عيد سويلم نصر المسعودي.. بطل من قبيلة المساعيد سطّر اسمه في سجل التضحية والفداء
د/حسين السمنودي
الإسماعيلية
في سجل البطولات الوطنية المصرية،
هناك رجال لم تصنعهم الأضواء، ولم يبحثوا عن الشهرة، وإنما صنعتهم المواقف الصعبة، وصقلتهم سنوات المحن، فاختاروا أن يكونوا في صف الوطن عندما احتاج إليهم، وأن يقدموا ما يستطيعون دفاعًا عن الأرض والكرامة. ومن بين هؤلاء الرجال يبرز اسم المجاهد عيد سويلم نصر المسعودي، ابن قبيلة المساعيد، وابن قرية جلبانة بالقنطرة شرق، إحدى القرى التي ارتبطت بتاريخ نضالي مهم في شمال سيناء خلال سنوات الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي.
إن الحديث عن هذا البطل هو حديث عن جيل عاش مراحل شديدة القسوة في تاريخ مصر، وعن رجال آمنوا بأن الأرض ليست مجرد تراب نعيش عليه، بل هي العرض والهوية والكرامة والذكريات، وأن الدفاع عنها مسؤولية لا تسقط بالتقادم. وهو أيضًا حديث عن قبيلة المساعيد، قبيلة الشهداء والأبطال، التي يفخر أبناؤها برجالها الذين ارتبطت أسماؤهم بالجهاد الوطني، وقدموا نماذج تستحق أن تُروى للأجيال القادمة بكل فخر واعتزاز.
كان موقع جلبانة، القريبة من قناة السويس والواقعة في شمال غرب سيناء، يمنح أبناءها معرفة بطبيعة المنطقة ومسالكها وظروف الحياة فيها. وعندما دخلت مصر مرحلة المواجهة مع إسرائيل، ولا سيما بعد نكسة يونيو عام 1967، أصبحت المناطق التي وقعت تحت الاحتلال مسرحًا لمعاناة الأهالي، وفي الوقت نفسه ساحة لصمود رجال رفضوا أن يتحول الاحتلال إلى أمر واقع دائم.
وقبل النكسة، كانت مصر تعيش أجواء الصراع الإقليمي والاستعدادات العسكرية، ثم جاءت هزيمة يونيو لتترك جرحًا عميقًا في وجدان الشعب المصري. ولم تكن آثار النكسة عسكرية وسياسية فحسب، بل امتدت إلى حياة المواطنين في المناطق الحدودية، الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد فرضته ظروف الاحتلال والنزوح والخطر المستمر. ومن هنا بدأت مرحلة مختلفة من النضال الوطني، كان عنوانها الصمود، واستمرار الارتباط بالوطن، والعمل من أجل استعادة الأرض.
وفي تلك السنوات، لم يقف أبناء سيناء جميعًا موقف المتفرج، بل شارك عدد من أبنائها في مساندة الدولة المصرية والقوات المسلحة، وتعددت صور العطاء الوطني بين نقل المعلومات، وتقديم المساعدة، والمساهمة في إجلاء الجنود المصريين، ودعم جهود المقاومة في مواجهة الاحتلال. وقد ارتبط اسم عدد من أبناء قبيلة المساعيد بهذه المرحلة، وأصبح تاريخهم جزءًا من ذاكرة الجهاد الشعبي في سيناء.
ومن الإنصاف عند الحديث عن المجاهد عيد سويلم نصر المسعودي أن نضع سيرته في هذا السياق التاريخي الكبير، وأن نذكر أن أبناء جلبانة من قبيلة المساعيد كان لهم حضور في سجل المجاهدين الذين قدموا العون للقوات المسلحة المصرية خلال سنوات الصراع. وقد حظي عدد من هؤلاء الرجال بتكريم الدولة تقديرًا لما قدموه من جهود وطنية، ومن بينهم عيد سويلم نصر المسعودي، الذي ورد اسمه ضمن المجاهدين الحاصلين على نوط الامتياز من الطبقة الأولى تقديرًا لمعاونتهم الصادقة للقوات المسلحة خلال حرب أكتوبر، في تكريم مؤرخ بتاريخ 27 فبراير 1980، في عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات.
وهذا التكريم ليس مجرد وسام يُذكر في سيرة رجل، وإنما هو علامة على تقدير الدولة المصرية لأدوار وطنية أدّاها أبناء المناطق الحدودية في ظروف بالغة الصعوبة. فالعمل الوطني لا يقتصر على من يحمل السلاح في ميدان المعركة، بل يشمل أيضًا كل من أسهم في دعم القوات المسلحة، وساند جهودها، وقدم ما استطاع من أجل حماية الوطن واستعادة أرضه.
