recent
أخبار ساخنة

ليلة بكى فيها المنهزمون.. حين عبر المصريون من الهزيمة إلى المجد /شيفاتايمز

شيفاتايمز SHEFATAIMS
حسين السمنودي

كانت ليلة السادس من أكتوبر عام 1973 واحدة من تلك الليالي التي لا يستطيع التاريخ أن يطوي صفحاتها، ولا تستطيع السنوات أن تمحو تفاصيلها من ذاكرة وطن عاش الهزيمة، وصبر على مرارتها، ثم نهض من تحت ركام الألم ليكتب للعالم واحدة من أعظم صفحات الإرادة والانتصار.

لم تكن مصر في ذلك اليوم تخوض معركة عسكرية عابرة، ولم يكن الجندي المصري يعبر قناة السويس بحثًا عن مجد شخصي أو بطولة فردية، وإنما كان يعبر فوق سنوات طويلة من الألم، وفوق آثار نكسة يونيو، وفوق صورة حاول البعض أن يثبتها في الوعي المصري والعربي، مفادها أن التفوق العسكري الإسرائيلي أصبح حقيقة لا يمكن تغييرها، وأن الجيش الإسرائيلي أصبح جيشًا لا يُقهر.

لكن التاريخ كان يخفي مفاجأة كبيرة.

ففي السادس من أكتوبر تغيرت المعادلات.

وتغيرت الصورة.

وتغيرت نظرة المصري إلى نفسه.

وعندما دقت ساعة الصفر، كانت القوات المسلحة المصرية قد وصلت إلى لحظة طال انتظارها. سنوات من إعادة البناء والتدريب والتخطيط وحرب الاستنزاف ودراسة الجبهة والاستعداد النفسي والعسكري سبقت تلك اللحظة التي أصبح فيها العبور حقيقة أمام أعين الجميع.

وفي الساعة الثانية ظهرًا، انطلقت القوات المصرية في هجومها، وبدأ عبور قناة السويس، وتقدمت مجموعات المشاة إلى الضفة الشرقية، بينما كانت المدفعية المصرية تفتح نيرانها على المواقع الإسرائيلية.

لم تكن القناة مجرد مياه تفصل بين ضفتين.

كانت في الوعي المصري حاجزًا نفسيًا قبل أن تكون حاجزًا مائيًا.

وكان عبورها يعني أن المصري الذي قيل إنه هُزم يستطيع أن يعود، وأن الجندي الذي حمل آثار يونيو في ذاكرته قادر على أن يقف من جديد، وأن الهزيمة مهما كانت قاسية لا تستطيع أن تتحول إلى قدر أبدي.

وعلى الضفة الأخرى، كان خط بارليف يقف باعتباره أحد أبرز عناصر التحصين الإسرائيلي على امتداد الجبهة، وقد ارتبط لسنوات بصورة القوة والمنعة والصعوبة.

لكن الجنود المصريين لم يدخلوا المعركة بحثًا عن المستحيل، بل دخلوا إليها بعد إعداد طويل وخطة دقيقة، واستطاعوا فتح الثغرات في الساتر الترابي وعبور القناة وإقامة رؤوس الكباري على الضفة الشرقية.

كانت اللحظة التي ينتظرها المصريون قد جاءت.

وكانت الأخبار تتناقل بين الناس.

وفي البيوت المصرية، كان هناك من يرفع يديه بالدعاء، ومن يحبس أنفاسه أمام الراديو، ومن يتذكر ابنه الموجود في الجبهة، ومن يتمنى أن يأتي المساء ومعه خبر يطمئن القلوب.

ثم جاءت أخبار العبور.

كانت الفرحة أكبر من الكلمات.

لم تكن فرحة المصريين لأن جيشهم تقدم بضعة أمتار أو استولى على موقع، وإنما لأنهم شعروا أن شيئًا عظيمًا تغير في داخلهم.

عاد الإحساس بالقدرة.

وعادت الثقة.

وعاد المصري يرى نفسه قادرًا على مواجهة ما كان يبدو مستحيلًا.

وفي الجانب الإسرائيلي كانت المفاجأة ثقيلة.

فالجيش الذي اكتسب بعد حرب 1967 صورة القوة التي يصعب كسرها وجد نفسه أمام هجوم مصري منظم ومفاجئ، وأمام جنود عبروا القناة وأقاموا مواقع على الضفة الشرقية.

وهنا سقطت واحدة من أخطر الأفكار التي يمكن أن تقع فيها أي قوة عسكرية: فكرة أن الانتصار السابق يضمن الانتصار القادم.

فلا جيش فوق الحسابات.

ولا تحصين فوق التاريخ.

ولا قوة تستطيع أن تضمن لنفسها النصر إلى الأبد.

إن أكتوبر لم يكن مجرد انتصار عسكري مصري، بل كان درسًا في كيفية صناعة القوة.

فالقوة لا تبدأ لحظة إطلاق النار، وإنما تبدأ قبل ذلك بسنوات.

تبدأ في المدرسة.

