recent
أخبار ساخنة

جلبانة.. بين كهرباء لا تستقر وغاز لم يصل للجميع وحلم بأن تصبح علامة في سيناء /شيفاتايمز

حسين السمنودي
الإسماعيلية 

هناك قرى تعيش بعيدًا عن صخب الأحداث، وهناك قرى يضعها موقعها الجغرافي والتاريخي أمام مسؤولية أكبر من مجرد كونها تجمعًا سكانيًا يعيش فيه الناس ويزرعون ويتحركون بين بيوتهم وأراضيهم.
وجلبانة واحدة من هذه القرى.
قرية تابعة لمركز ومدينة القنطرة شرق بمحافظة الإسماعيلية، وتقع في نطاق جغرافي شديد الأهمية في قلب سيناء، بالقرب من واحدة من أهم مناطق الحركة والتنمية المرتبطة بقناة السويس وشرق القناة.
ولهذا فإن الحديث عن جلبانة لا ينبغي أن يكون حديثًا عن قرية تبحث فقط عن طريق أفضل أو كهرباء أكثر استقرارًا أو مرفق ناقص، وإنما يجب أن يكون حديثًا عن قرية يمكن أن تكون جزءًا من صورة سيناء الجديدة.
فالمشهد من حولها تغير.
سيناء التي عانت لعقود من ضعف العمران والخدمات في كثير من مناطقها، أصبحت اليوم تشهد مشروعات ضخمة في الطرق والكهرباء والمياه والصرف والزراعة والصناعة والنقل والخدمات، إلى جانب المشروعات المرتبطة بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس والموانئ والمناطق الصناعية واللوجستية.
وأعلنت الحكومة في 2026 أن مشروعات التنمية التي نُفذت في سيناء منذ 2014 وحتى 2026 وصلت إلى مئات المشروعات والاستثمارات الضخمة في قطاعات متعددة، بينما توسعت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس في جذب مشروعات صناعية ولوجستية واستثمارية وخلق فرص عمل. وهذه الصورة تؤكد أن سيناء دخلت بالفعل مرحلة مختلفة عنوانها التنمية والتعمير وربط شرق القناة بالاقتصاد الوطني.
لكن وسط هذا المشهد الكبير، تقف جلبانة أمام سؤال بسيط جدًا:
متى يشعر المواطن داخل القرية بأن هذا التغيير الكبير وصل إلى تفاصيل حياته اليومية؟
فالمواطن لا يقيس التنمية بعدد المليارات التي يتم الإعلان عنها، ولا بعدد المصانع التي أقيمت في المناطق الصناعية، ولا بحجم الاستثمارات الأجنبية التي دخلت المنطقة.
هو يقيسها بالكهرباء عندما يضغط على مفتاح الإنارة.
ويقيسها بالطريق عندما يخرج من منزله.
ويقيسها بالمياه عندما يفتح الصنبور.
ويقيسها بالغاز عندما يريد أن يطبخ دون أن يظل أسيرًا لأسطوانة.
ويقيسها بالخدمة الصحية عندما يمرض أحد أفراد أسرته.
وهنا تحديدًا تظهر مشكلة الكهرباء في جلبانة كواحدة من أكثر الملفات التي تستحق الاهتمام.
الكهرباء ليست تفصيلًا صغيرًا في حياة أهل جلبانة.
إنها عصب الحياة.
والمشكلة ليست فقط في حدوث انقطاع من وقت لآخر، وإنما في حالة عدم الاستقرار التي يمكن أن تجعل المواطن يشعر أن الخدمة لم تصل بعد إلى الصورة التي تتناسب مع حجم التطوير الذي شهدته القرية.
واللافت أن مشكلة الكهرباء في جلبانة ليست مجرد حديث أهالي يُتداول في المجالس، فقد جرى بالفعل بحث مشكلات الكهرباء في جلبانة وعدد من قرى القنطرة شرق خلال اجتماعات متابعة مشروعات «حياة كريمة»، بما يؤكد أن الملف كان حاضرًا على أجندة الجهات التنفيذية.
كما أن تقارير سابقة عن القرية ربطت بعض شكاوى انقطاع الكهرباء بسرقة محولات وأسلاك للجهد المتوسط، إلى جانب تعديات على التيار لتشغيل ماكينات آبار زراعية، وهي أسباب تؤكد أن حل المشكلة لا يتوقف فقط على زيادة قدرات الشبكة، وإنما يحتاج أيضًا إلى حماية مكونات الشبكة ومنع التعديات والتعامل السريع مع الأعطال.
