recent
أخبار ساخنة

الميتيور.. صاروخ جهنم الذي خرج من الظل إلى سماء مصر /شيفاتايمز

حسين السمنودي

هناك أسلحة لا تكمن أهميتها في حجمها، ولا في شكلها، ولا حتى في عدد الدول التي تمتلكها، وإنما في السؤال الذي تفرضه على من يراقبها: ماذا يعني أن تمتلك دولة ما هذا السلاح؟

وهنا يأتي الحديث عن صاروخ «ميتيور» الذي ارتبط خلال السنوات الماضية بمقاتلات «رافال» المصرية، وتحول من مجرد اسم يتردد في دوائر التسليح والدفاع إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للاهتمام في ملف تحديث القوات الجوية المصرية.

فالقصة ليست قصة صاروخ فقط، وإنما قصة قرار مصري أوسع يقوم على تنويع مصادر التسليح، وعدم وضع الأمن القومي المصري في يد دولة واحدة أو مدرسة عسكرية واحدة.

وعندما بدأت مصر في بناء منظومة تسليح جديدة، لم يكن الأمر مجرد شراء طائرات ومدافع وصواريخ، وإنما كان إعادة صياغة كاملة لفلسفة التسليح المصرية.

رافال فرنسية، وميج روسية، ومنظومات دفاع جوي من مدارس مختلفة، وتعاون عسكري مع دول متعددة، وشراكات صناعية تتوسع تدريجيًا، وصولًا إلى تعاون صناعي بين الهيئة العربية للتصنيع و«داسو» الفرنسية في مجال سلاسل الإمداد وقطع الغيار.

ومن هنا يصبح «ميتيور» أكثر من مجرد صاروخ جو-جو بعيد المدى.

لماذا يخيف «ميتيور» خصومه؟

لأن المعركة الجوية الحديثة لم تعد بالضرورة معركة يرى فيها الطيار خصمه بعينيه.

الصاروخ ينتمي إلى فئة صواريخ جو-جو التي تعمل خارج مدى الرؤية البصرية، ويعتمد على باحث راداري نشط، ونظام ملاحة، ووصلات لتحديث المعلومات أثناء الطيران.

لكن النقطة الأكثر أهمية في تصميمه هي محرك الـ«رامجيت» النفاث الهوائي، الذي يمنحه قدرة على الحفاظ على الدفع خلال جزء كبير من مساره بدل أن يتحول بعد انتهاء الدفع الأولي إلى جسم يفقد طاقته تدريجيًا.

وتقول الشركة المصنعة MBDA إن هذه التقنية تمنح «ميتيور» منطقة لا إفلات كبيرة مقارنة بصواريخ جو-جو تقليدية من الفئة نفسها. ويبلغ وزن الصاروخ نحو 190 كيلوجرامًا وطوله قرابة 3.7 متر وقطره 178 ملليمترًا.

أما وزارة الدفاع الفرنسية فتصفه بأنه صاروخ جو-جو بعيد المدى، مصمم للعمل من «رافال» و«يوروفايتر» و«غريبن»، ومهمته تدمير أو تحييد الأهداف الجوية على مسافات بعيدة.

وهنا تكمن الفكرة.

القوة الحقيقية ليست في أن يكون الصاروخ «بعيد المدى» فقط، وإنما في أن يجمع بين المدى، والسرعة، والحفاظ على الطاقة، والقدرة على العمل ضمن منظومة استشعار واتصال حديثة.

أي أن «ميتيور» ليس قطعة منفردة تحت جناح الطائرة، وإنما جزء من منظومة قتال جوي متكاملة.

لكن كيف دخل اسم «ميتيور» إلى مصر؟

هنا تبدأ واحدة من أكثر صفحات القصة إثارة.