وفي الجامعة.

وفي المصنع.

وفي المعمل.

وفي مراكز التدريب.

وفي بناء الإنسان.

وفي احترام العلم.

وفي تطوير التكنولوجيا.

وفي امتلاك اقتصاد قادر على الصمود.

وفي جيش يتدرب ويخطط ويعرف واجبه.

وفي شعب يعرف أن أمن الوطن ليس مسؤولية مؤسسة واحدة، وإنما مسؤولية مجتمع كامل كل في موقعه.

وهنا تكمن الرسالة الحقيقية التي يجب أن تصل إلى شباب مصر اليوم.

يا شباب مصر...

إن الصراعات في العالم لم تنتهِ، لكن الاستعداد لها لا يعني أن يعيش الإنسان في خوف أو أن يبحث عن الحرب، بل يعني أن يكون الوطن يقظًا، وأن يكون أبناؤه على قدر المسؤولية، وأن يدركوا أن العالم لا يحترم إلا من يمتلك أسباب القوة ويحسن استخدامها في الدفاع عن مصالحه وأمنه ومستقبله.

الصراع اليوم لم يعد فقط في ميادين القتال.

هناك صراع على العلم.

وصراع على التكنولوجيا.

وصراع على الاقتصاد.

وصراع على الوعي.

وصراع على المعلومات.

وصراع على العقول.

وصراع على قدرة الدول في إنتاج غذائها ودوائها وسلاحها وتقنياتها.

وهنا يجب أن يفهم شباب اليوم أن معركة المستقبل قد تبدأ من كتاب، أو معمل، أو مصنع، أو شركة تكنولوجيا، أو جامعة، أو مشروع زراعي، أو فكرة مبتكرة، تمامًا كما بدأت معركة أكتوبر من سنوات طويلة من التدريب والإعداد.

فالجندي المصري في أكتوبر لم يصنع النصر في ساعات قليلة.

كان خلفه جيش يستعد.

وخلف الجيش دولة تخطط.

وخلف الدولة شعب يتحمل.

وخلف الجميع إرادة لم تقبل أن تتحول الهزيمة إلى نهاية.

ولهذا فإن الرسالة التي يجب أن تصل إلى شبابنا ليست: انتظروا الحرب.

وإنما: استعدوا للحياة، واستعدوا للمستقبل، واستعدوا للدفاع عن وطنكم بالعلم والعمل والانضباط والوعي.

تعلموا.

اقرأوا.

امتلكوا التكنولوجيا.

أتقنوا لغات العالم.

افهموا الاقتصاد.

اهتموا بالعلوم.

احترموا العمل.

حافظوا على بلدكم.

لا تسمحوا للشائعات أن تهزمكم.

ولا تسمحوا للمعلومات المضللة أن تصنع عقولكم بدلًا منكم.

ولا تجعلوا مواقع التواصل الاجتماعي مصدر المعرفة الوحيد لكم.

فالعصر الذي نعيش فيه يمكن أن تنتصر فيه دولة على أخرى دون أن تطلق رصاصة واحدة، إذا استطاعت أن تتفوق عليها في التكنولوجيا والاقتصاد والإعلام والذكاء الاصطناعي والعلوم والمعرفة.

وهنا تصبح معركة الوعي جزءًا من الأمن القومي.

ويصبح الطالب المتفوق جنديًا في معركة البناء.

ويصبح الطبيب الماهر جنديًا.

والمهندس المبدع جنديًا.

والمعلم المخلص جنديًا.

والعامل الذي يتقن عمله جنديًا.

والمزارع الذي يزيد إنتاج أرضه جنديًا.

والباحث الذي يبتكر دواءً أو تقنية جديدة جنديًا في معركة المستقبل.

وهذه هي الروح التي يجب أن تنتقل من أكتوبر إلى الأجيال الجديدة.

فأكتوبر ليس مجرد ذكرى نحتفل بها كل عام ثم نعود إلى حياتنا وكأن شيئًا لم يكن.

أكتوبر مدرسة.

والدرس الأكبر فيها أن القوة تحتاج إلى إعداد.

وأن الأمن يحتاج إلى يقظة.

وأن النجاح يحتاج إلى تخطيط.

وأن النصر لا يأتي بالأماني.

لقد ظن البعض قبل أكتوبر أن التفوق العسكري الذي تحقق في حرب سابقة يمكن أن يتحول إلى ضمان دائم، فجاءت الحرب لتثبت أن التاريخ لا يعرف القوة الأبدية.

وهذه الرسالة ليست موجهة إلى طرف بعينه، وإنما هي قاعدة تاريخية عامة: من يطمئن إلى قوته ويتوقف عن التطور، يبدأ في خسارة عناصر قوته من حيث لا يشعر.

ولهذا يجب على مصر أن تبقى مستعدة دائمًا، لا استعدادًا للحرب من أجل الحرب، وإنما استعدادًا يحمي السلام ويصون الوطن ويمنح الدولة القدرة على مواجهة الأزمات والتحديات مهما تغير شكلها.