لكن هناك جانبًا آخر لا يقل أهمية.
جلبانة ليست قرية بلا تنمية.
على العكس تمامًا.
«حياة كريمة» دخلت القرية وأحدثت تغييرًا حقيقيًا في قطاعات متعددة.
فقد شملت مشروعات المبادرة التعليم والصحة والشباب والرياضة والمياه والصرف والكهرباء والغاز والاتصالات والطرق والخدمات الحكومية والزراعية وغيرها، كما أن جلبانة كانت ضمن القرى الرئيسية المستهدفة في مركز ومدينة القنطرة شرق.
وهنا يجب أن نقول الحقيقة كاملة:
ما تحقق لا يجوز إنكاره، وما لم يكتمل لا يجوز تجاهله.
وهذه هي المعادلة العادلة.
فأهل جلبانة رأوا بالفعل مشروعات جديدة وخدمات لم تكن موجودة من قبل، لكنهم في الوقت نفسه ما زالوا يتحدثون عن مشكلات تحتاج إلى حلول واستكمال ومتابعة.
ومن أبرز الملفات التي تستحق إعادة النظر ملف الغاز الطبيعي.
فبحسب ما يتداوله أهالي جلبانة، فإن شبكة الغاز وصلت إلى جزء من القرية، بينما ما زالت أجزاء أخرى من القرية تنتظر استكمال التوصيل.
وهنا يظهر سؤال منطقي جدًا:
إذا كانت البنية الأساسية للغاز قد وصلت إلى جزء من جلبانة، فما الذي يمنع استكمالها لباقي المناطق المستحقة؟
وهل السبب فني؟
أم أن هناك اختلافًا في الكتل السكنية؟
أم أن بعض المناطق تحتاج إلى استكمال شبكات أو أعمال بنية أساسية قبل دخول الغاز؟
أم أن الأمر مرتبط بإجراءات التعاقد والتوصيل للمنازل؟
هذه الأسئلة تحتاج إلى إجابة واضحة من الجهة المختصة، لأن المواطن من حقه أن يعرف لماذا وصل الغاز إلى منطقة ولم يصل إلى منطقة أخرى، وما المطلوب حتى يدخل الخدمة إلى باقي الأهالي.
وهنا توجد نقطة مهمة جدًا.
ففي أكتوبر 2025، ناقشت محافظة الإسماعيلية التسهيلات المقدمة للمواطنين والمقيمين في قرى القنطرة شرق للتعاقد على الغاز الطبيعي، مع إمكانية التقسيط على سبع سنوات من خلال مندوب شركة الغاز بالمجمعات الحكومية في القرى.
وهذا يعني أن باب الاستفادة من الخدمة موجود، وأن هناك آليات للتعاقد والتقسيط.
ومن ثم فإن السؤال بالنسبة للأجزاء التي لم يصلها الغاز يصبح أكثر تحديدًا:
هل تحتاج هذه المناطق إلى استكمال الشبكات أولًا، أم أن هناك عائقًا آخر يمكن حله؟
وإذا كانت المشكلة مرتبطة بالبنية الأساسية، فهل توجد خطة زمنية لاستكمالها؟
وإذا كانت مرتبطة بعدد السكان أو الكتل السكنية أو الجدوى الفنية، فهل يمكن إعادة دراسة الأمر في ظل التوسع العمراني وزيادة احتياجات السكان؟
إن طرح هذه الأسئلة لا يعني توجيه الاتهام لأحد، وإنما يعني ببساطة أن المواطن يريد أن يعرف متى تكتمل الخدمة التي بدأت بالفعل.
والأهم من ذلك ألا تتحول عبارة «تم توصيل الغاز للقرية» إلى عنوان عام بينما توجد مناطق داخل القرية ما زالت تنتظر الخدمة.
فالتنمية في النهاية تصل إلى البيت، لا إلى اسم القرية فقط.
وإذا كان هناك شارع لم تصل إليه الخدمة، فإن أهله يشعرون بأن المشروع لم يكتمل بالنسبة إليهم مهما كانت نسبة الإنجاز الإجمالية مرتفعة.
وهذا يقودنا إلى مشكلة أكبر.
لماذا يجب أن تحصل جلبانة على اهتمام خاص؟
لأنها ليست قرية عادية من حيث الموقع.
مركز ومدينة القنطرة شرق نفسه يحتل موقعًا استراتيجيًا باعتباره جزءًا من سيناء، وقد اختيرت قرى المركز ضمن المرحلة الأولى من «حياة كريمة» باعتبارها من القرى الأكثر احتياجًا، بينما شملت المبادرة 4 قرى رئيسية و37 تابعًا.
