بقلم: أسماء مالك
لا يختلف اثنان على أن الدولة المصرية تمضي بخطى ثابتة نحو استعادة الانضباط ومواجهة العشوائية في مختلف القطاعات والمرافق العامة. كما لا يختلف أحد على أن تطبيق القانون واحترام النظام يمثلان ركيزة أساسية لبناء الجمهورية الجديدة التي تقوم على التخطيط والتنظيم وتحقيق المصلحة العامة.
لكن في المقابل، تبقى هناك معادلة إنسانية واجتماعية لا تقل أهمية عن تطبيق القانون، وهي الحفاظ على حق المواطن في العمل وكسب الرزق الشريف.
واليوم، شهد موقف الأقاليم بأسوان حملات موسعة لإزالة التعديات والبترينات والمواقع العشوائية داخل الموقف، في إطار جهود المحافظة لإعادة الانضباط وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين. وهي جهود تستحق التقدير بلا شك، خاصة في ظل حرص الأجهزة التنفيذية على تطوير المرافق العامة والارتقاء بالمظهر الحضاري للمحافظة.
غير أن المشهد يحمل جانبًا آخر يستحق التوقف أمامه.
فخلف كل بترينة أو موقع بيع يقف شاب يبحث عن فرصة عمل في محافظة تعاني كغيرها من تحديات اقتصادية وفرص تشغيل محدودة. كثير من هؤلاء الشباب لم يتجهوا إلى هذه الأنشطة رغبة في مخالفة القانون، بل بحثًا عن مصدر دخل يوفر احتياجات أسرهم في ظل الظروف المعيشية الراهنة.
واللافت أن عددًا منهم ظل لسنوات يسدد رسوم الممارسة واستهلاك الكهرباء بصورة منتظمة، الأمر الذي خلق لديهم شعورًا بالاستقرار النسبي، قبل أن يجدوا أنفسهم أمام قرارات الإزالة دون وضوح كامل بشأن البدائل المتاحة.
وهنا لا تصبح القضية صراعًا بين الدولة والشباب، ولا مواجهة بين القانون والرزق، بل تتحول إلى سؤال مشروع حول كيفية تحقيق التوازن بين التنظيم والحماية الاجتماعية.
فالدولة القوية ليست فقط تلك التي تزيل المخالفات، بل هي أيضًا الدولة القادرة على إيجاد البدائل والحلول. والتنمية الحقيقية لا تكتمل بمجرد إزالة العشوائية، وإنما بخلق فرص منظمة تسمح للمواطن بالعمل في إطار قانوني يحفظ حقه وحق الدولة معًا.
وقد أثبتت التجارب الناجحة في العديد من المحافظات أن إنشاء أسواق حضارية أو مناطق مخصصة للأنشطة الصغيرة كان أحد الحلول التي حققت هذا التوازن، حيث تم القضاء على العشوائية دون القضاء على مصادر أرزاق المواطنين.
ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى فتح حوار مباشر مع الشباب المتضررين مع السيد المحافظ عمرو لاشين، والاستماع إلى مطالبهم، ودراسة إمكانية توفير بدائل مناسبة تضمن استمرار نشاطهم بصورة قانونية ومنظمة، خاصة أن أغلبهم لا يطلبون إعانات أو امتيازات استثنائية، بل يطالبون فقط بفرصة عمل مستقرة تحفظ كرامتهم.
وإذا كانت المحافظة قد نجحت خلال الفترة الماضية في الوصول إلى المناطق النائية والاستماع إلى المواطنين في قرى بعيدة على ضفاف بحيرة ناصر أقصى الجنوب، فإن أبناء أسوان يثقون كذلك في حرص قياداتها التنفيذية على الاستماع إلى هذه الفئة من الشباب، وإيجاد حلول تراعي البعد الإنساني والاجتماعي إلى جانب الاعتبارات التنظيمية.
فهيبة الدولة لا تتعارض مع الرحمة، والتنظيم لا يتناقض مع احتضان الشباب، والقانون يزداد قوة وحكمة عندما يشعر المواطن أنه يحميه كما يُلزمه.
ويبقى الأمل أن تتحول هذه الأزمة إلى فرصة لصياغة نموذج ناجح يجمع بين الانضباط الحضاري والحفاظ على لقمة العيش، لأن الوطن لا يبنى فقط بالمباني المنظمة، بل أيضًا بالمواطن الذي يشعر بقيمته كأنسان في دولة تراه وتسمعه وتحرص على مستقبله.