recent
أخبار ساخنة

السوشيال ميديا.. جسر جديد لحماية التراث النوبي /شيفاتايمز

السوشيال ميديا.. جسر جديد لحماية التراث النوبي
بقلم: حمدي حسن عبدالسيد
كاتب وباحث في التراث الشعبي النوبي – أمين عام جمعية التراث النوبي

في عصر التحول الرقمي، لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد منصات للتواصل وتبادل الأخبار والصور، بل أصبحت أدوات فعالة لحفظ الذاكرة الثقافية للشعوب وصون تراثها من الاندثار. وبينما تواجه العديد من الثقافات المحلية تحديات العولمة وتسارع وتيرة الحياة الحديثة، برزت السوشيال ميديا كجسر جديد يربط الماضي بالحاضر، ويمنح التراث فرصة للبقاء والانتشار، وهو ما ينطبق بوضوح على التراث النوبي الذي يُعد أحد أعرق روافد الحضارة المصرية.
ويتميز التراث النوبي بتنوعه وثرائه، حيث يضم اللغة النوبية بمختلف لهجاتها، والعادات والتقاليد الاجتماعية، والفنون الشعبية، والأغاني والموسيقى، والحرف اليدوية، إلى جانب الموروث الشفهي من حكايات وأمثال وقصص تناقلتها الأجيال عبر قرون طويلة. وقد شكلت هذه العناصر مجتمعة هوية ثقافية متفردة استطاعت أن تحافظ على خصوصيتها رغم التغيرات التاريخية والاجتماعية التي شهدتها النوبة.
ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وجد أبناء النوبة نافذة جديدة للتعريف بتراثهم وتوثيقه ونقله إلى الأجيال الشابة. فقد تحولت صفحات فيسبوك والمجموعات النوبية إلى منصات رقمية حية تُنشر من خلالها الصور التاريخية للقرى النوبية القديمة، والوثائق النادرة، والذكريات المرتبطة بالحياة قبل التهجير، فضلًا عن توثيق المناسبات الاجتماعية والاحتفالات التراثية التي تعكس روح المجتمع النوبي وتماسكه.
كما ساهمت منصة تيك توك في الوصول إلى فئات عمرية جديدة، خاصة الشباب والأطفال، من خلال مقاطع فيديو قصيرة تعرض جوانب متنوعة من الثقافة النوبية، مثل الأزياء التقليدية، والأكلات الشعبية، والرقصات والأغاني التراثية، إضافة إلى تعليم الكلمات والمفردات النوبية بأساليب مبسطة وجذابة. وقد أسهم هذا المحتوى في تعريف جمهور واسع داخل مصر وخارجها بالثقافة النوبية، وأعاد الاهتمام بها باعتبارها جزءًا أصيلًا من الهوية المصرية.
ولم تقتصر أهمية السوشيال ميديا على النشر والتعريف فقط، بل أصبحت وسيلة فعالة لتوثيق التراث وحفظه رقمياً. فكل صورة قديمة يتم نشرها، وكل تسجيل صوتي أو مرئي يتم تداوله، يمثل وثيقة تاريخية تضاف إلى الذاكرة الجماعية للنوبة. كما أتاحت هذه المنصات الفرصة لتبادل المعلومات والخبرات بين أبناء النوبة في مختلف المحافظات المصرية ودول العالم، مما عزز الشعور بالانتماء والارتباط بالجذور الثقافية.
وفي هذا السياق، برزت نماذج مشرفة من أبناء النوبة الذين أدركوا أهمية الإعلام الرقمي في خدمة التراث، ومن بينهم المهندسة زينب مبارك والدكتورة كوثر جبريل، اللتان قدمتا جهودًا متميزة عبر منصات التواصل الاجتماعي في نشر الثقافة النوبية والتعريف بتاريخ النوبة وعاداتها وتقاليدها وقضاياها الثقافية. وقد أسهمت مشاركاتهما ومحتواهما التوعوي في تعزيز الوعي بالهوية النوبية بين الأجيال الجديدة، وإبراز الوجه الحضاري للنوبة أمام جمهور واسع من المتابعين.
ورغم النجاحات التي حققتها وسائل التواصل الاجتماعي في خدمة التراث النوبي، فإن هناك تحديات لا تزال قائمة، من أبرزها ضرورة التحقق من دقة المعلومات المتداولة، وتجنب نشر الروايات غير الموثقة، والعمل على توثيق المحتوى التراثي وفق أسس علمية تحفظ مصداقيته للأجيال المقبلة. كما تبرز الحاجة إلى إنشاء أرشيفات رقمية متخصصة تجمع الصور والوثائق والتسجيلات النوبية في إطار مؤسسي يضمن استدامتها وسهولة الوصول إليها.
إن الحفاظ على التراث النوبي لم يعد مسؤولية المؤسسات الثقافية والبحثية وحدها، بل أصبح واجبًا مجتمعيًا يشارك فيه الجميع، وخاصة الشباب الذين يمتلكون أدوات التكنولوجيا الحديثة وقدرة كبيرة على صناعة المحتوى الرقمي. فكل منشور يوثق عادة من العادات النوبية، وكل مقطع فيديو يحفظ أغنية تراثية، وكل صورة تستعيد ذكرى من الماضي، يمثل خطوة جديدة في حماية هذا الموروث الحضاري العريق.
لقد أثبتت السوشيال ميديا أنها ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل منصة ثقافية قادرة على بناء جسور بين الأجيال، وحفظ ذاكرة الشعوب، وتعزيز الانتماء للهوية الوطنية. ومن هنا، فإن استثمار هذه المنصات في خدمة التراث النوبي يمثل فرصة حقيقية لضمان استمراره وحضوره في الوعي الجمعي، حتى تظل النوبة بتاريخها وثقافتها ولغتها وفنونها مصدر فخر وإلهام للأجيال الحالية والقادمة.
google-playkhamsatmostaqltradent