recent
أخبار ساخنة

لا تُغلقوا أبواب الرزق للشباب ثم تسألوا عن أسباب ضياعهم


بقلم: أسماء مالك

لا أحد يختلف على أهمية فرض النظام، ولا أحد يعترض على حق الدولة في تنظيم الأسواق والمواقف والشوارع العامة. فالدولة القوية هي دولة القانون، والدولة الحديثة لا يمكن أن تسمح بالفوضى أو التعديات أو استغلال المرافق العامة بعيدًا عن الضوابط المنظمة.

لكن الدول لا تُقاس فقط بقدرتها على إزالة المخالفات، وإنما أيضًا بقدرتها على خلق البدائل المناسبة.

فالتنظيم الناجح ليس الذي يكتفي بإغلاق باب، بل الذي يفتح بابًا آخر أكثر أمانًا واستقرارًا للمواطن.

ومن هنا يبرز سؤال مشروع: ماذا بعد الإزالة؟ 

وماذا بعد الغلق؟

 وماذا بعد منع النشاط؟

هل يكفي أن نرفع شعار التنظيم دون أن نقدم حلولا واقعية للشباب الذين يبحثون عن فرصة عمل شريفة؟

في كل مرة يُغلق فيها مصدر رزق أمام عشرات الشباب، ينبغي أن ننظر إلى الصورة كاملة. 

فخلف كل نشاط صغير شاب يحاول أن يبني مستقبله، وأسرة تنتظر دخلًا يعينها على أعباء الحياة، وأب أو أم يراهنان على أن يكون العمل الشريف هو طريق أبنائهما إلى الاستقرار.

نحن لسنا ضد التنظيم، ولسنا ضد القانون، ولسنا ضد حق الدولة في استرداد هيبتها والحفاظ على المرافق العامة. 

لكننا في الوقت نفسه مع حق الشباب في العمل، ومع حقهم في أن يجدوا فرصة حقيقية لكسب الرزق بالحلال.

وإذا كان المطلوب من الشباب أن يقننوا أوضاعهم، فإن هذا هدف مشروع ومطلوب، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل إجراءات التقنين وتكاليفه تتناسب فعلًا مع حجم النشاط الذي يمارسه هؤلاء الشباب؟

فالكثير منهم لا يرفضون التقنين، بل يطالبون به لأنه يوفر لهم الاستقرار القانوني والأمان الوظيفي. 

غير أنهم يصطدمون أحيانًا برسوم وإجراءات قد تتجاوز قدراتهم المالية، أو تفوق في بعض الحالات حجم الأرباح التي يحققها النشاط نفسه.

وهنا تصبح القضية أكثر تعقيدًا؛ لأننا لا نكون أمام شاب يرفض القانون، بل أمام شاب يريد الالتزام بالقانون لكنه لا يملك تكلفة الوصول إليه.

إن نجاح أي منظومة تقنين لا ينبغي أن تقاس فقط بحجم الإيرادات المحصلة، وإنما بعدد المواطنين الذين استطاعت الدولة دمجهم وإحتضانهم داخل الاقتصاد الرسمي. فالهدف في النهاية ليس زيادة الأعباء على أصحاب الأنشطة الصغيرة، وإنما تحويلهم إلى شركاء في مسيرة التنمية والإنتاج.

والسؤال الأهم: هل من الحكمة أن نُصعّب الطريق أمام الشاب الذي اختار العمل الشريف، ثم ننفق لاحقًا أضعاف هذه الأموال لمعالجة نتائج البطالة والتهميش واليأس؟

فحين نتحدث عن مكافحة الإدمان أو الجريمة أو الانحراف السلوكي، فإننا نتحدث غالبًا عن معالجة النتائج. 

أما البداية الحقيقية فتكون من توفير فرصة عمل كريمة، وشعور الإنسان بأن له مكانًا في وطنه ومستقبلًا يستحق أن يتمسك به.

العمل ليس مصدر دخل فقط، ولكن هو وسيلة للحفاظ على الكرامة الإنسانية، وحصن نفسي واجتماعي يحمي الشباب من الانزلاق إلى مسارات أخرى. ولذلك فإن أفضل استثمار يمكن أن تقوم به أي دولة هو الاستثمار في الإنسان المنتج قبل الاستثمار في معالجة آثار الإقصاء والفشل والبطالة.

إن الشباب لا يطلبون إعانات دائمة، ولا يبحثون عن استثناءات، ولا يرفضون الخضوع للقانون. 

كل ما يطلبونه أن تكون القواعد قابلة للتطبيق، وأن تكون رسوم التقنين عادلة، وأن تكون البدائل متاحة، وأن يشعروا بأن الدولة تمد لهم يد العون والمساندة لا أن تضع أمامهم مزيدًا من العقبات.

وفي محافظة مثل أسوان، حيث تشكل فئة الشباب النسبة الأكبر من المجتمع، يصبح الحفاظ على فرص العمل الصغيرة والمتوسطة قضية تنموية بامتياز، وليست قضية تنظيمية أو إدارية.

فالشاب الذي ينجح في مشروع صغير اليوم قد يصبح صاحب مشروع كبير غدًا. 

أما الشاب الذي يُفقد مصدر رزقه دون بديل واضح، فقد يتحول من عنصر إنتاج إلى عبء جديد في قوائم الباحثين عن العمل.

إن المعادلة ليست مستحيلة.

يمكن للدولة أن تحافظ على هيبتها، ويمكنها في نفس الوقت أن تحافظ على لقمة عيش أبنائها. ويمكن للقانون أن يُطبق بحزم، دون أن يفقد روحه الإنسانية. ويمكن للتنظيم أن ينجح، دون أن يشعر الشباب بأنهم يدفعون وحدهم ثمنه.

فالأوطان القوية لا تُبنى فقط بالمباني المنظمة والطرق الممهدة، بل تُبنى أيضًا بإنسان يشعر أن بلده تفتح له أبواب الأمل قبل أن تغلق في وجهه أبواب الرزق.

والله المستعان.


google-playkhamsatmostaqltradent