في عام 2024، نشرت Aviation Week تقريرًا عن برنامج الرافال المصرية، وأشارت إلى أن النسخ الأحدث من الطائرة ستكون قادرة على استخدام «ميتيور»، لكنها نقلت في الوقت نفسه عن مصادر وتحليلات أن الصاروخ لم يكن، بحسب المعلومات المتاحة آنذاك، ضمن التسليح الذي كانت مصر قد حصلت عليه، وربط التقرير ذلك بمخاوف أمريكية وإسرائيلية تتعلق بالتفوق النوعي الإسرائيلي.

وهذه النقطة بالذات تكشف حجم الحساسية التي أحاطت بالسلاح.

فامتلاك طائرة متقدمة شيء، وامتلاك السلاح الذي يمنحها قدراتها القصوى في القتال الجوي شيء آخر تمامًا.

وهذا ليس غريبًا في عالم تجارة السلاح؛ فالطائرة قد تُباع، ولكن الذخائر والبرمجيات وأنظمة الحرب الإلكترونية والتجهيزات المصاحبة قد تخضع لحسابات سياسية وأمنية مختلفة.

بل إن تجربة صاروخ «SCALP» المصري نفسها أظهرت كيف يمكن للقيود المرتبطة بتكنولوجيا أمريكية داخل منظومات أوروبية أن تؤثر في عمليات التصدير. وقد أشارت Jane's إلى تقارير سابقة تحدثت عن اعتراض أمريكي على بعض عمليات التوريد قبل التوصل إلى حلول.

المفاجأة المصرية

ثم جاءت السنوات التالية لتجعل الصورة أكثر تعقيدًا.

في سبتمبر 2026، تناول تقرير مصري حديث من معرض العلمين الدولي للطيران والفضاء تطور تسليح القوات الجوية، وذكر صراحة «ميتيور» ضمن تسليح الرافال المصرية، إلى جانب «SCALP EG».

كما أن تقارير دفاعية حديثة أعادت فتح ملف الصاروخ بصورة مباشرة، مشيرة إلى أن الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية المصرية سبق أن أشار في مادة منشورة عام 2018 إلى «ميتيور» ضمن الأسلحة المرتبطة بالطائرات المصرية.

وهنا يصبح السؤال الذي يفرض نفسه:

إذا كانت التقارير السابقة تتحدث عن عقبات وضغوط واعتراضات، فكيف انتهت القصة إلى ظهور اسم «ميتيور» في سياق التسليح المصري؟

الإجابة الكاملة ليست منشورة للرأي العام، ولا توجد وثيقة علنية تكشف كل تفاصيل المفاوضات أو الكميات أو توقيتات التسليم.

وهذا مهم جدًا.

لأن الحديث عن وجود الصاروخ ضمن منظومة التسليح المصرية لا يعني أن كل تفاصيل المخزون أو أعداد الصواريخ أو مستويات الجاهزية التشغيلية أصبحت معلنة.

الجيوش لا تكشف عادة كل أوراقها.

مصر لم تنتظر موافقة أحد

القراءة الأوسع للمشهد تشير إلى أن مصر خلال السنوات الأخيرة لم تبنِ سياستها العسكرية على مصدر واحد.

وهذه ربما تكون أهم رسالة في قصة «ميتيور».

فمصر اشترت الرافال من فرنسا، ووسعت أسطولها من الطائرات المقاتلة، وأدخلت مقاتلات روسية، وطورت منظومات دفاع جوي متعددة، واستمرت في التعاون مع شركاء غربيين وشرقيين في الوقت نفسه.

والهدف هنا ليس جمع الأسلحة لمجرد جمعها.

الهدف هو بناء شبكة قدرات.

طائرة تحمل رادارًا متقدمًا.

وصاروخ بعيد المدى.

وصاروخ آخر للقتال الجوي.

ومنظومات حرب إلكترونية.

وطائرات إنذار واستطلاع.

وشبكات قيادة وسيطرة.

وتدريب مستمر.

وعندما تعمل هذه العناصر معًا، تصبح قيمة كل قطعة أكبر من قيمتها منفردة.

وهذه هي فلسفة الحروب الحديثة.

«ميتيور» ليس سلاحًا سحريًا

ومن الضروري هنا ألا نقع في فخ المبالغة.