كما أن مشروعات «حياة كريمة» بالقنطرة شرق لم تكن مجرد مشروعات تجميلية، وإنما تضمنت مرافق أساسية وخدمات حكومية وصحية وتعليمية وزراعية وشبابية وطرقًا وكهرباء وغازًا واتصالات.
وفي 2024، أعلنت الجهات التنفيذية وصول عدد من القطاعات إلى نسب تنفيذ كاملة، بينما استمرت أعمال أخرى في مراحل مختلفة، بما في ذلك بعض أعمال الطرق والمرافق.
لكن جلبانة تحتاج إلى النظر إليها باعتبارها قرية مستمرة في النمو.
فالخدمة التي تكفي اليوم قد لا تكفي بعد سنوات.
والشبكة التي صُممت لعدد معين من السكان قد تحتاج إلى رفع كفاءة عندما يزداد العمران.
والطريق الذي كان مناسبًا منذ سنوات قد يصبح بحاجة إلى توسعة وصيانة عندما تتزايد حركة السيارات والنقل الزراعي.
ولهذا فإن التخطيط لجلبانة لا ينبغي أن يكون فقط لإغلاق الملفات القديمة، وإنما يجب أن يكون أيضًا استعدادًا للمستقبل.
خصوصًا أن المنطقة المحيطة بها مقبلة على تغيرات اقتصادية وعمرانية أكبر.
فالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس أصبحت أحد محاور جذب الاستثمار والصناعة والخدمات اللوجستية، مع مشروعات جديدة وموانئ ومناطق صناعية وشبكات نقل تربط شرق القناة بمختلف أنحاء الجمهورية.
وهذه التنمية الكبرى يمكن أن تكون فرصة لجلبانة وأهلها.
لكن الفرصة لا تأتي وحدها.
لا بد من بنية أساسية قوية.
ولا بد من كهرباء مستقرة.
ولا بد من طرق جيدة.
ولا بد من خدمات اتصالات ومياه وصرف وغاز.
ولا بد من ربط أفضل بين القرى ومراكز العمل والاستثمار.
ولا بد من تحويل السكان المحليين من مجرد متلقين للخدمة إلى جزء من النشاط الاقتصادي القادم.
وهنا يمكن أن تتحول جلبانة إلى نقطة مهمة في سيناء الجديدة.
ليس من خلال إقامة مصنع داخل القرية بالضرورة، وإنما من خلال موقعها وشبكة الطرق المحيطة بها وقربها من مناطق النشاط الاقتصادي، وما يمكن أن توفره من قوة بشرية وأراضٍ زراعية وخدمات وأنشطة تجارية.
ولكن لكي يحدث ذلك، يجب أولًا أن يشعر أهلها بأن قريتهم أصبحت بالفعل جزءًا من منظومة التنمية.
فلا يعقل أن نتحدث عن استثمارات عالمية وموانئ ومناطق صناعية وطرق لوجستية، ثم يظل المواطن داخل قرية قريبة يعاني من انقطاع الكهرباء أو ينتظر استكمال طريق أو يتساءل عن موعد وصول الغاز إلى منزله.
هذه ليست مقارنة بين مشروع صغير ومشروع كبير.
هذه هي فكرة التنمية نفسها.
فالمشروع الصناعي يحتاج إلى الكهرباء.
والمواطن يحتاج إلى الكهرباء.
الميناء يحتاج إلى الطريق.
والمواطن يحتاج إلى الطريق.
المصنع يحتاج إلى المياه.
والبيت يحتاج إلى المياه.
والمستثمر يحتاج إلى الاتصالات.
والطالب والمزارع وصاحب المحل يحتاجون إليها أيضًا.
إذن ليست هناك تنمية للمستثمر وتنمية أخرى للمواطن.
هناك تنمية واحدة، وإذا نجحت في الوصول إلى الطرفين، أصبحت تنمية مكتملة.
ولهذا فإن جلبانة يمكن أن تكون نموذجًا مهمًا جدًا في المرحلة المقبلة.
نموذجًا يقول إن قرية كانت تعاني من نقص الخدمات استطاعت أن تدخل مرحلة جديدة، ثم واصلت استكمال ما بدأته.
والحقيقة أن «حياة كريمة» حققت بالفعل تغييرًا واضحًا في قرى القنطرة شرق، لكن المرحلة التالية يجب أن تكون مرحلة استدامة ورفع كفاءة واستكمال.
فالعمل لا ينتهي بمجرد إنشاء الشبكة.
الكهرباء تحتاج إلى صيانة ومتابعة.
