيه الأيام خلف أبوابها المغلقة.

كم من إنسان بكى لأنه لم يحصل على شيء كان يريده بشدة، ثم مرت السنوات وقال في نفسه: الحمد لله أنني لم أحصل عليه. وكم من إنسان ظن أن حياته توقفت عندما أُغلق أمامه باب، ثم اكتشف أن ذلك الباب كان يقوده إلى تعب لا نهاية له، وأن الله أغلقه رحمة به قبل أن يدخل إليه.

إن الرزق المكتوب لا يحتاج إلى قلق يقتل القلب، ولا إلى حسد يفسد الروح، ولا إلى مقارنة تجعل الإنسان ساخطًا على حياته. وما دام الإنسان يسعى في الحلال، ويأخذ بالأسباب، ويترك النتائج لله، فعليه أن يطمئن؛ لأن ما كتبه الله له سيأتيه، وما لم يكتبه له فلن يستطيع أحد أن يمنحه إياه مهما بذل من جهد.

لكن الإيمان بالرزق المكتوب لا يعني أن نجلس وننتظر، فالسماء لا تمطر ذهبًا على من ترك السعي، والعبد مأمور بالأخذ بالأسباب. اعمل، واجتهد، وتعلم، وابحث، وطرق الأبواب، واسأل، وحاول، وابدأ من جديد إذا تعثرت، ثم اترك النتيجة لمن بيده مفاتيح الأرزاق. فالإنسان عليه السعي، وليس عليه أن يفرض على الله شكل النتيجة.

وقد يكون رزقك في أمر لم تفكر فيه أصلًا، وفي مكان لم تخطط للوصول إليه، ومع أشخاص لم تتوقع أن تعرفهم، وفي فرصة جاءت بعد سنوات من الانتظار. وقد يكون رزقك الحقيقي ليس في الزيادة، وإنما في البركة؛ فالبركة تجعل القليل كثيرًا، وتجعل الشيء الصغير نافعًا، وتجعل العمر القصير مليئًا بالأثر الطيب.

وأحيانًا يكون أعظم رزق للإنسان أن يعرف متى يرضى ومتى يصبر ومتى ينسحب من طريق لا يناسبه. فليس كل ما يلمع ذهبًا، وليس كل ما نتمناه يصلح لنا، وليس كل من نحبهم مكتوبًا لهم أن يبقوا معنا إلى النهاية، وليس كل فرصة تبدو عظيمة تكون خيرًا لنا.

إن الإنسان كثيرًا ما يقول: "لو كنت حصلت على هذا الأمر لكانت حياتي أفضل"، ولا يدري أن الله ربما صرف عنه هذا الأمر لأن وراءه ألمًا لم يكن يحتمله. وربما يكون ما يراه الإنسان خسارة هو في ميزان الله نجاة، وما يراه تأخيرًا هو إعداد، وما يراه حرمانًا هو حماية، وما يراه نهاية هو بداية جديدة.

الرزق المحسوب هو ما نحسبه نحن بالأرقام، والوظائف، والبيوت، والسيارات، والأموال، والمناصب، والمكاسب، أما الرزق المكتوب فهو ما قدره الله لعبده، وقد يكون أكثر مما يحلم، أو أقل مما يتمنى، لكنه لا يخرج عن علم الله وحكمته.

ولهذا لا تجعل قلبك أسيرًا لما في أيدي الآخرين، ولا تقف كل يوم أمام أرزاق الناس تعدها وتقارنها برزقك. فلك رزقك، ولهم رزقهم، ولك طريقك، ولهم طريقهم. قد ترى إنسانًا سبقك في الدنيا، لكنك لا تعرف ما فقده في الطريق، وقد ترى آخر يعيش في نعمة تتمنى مثلها، ولا تعرف ما يحمله في قلبه من ابتلاءات لا تظهر على وجهه.

الرضا بالرزق لا يعني أن نتوقف عن الطموح، بل يعني أن نطمع في فضل الله دون أن نعترض على حكمته. أن نحلم، لكن لا نكسر قلوبنا إذا تأخرت الأحلام. أن نسعى، لكن لا نظن أن قوتنا وحدها تصنع النتائج. أن نطلب، لكن نثق أن اختيار الله لنا أعلم من اختيارنا لأنفسنا.

وفي النهاية، سيكتشف الإنسان أن أجمل ما في الرزق ليس مقدار ما يملك، وإنما مقدار ما يشعر بالامتنان له. فقد يعيش شخص وسط نعم كثيرة ولا يشعر بها، بينما يعيش آخر بالقليل لكنه ينام وقلبه هادئ، ولسانه يقول: الحمد لله.

فلا تحزن على رزق تأخر، ولا تنكسر أمام باب أغلق، ولا تكره طريقًا لم تختره، ولا تظن أن الله نسيك. اسعَ فيما تستطيع، واطلب الحلال، وادعُ الله، ثم اطمئن؛ فما كتب الله لك سيأتيك في وقته، وما لم يكتبه لك لن يكون من نصيبك، وفي الحالتين ثق أن وراء تقدير الله حكمة، حتى وإن تأخر فهمها.

قد لا تحصل على ما تمنيت، لكنك ستحصل على ما قدره الله لك، وربما يكون ما قدره الله لك أجمل بكثير مما كنت تتمنى لنفسك. فالرزق ليس دائمًا ما نختاره نحن، وإنما أحيانًا يكون أعظم رزق في حياتنا هو ما اختاره الله لنا ونحن لا نعلم.

google-playkhamsatmostaqltradent