وجاءت حرب أكتوبر عام 1973 لتفتح صفحة جديدة من صفحات المجد المصري، حين استطاعت القوات المسلحة عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف، لتثبت أن إرادة الشعوب لا تنكسر، وأن الهزيمة ليست نهاية الطريق. وقد كان لأبناء سيناء دور مهم في دعم المجهود الحربي خلال مراحل الصراع، كما ارتبطت أسماء رجال من قبيلة المساعيد بأعمال المساندة والمقاومة، وهي أدوار تستحق أن تُحفظ في الذاكرة الوطنية وأن تُوثق بصورة دقيقة.
ومن هنا تبرز قيمة اسم عيد سويلم نصر المسعودي، بوصفه واحدًا من أبناء القبيلة الذين ارتبطت سيرتهم بالمجهود الوطني خلال حرب أكتوبر. وتبقى تفاصيل ما قام به شخصيًا قبل النكسة وبعدها، وطبيعة المهام التي شارك فيها، والظروف التي أحاطت باستشهاده، جوانب مهمة ينبغي جمعها من شهادات أسرته ومعاصريه والوثائق التاريخية، حتى تكتمل صورته أمام الأجيال الجديدة، ويظل الحديث عن بطولاته قائمًا على رواية دقيقة تحفظ حقه وحق أسرته.
إن قبيلة المساعيد، التي يصفها أبناؤها بأنها قبيلة الشهداء والأبطال، تمتلك رصيدًا من الحكايات الوطنية التي تستحق التوثيق، لا سيما أن عددًا من رجالها ارتبطوا بأحداث المقاومة في سيناء، وأن قرية جلبانة عرفت أسماء مجاهدين حظوا بتكريم الدولة المصرية. وهذا التاريخ لا ينبغي أن يظل حبيس الذاكرة الشفهية، بل يستحق أن يتحول إلى سجل موثق يضم أسماء الرجال وصورهم وأوسمتهم وشهادات من عاصروهم، حتى تعرف الأجيال القادمة حجم التضحيات التي قدمها أبناء هذه الأرض.
إن الوفاء للمجاهد عيد سويلم نصر المسعودي لا يكون بمجرد ترديد اسمه في المناسبات الوطنية، وإنما يكون أيضًا بحفظ سيرته، وإبراز ما ثبت من عطائه، والسعي إلى استكمال ما ينقص من تفاصيل حياته النضالية. فكل وثيقة يتم العثور عليها، وكل شهادة صادقة تُسجل، وكل صورة قديمة تُحفظ، يمكن أن تضيف صفحة جديدة إلى تاريخ رجل يستحق أن يُذكر بين أبناء وطنه بكل احترام.
ولعل الرسالة الأهم التي تحملها سيرة هذا البطل، وسيرة رفاقه من أبناء المساعيد، هي أن الوطنية الحقيقية لا تُقاس بما يقوله الإنسان عن وطنه، وإنما بما يقدمه له عندما يواجه المحن. فهناك رجال عاشوا بعيدًا عن الأضواء، لكن أدوارهم بقيت جديرة بالتقدير، وهناك أسر حملت ذكريات أبنائها وأقاربها الذين ارتبطت حياتهم بسنوات الصراع، فكان من حقها أن ترى تاريخهم محفوظًا في ذاكرة الوطن.
رحم الله المجاهد عيد سويلم نصر المسعودي، ورحم الله شهداء مصر جميعًا، وحفظ لقبيلة المساعيد تاريخها ورجالها، وجعل أبناءها دائمًا أوفياء لوطنهم وأرضهم. ستظل جلبانة جزءًا من ذاكرة سيناء الوطنية، وستظل قبيلة المساعيد تعتز بأبطالها، وسيبقى تاريخ مصر شاهدًا على أن النصر لا تصنعه القوة العسكرية وحدها، بل تصنعه أيضًا إرادة الرجال، وصبر الأهالي، وصدق الانتماء، والتضحيات التي يقدمها أبناء الوطن في أوقات الشدة.
إن الأوطان لا تنسى أبناءها المخلصين، وإن كانت بعض صفحات تاريخهم تحتاج إلى من يجمعها ويعيد تقديمها للأجيال. وسيظل اسم عيد سويلم نصر المسعودي جديرًا بأن يكون حاضرًا في سجل الوفاء لأبناء قبيلة المساعيد، قبيلة الشهداء والأبطال، وأبناء جلبانة الذين ارتبطت سيرتهم بتاريخ الصمود والنضال الوطني المصري.