الطرق تحتاج إلى صيانة.
المياه تحتاج إلى متابعة.
الصرف يحتاج إلى تشغيل جيد.
الغاز يحتاج إلى استكمال المناطق المستحقة.
وكل هذه الخدمات تحتاج إلى رقابة واستجابة سريعة لشكاوى المواطنين.
ومن هنا فإن أهم مطلب لأهالي جلبانة اليوم ليس أن تبدأ التنمية من جديد، وإنما أن تكتمل التنمية التي بدأت بالفعل.
أن تستقر الكهرباء.
أن تُستكمل الطرق التي تحتاج إلى استكمال.
أن تصل المرافق إلى كل المناطق المستحقة.
أن تُدرس المناطق التي لم يصلها الغاز، ويُعلن للأهالي بوضوح موقفها الفني والتنفيذي.
وإذا كان استكمال الغاز ممكنًا، فليعرف المواطنون ما هو المطلوب منهم، وما هو المطلوب من الشركة والجهات التنفيذية، ومتى يمكن أن يروا الخدمة في منازلهم.
هذه الشفافية وحدها قادرة على تخفيف كثير من الشكاوى.
فالمواطن يستطيع أن يصبر عندما يعرف أن هناك خطة.
ويستطيع أن ينتظر عندما يعرف موعدًا.
لكن أصعب شيء على المواطن هو أن يظل يسأل ولا يجد إجابة واضحة.
وجلبانة تستحق إجابة واضحة.
لأنها ليست مجرد قرية على أطراف الخريطة.
إنها قرية تقع في منطقة تتغير كل يوم.
سيناء من حولها تتحرك.
القنطرة شرق تتحرك.
المشروعات تتحرك.
الاستثمارات تتحرك.
الطرق تتحرك.
والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس تفتح أبوابًا جديدة أمام الصناعة والاستثمار والخدمات اللوجستية.
ويبقى السؤال:
هل تتحرك جلبانة بالسرعة نفسها؟
الإجابة يمكن أن تكون نعم، إذا اكتملت الملفات التي ما زالت تؤرق أهلها، وفي مقدمتها الكهرباء والمرافق والطرق والغاز.
وعندها لن يكون الحديث عن جلبانة باعتبارها قرية تكثر فيها الشكاوى، وإنما باعتبارها قرية نجحت في تحويل موقعها الجغرافي إلى فرصة حقيقية.
وقد يكون هذا هو التحدي الأكبر أمام المرحلة القادمة:
أن تتحول جلبانة من قرية تقع بجوار مشروعات التنمية إلى قرية تشارك فعليًا في ثمار التنمية.
أن يصبح الطريق وسيلة للانتقال إلى فرص العمل.
وأن تصبح الكهرباء خدمة مستقرة وليست مصدر قلق.
وأن يصل الغاز إلى كل المناطق المستحقة بعد استكمال الشبكات.
وأن تصبح المرافق قاعدة للاستقرار لا ملفًا مفتوحًا للشكاوى.
وأن يشعر الفلاح أن تحسين الطرق والخدمات يساعده في نقل إنتاجه.
وأن يشعر الشاب أن قربه من مناطق التنمية يعني فرصة وليس مجرد موقع جغرافي.
وأن يشعر كل بيت في جلبانة أن سيناء الجديدة لم تمر من أمامه، وإنما وصلت إليه.
وهنا فقط يمكن أن تصبح جلبانة علامة مميزة في سيناء.
ليس لأنها خالية من المشاكل، ولكن لأنها استطاعت أن تتجاوز مشاكلها.
وليس لأنها حصلت على كل شيء مرة واحدة، وإنما لأنها واصلت استكمال ما بدأته.
وليس لأنها تقع بالقرب من المشروعات الكبرى، وإنما لأنها أصبحت جزءًا من هذه الحركة الاقتصادية والتنموية.
جلبانة لديها الأرض.
ولديها الموقع.
ولديها الإنسان.
ولديها تاريخ من الصبر والتحمل.
ولديها اليوم مشروعات بدأت بالفعل.
وما ينقصها ليس سوى أن تكتمل الدائرة.
كهرباء مستقرة.. طرق مكتملة.. مرافق قوية.. غاز يصل إلى كل المناطق المستحقة.. وخطة واضحة للمستقبل.
عندها لن يكون السؤال: لماذا تشتكي جلبانة؟
بل سيكون السؤال الأجمل:
كيف نجحت جلبانة في أن تصبح واحدة من العلامات المضيئة على خريطة سيناء الجديدة.

google-playkhamsatmostaqltradent