بقلم / حسين السمنودي
غزة، تلك البقعة الصغيرة التي تحمل بين طياتها عن كل معاني الكرامة والصمود. منذ سنوات، تعيش هذه المدينة تحت وطأة حصارٍ خانقٍ وعدوانٍ مستمر، جعلت أهلها يعانون من ظروفٍ معيشية تكاد تكون مستحيلة. ومع ذلك، فإن ما يثير الدهشة ليس المأساة في حد ذاتها، بل قدرة أهل غزة على التحمل والبقاء، رغم كل محاولات طمس وجودهم. وكأنهم يرددون بصوتٍ عالٍ: "حاولوا دفننا، ولم يعلموا أننا بذور".
العدوان المتكرر على غزة لم يكن مقتصراً على الجانب العسكري فحسب، بل امتد إلى كل جوانب الحياة. الحصار المفروض على المدينة منذ أكثر من عقد، جعل الحياة اليومية كابوساً مستمراً. يعاني السكان من نقصٍ حادٍ في المواد الغذائية، الأدوية، والوقود، مما جعل الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه شبه معدومة في أوقاتٍ كثيرة. المستشفيات تكافح لإنقاذ الأرواح في ظل نقصٍ شديدٍ في المعدات الطبية والعلاج، فيما يُترك المرضى لمصيرهم المؤلم.
الجانب الإنساني في غزة هو الأكثر إيلاماً. فإلى جانب الحصار، يعيش أهل غزة تحت تهديدٍ دائمٍ من القصف الجوي والهجمات البرية والبحرية. كم من أطفال فقدوا حياتهم تحت أنقاض منازلهم؟ وكم من أسر تحولت حياتها إلى رماد بعد أن دُمرت بيوتهم فوق رؤوسهم؟ تلك المشاهد التي نراها يومياً على شاشات التلفاز أو وسائل التواصل الاجتماعي ليست مجرد صور؛ هي قصص حقيقية لأناس فقدوا كل شيء، ولكنهم لم يفقدوا عزيمتهم.
العالم يشاهد بصمت، وكأن ما يحدث في غزة هو مجرد فيلمٍ يُعاد بثه كل عام. القرارات الدولية لا تجد طريقها للتنفيذ، والمساعدات الإنسانية تأتي متأخرة وغالباً ما تكون غير كافية لتغطية احتياجات السكان المتضررين. وبينما تقف غزة وحيدة في مواجهة هذا المصير القاسي، فإن أهلها يواصلون حياتهم بإصرارٍ لا يمكن تصوره. يستمرون في تعليم أبنائهم، ويعملون في إعادة بناء ما دُمِّر، ويعيشون يومهم بقدر المستطاع رغم كل ما يعترض طريقهم.
المأساة في غزة ليست فقط مادية. فالخسائر النفسية والمعنوية التي يتحملها السكان هائلة. كيف لطفلٍ لم يتجاوز عمره العشر سنوات أن يفهم لماذا دُمرت مدرسته أو لماذا قُتل أصدقاؤه؟ كيف لامرأة فقدت زوجها وأبنائها في قصفٍ أن تجد القوة للاستمرار؟ لكن، ومع ذلك، نجد في غزة روحاً لا تُكسر. تلك الروح التي تجسدت في العشرات من القصص البطولية، حيث يتحدى الناس الموت من أجل إنقاذ الآخرين، أو يواصلون العيش رغم الألم والخوف.
ومع كل هذا، فإن غزة لا تزال تقاوم. أهلها يرفضون الاستسلام، ويتمسكون بالأمل رغم كل شيء. في كل مرة يُعتقد فيها أن المدينة قد انتهت، تنهض من جديد، كما تفعل البذور بعد دفنها. هؤلاء الناس ليسوا مجرد ضحايا لظروفٍ سياسيةٍ معقدة، بل هم رمز للصمود الإنساني في وجه الطغيان.
غزة اليوم، برغم الحصار والعدوان، لا تزال تشكل نبراساً للعالم. هي تذكرنا بأن الكرامة لا يمكن أن تُمحى بالقوة، وأنه مهما كانت الظروف قاسية، فإن الإرادة الإنسانية لا تعرف الاستسلام. فكما حاولوا دفنهم مراتٍ عديدة، أثبت أهل غزة أنهم بذورٌ لا تموت؛ بل تنمو وتزدهر رغم كل الظروف.
ولعل العالم سيأتي يومٌ ويفهم أن غزة ليست مجرد مكان على الخريطة، بل هي قصة إنسانية عظيمة تروي لنا حكاية أناسٍ رفضوا أن يُدفنوا، بل فضلوا أن ينبتوا كالبذور ليضيئوا ظلام العالم.