لا يوجد صاروخ في العالم يجعل صاحبه منتصرًا بمجرد امتلاكه.

فالقوة الجوية تعتمد على الطيار، والرادار، والتدريب، والحرب الإلكترونية، والاستطلاع، والاتصالات، والإنذار المبكر، والقيادة والسيطرة، وطبيعة الاشتباك، وقدرة الطرف الآخر على التشويش والمناورة.

ولهذا فإن الحديث عن «ميتيور» باعتباره «صاروخًا لا يُهزم» غير دقيق.

لكن يمكن القول، استنادًا إلى خصائصه المعلنة، إنه يمثل قدرة متقدمة جدًا في القتال الجوي بعيد المدى، وهو ما يفسر اهتمام الدول الكبرى بهذا النوع من الأسلحة.

ولماذا كان ظهوره في معرض علني مهمًا؟

لأن عالم التسليح عادة مليء بالرسائل غير المكتوبة.

عندما تعرض دولة سلاحًا في مناسبة عامة، فهي لا تقدم بالضرورة كشفًا كاملًا لقدراتها، لكنها تقول شيئًا واحدًا على الأقل:

هذا النظام أصبح جزءًا من الصورة التي نريد للعالم أن يراها عن قواتنا المسلحة.

وفي معرض العلمين الدولي للطيران والفضاء 2026، ظهر المشهد المصري بصورة أكثر اتساعًا؛ فقد افتُتحت الدورة الثانية للمعرض بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي، وشهدت مشاركة وعروضًا جوية من مصر ودول متعددة، بينها فرنسا وروسيا وإسبانيا وتركيا والسعودية والإمارات والهند.

وبالتالي فإن ظهور منظومات تسليح متقدمة في هذا السياق لا يمكن قراءته بمعزل عن التحول الكبير الذي شهدته صناعة ومعارض الدفاع والطيران في مصر.

الرسالة الأهم ليست «الميتيور» وحده

قد يخطئ البعض عندما يقرأ قصة «ميتيور» باعتبارها قصة صاروخ جديد فقط.

الحكاية الأكبر هي أن مصر خلال أكثر من عقد اتجهت إلى تنويع مصادر القوة.

ففي الماضي كان الاعتماد على مدرسة تسليح واحدة يضع الدولة أمام ضغوط سياسية محتملة كلما اختلفت المصالح.

أما عندما تصبح لديك علاقات تسليحية وصناعية مع أكثر من طرف، فإن مساحة الحركة السياسية والاستراتيجية تتسع.

وهذا لا يعني أن مصر أصبحت مستقلة تمامًا عن الخارج في مجال التسليح، فهذا استنتاج أكبر من الأدلة المتاحة.

لكن المؤكد أن القاهرة وسعت دائرة خياراتها بصورة كبيرة.

والأكثر أهمية أن التعاون لم يعد يقتصر على شراء السلاح.

ففي ديسمبر 2025 أعلنت الهيئة العربية للتصنيع توقيع اتفاق مع «داسو للطيران» لتوسيع دورها كشريك في سلسلة إمداد الشركة، مع تصنيع مكونات وقطع غيار وفق معايير صناعية متقدمة.

وهنا تنتقل الدولة من مرحلة المشتري إلى محاولة بناء قدرات صناعية وشراكات تقنية حول السلاح الذي تشتريه.

من «هل تستطيع مصر الحصول عليه؟» إلى «متى ظهر؟»

وهذه هي المفارقة التي تجعل قصة «ميتيور» مثيرة للاهتمام.

قبل سنوات كان النقاش يدور حول:

هل ستحصل مصر عليه؟

هل توجد قيود على تصديره؟

هل ستسمح القوى الدولية بذلك؟

هل يمكن أن يؤثر حصول مصر عليه في التوازن الجوي الإقليمي؟

ثم أصبح السؤال مختلفًا:

إذا كان موجودًا ضمن المنظومة المصرية، فمتى وصل؟ وكيف جرى إدخاله؟ وما حجم ما تم الحصول عليه؟

وهذه الأسئلة لا تملك المصادر المفتوحة إجابات كاملة عنها.

