recent
أخبار ساخنة

إلا من أتى الله بقلب سليم

بقلم / نورا عواجه

أشرس معركة يخوضها الإنسان هي معركة الحفاظ على نقاء قلبه... أن يكون قلبه مليئًا بالحب والعطاء والخير للجميع.
لكن مع الأسف، كثير منا يتعامل بوجه أمام الناس، لكن نيته تكون مختلفة تمامًا عن أفعاله، يعني يبدو أنه يحبك ويخاف عليك، وهو أكثر شخص يكرهك ويكره لك الخير. كثيرون يظهرون كأهل تقوى وصلاح، وهم في باطنهم أبعد ما يكون عن الله.
والمؤسف أكثر أن هذا الأمر نجده بين أغلب الأقارب والأصدقاء أكثر من الغرباء. يعني عندما تجد شخصًا نجح في شيء، أو رزقه الله رزقًا معينًا، وظيفة جيدة، بيت جديد، أو عريس مناسب، تجد أغلب التهاني والتبريكات من الغرباء، وأنهم فرحون لك أكثر من أهلك وأصدقائك. وحتى لو باركوا، تكون التهنئة باهتة ولا طعم لها. وعندما تغيب، تجد البعيد هو الذي يفتقدك ويسأل عنك، أما القريب الذي تحتاج إلى سؤاله واهتمامه، يكون سؤاله باهتًا واهتمامه مزيفًا.
(إلا من رحم ربي، طبعًا).

الله سبحانه وتعالى وصف هؤلاء الناس بالمنافقين، وعاقب المنافق بالدرك الأسفل من النار. الله وصفهم في القرآن وصفًا دقيقًا في قوله تعالى:
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} صدق الله العظيم.
لذلك، الله لا يحاسب الناس بأفعالهم إلا إذا كانت صادقة وبنية صافية وخالصة لله سبحانه وتعالى. يعني مهما تنفق من مالك إذا كان رياء، فلن يقبله الله منك. وإذا دخلت ميدان الحرب لمجرد السمعة بين الناس بأنك مجاهد، فلن يقبل الله جهادك، وإذا مت في الحرب فلن تنال منزلة الشهيد. وإذا قضيت عمرك تتعلم وتأخذ شهادات لمجرد أن يقال عنك عالم، فلن تنال ثواب العلماء.

لا نجاة إلا بقلبك، قلبك فقط... تلك القطعة الصغيرة التي في سلامها سلامك. قال صلى الله عليه وسلم:
"ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب"، وقال الله تعالى:
"ولا تُخزِنِي يومَ يُبعثونَ، يومَ لا ينفع مالٌ ولا بنون، إلا من أتى الله بقلبٍ سليمٍ".

سليم من الغل والحقد والكراهية، سليم من الحسد والغيرة، سليم من الرياء والنفاق والكذب، سليم من كل عمل نقصد به الناس، وننسى الله.
جزء كبير من حساب البشر يوم القيامة سيكون على ما يسمى بالعنف الصامت أو الإيذاء النفسي، الكذب والافتراء، الغل والحقد، الخيانة، إضمار الشر، سوء الظن، أو ما يمكن وصفه إجمالًا بـ"ما تخفي الصدور".

المفاجأة أن ما تخفي الصدور من نوايا ومشاعر، الله سيحاسب عليها كما يشاء سبحانه وتعالى، فهو العدل في أمر ليس بهين. أمر خاف منه الصحابة عند نزول الآية:
{إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله}.

وربما أنعم الله على أصحاب القلوب السليمة بالجنة، وفي المقابل عاقب أصحاب القلوب المريضة بأن شغلهم بالدنيا والناس والخصومات والمشاحنات مع الآخرين. لأن سلامة الصدر نعيم لأصحابه في الدنيا والآخرة، فمن سلم صدره من كل أمراض القلوب والنفوس، وسلم قلبه لأهله وأحبابه، فقد أنعم الله عليه بنعيم الجنة وهو في الدنيا.

لذا، إذا استطعت أن لا تترك شيئًا في قلبك ضد أحد، فافعل. أحسن الظن بالله والآخرين، سامح واغفر وتجاهل وتغافل. حاول أن تقدم الأعذار للآخرين، وإن لم تجد، فتذكر قول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم:
"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".

وأخيرًا، اللهم ارزقنا سلامة القلب، واجعلها شفيعة لنا يوم نلقاك.
وسلامًا على كل لين إذا صادق، هين إذا خاصم، رفيق في الشدة، رقيق في النصيحة، لا يشقى في صحبته أحد.

والسلام.
google-playkhamsatmostaqltradent