فالعالم يتغير بسرعة.

والأسلحة تتغير.

والحروب تتغير.

والتهديدات تتغير.

والتكنولوجيا أصبحت جزءًا أساسيًا من الصراعات الحديثة.

ومن لا يواكب هذا التغيير قد يجد نفسه متأخرًا في لحظة لا تسمح بالتأخير.

وهنا تظهر قيمة أكتوبر من جديد.

فالجندي المصري الذي عبر القناة لم يكن يتحرك بعاطفة وحدها، وإنما كان يتحرك وفق خطة وتدريب وانضباط.

وهذا هو الدرس الذي يحتاجه شبابنا اليوم.

لا يكفي أن تحب وطنك بالكلمات.

أثبت حبك له بالعمل.

لا يكفي أن ترفع العلم.

ارفع معه مستوى علمك.

لا يكفي أن تتحدث عن قوة مصر.

كن واحدًا من أسباب هذه القوة.

لا تنتظر من الآخرين أن يبنوا مستقبلك.

ابنه أنت بعلمك ومهارتك وإرادتك.

ولا تنظر إلى أكتوبر باعتباره قصة انتهت، بل باعتباره دليلًا على أن الأمم تستطيع أن تنهض عندما تتجمع لديها الإرادة والعلم والتخطيط والصبر.

لقد كانت هناك ليلة بكى فيها من ظنوا أن الهزيمة لا تعرف طريقًا إلى جيشهم.

وكانت هناك ليلة فرح فيها المصريون لأنهم رأوا بأعينهم أن ما قيل عنه مستحيل يمكن أن يصبح حقيقة.

لكن أعظم ما في أكتوبر ليس فقط ما حدث في السادس من أكتوبر، وإنما ما يجب أن نتعلمه منه اليوم.

أن الوطن الذي يريد أن يبقى قويًا لا ينام على أمجاد الماضي.

وأن الجيش الذي حقق نصرًا تاريخيًا يظل بحاجة إلى التطوير والتحديث.

وأن الشعب الذي احتفل بانتصار أبنائه يجب أن يواصل العمل من أجل بناء وطن أقوى.

وأن الشباب الذين ورثوا قصة أكتوبر عليهم أن يرثوا معها المسؤولية، لا الاحتفال فقط.

يا شباب مصر...

أنتم الجيل الذي سيعيش في عالم مختلف.

عالم تتغير فيه موازين القوة بسرعة، وتصبح فيه المعرفة سلاحًا، والتكنولوجيا قوة، والاقتصاد أمنًا، والوعي حصنًا، والوحدة الوطنية ضرورة.

فلا تنتظروا السادس من أكتوبر كي تتذكروا معنى الاستعداد.

اجعلوا الاستعداد أسلوب حياة.

استعدوا بالعلم.

استعدوا بالعمل.

استعدوا بالوعي.

استعدوا بالأخلاق.

استعدوا بالانضباط.

استعدوا بالقدرة على التفكير.

واستعدوا بأن تكونوا قادرين على حماية وطنكم وبناء مستقبله، كلٌّ في موقعه.

لقد عبر آباؤكم وأجدادكم قناة السويس في السادس من أكتوبر، لكن معركة الأجيال الجديدة ليست نسخة من معركة الأمس.

معركتكم اليوم هي أن تجعلوا مصر أكثر علمًا، وأكثر إنتاجًا، وأكثر قدرة على مواجهة الأزمات، وأكثر امتلاكًا لأدوات العصر.

فإذا كان جندي أكتوبر قد حمل سلاحه وعبر القناة، فإن شاب اليوم عليه أن يحمل علمه وفكره ومهارته ويعبر بمصر إلى المستقبل.

هذه هي الرسالة التي ينبغي أن تبقى حية بعد أكثر من نصف قرن:

لا تعيشوا على انتصار صنعه السابقون، بل اصنعوا أنتم أسباب الانتصار القادم في العلم والعمل والبناء والوعي.

فالتاريخ لا يحمي الأمم لمجرد أنها انتصرت مرة.

والمجد لا يحمي الأوطان إذا توقف أبناؤها عن العمل.

والقوة لا تبقى قوة إلا إذا جددت نفسها كل يوم.

ولهذا ستظل ليلة السادس من أكتوبر حاضرة في وجدان مصر؛ ليلة عبر فيها الجنود، وفرح فيها المصريون، واضطربت فيها حسابات من ظنوا أن التفوق الأبدي ممكن، وسجلت فيها مصر درسًا لا ينسى:

أن الأمة التي تعرف كيف تنهض بعد الهزيمة، وتعرف كيف تستعد، وتعرف كيف تبني أبناءها، تستطيع أن تفتح لنفسها طريقًا جديدًا في التاريخ.

وتبقى مصر...

بجيشها وشعبها وشبابها...

أمة لا تنام على أمجاد الماضي، ولا تخاف من المستقبل، وإنما تستعد له كل يوم.

google-playkhamsatmostaqltradent