لكنها في الوقت نفسه تكشف شيئًا مهمًا: أن أكثر الأسلحة حساسية قد تدخل الخدمة دون أن يصاحب ذلك إعلان تفصيلي عن كل خطوة من خطوات التعاقد والتسليم والتشغيل.

مصر لا تحتاج إلى إعلان كل أوراقها

في السياسة العسكرية، الصمت أحيانًا جزء من العقيدة.

ليس مطلوبًا من أي جيش أن يعلن للخصم متى استلم كل صاروخ، وكم عدد الذخائر الموجودة، وكيف تدرب الطيارون، وما هي قواعد الاشتباك، وأين توجد المخزونات، وكيف تعمل شبكة القيادة والسيطرة.

ولهذا فإن ظهور سلاح في صورة أو معرض لا يعني أن كل ما لدى الدولة أصبح مكشوفًا.

بل قد يكون العكس تمامًا.

فالذي ظهر أمام الكاميرات هو فقط ما سمحت المؤسسة العسكرية بظهوره.

وهذه نقطة تستحق الانتباه.

«صاروخ جهنم»... ولكن بمعناه العسكري

يمكن أن نسمي «ميتيور» صاروخًا «جهنميًا» في لغة الصحافة، بسبب سرعته وقدرته على القتال خلف مدى الرؤية والمحافظة على الدفع بفضل محرك الرامجيت.

لكن القوة الحقيقية لا تكمن في الاسم.

القوة في منظومة الاستخدام.

فالـ«ميتيور» على رافال مدعومة برادار AESA، وشبكة معلومات، وتدريب جيد، وحرب إلكترونية، واستطلاع، وقيادة وسيطرة، ليس هو نفسه الصاروخ إذا تم التعامل معه باعتباره قطعة منفردة.

ولهذا فإن القيمة الاستراتيجية ليست في الصاروخ وحده، وإنما في البيئة التي يعمل داخلها.

وفي النهاية...

قصة «ميتيور» تكشف جانبًا من قصة أكبر بكثير.

مصر التي قررت أن تنوع مصادر تسليحها لم تكن تبحث فقط عن طائرة جديدة أو صاروخ جديد، وإنما كانت تبحث عن حرية أكبر في اتخاذ القرار العسكري.

ولهذا جاءت الرافال، ثم الميج، ثم منظومات الدفاع الجوي المتنوعة، ثم الأسلحة بعيدة المدى، ثم التوسع في التعاون الصناعي والتقني.

أما «ميتيور»، سواء نظرنا إليه باعتباره سلاحًا متقدمًا أو باعتباره رمزًا للتطور الذي شهدته منظومة التسليح المصرية، فإن أهميته تكمن في الرسالة التي يحملها ظهوره:

لم تعد المسألة بالنسبة لمصر أن تحصل على السلاح الذي يسمح الآخرون ببيعه لها فقط، وإنما أن توسع خياراتها إلى الحد الذي يجعل قرارها الاستراتيجي أقل ارتباطًا بمصدر واحد.

والأكثر إثارة أن بعض الأسلحة التي كانت محاطة لسنوات بعلامات استفهام وغموض، أصبحت تظهر تدريجيًا في المجال العلني، بينما تظل تفاصيل كثيرة خلف الأبواب المغلقة.

وهنا تحديدًا تكمن لعبة التسليح الحقيقية.

فما تراه العين ليس بالضرورة كل ما تملكه الدولة.

وما تعلنه الدولة ليس بالضرورة كل ما تعرفه.

وفي عالم السماء والصواريخ والطائرات، قد تكون أخطر رسالة هي تلك التي لا تحتاج إلى بيان رسمي طويل:

لقد أصبح السلاح موجودًا... أما كيف وصل، ومتى وصل، وكم منه موجود، فذلك سؤال آخر.

google-playkhamsatmostaqltradent