recent
أخبار ساخنة

خالتي بتسلم عليك.. الجاسوسية بين العرب والصهاينة.. لما بقى الحيطان لها ودان والحمام الزاجل شغال مخابرات!

خالتي بتسلم عليك.. الجاسوسية بين العرب والصهاينة.. لما بقى الحيطان لها ودان والحمام الزاجل شغال مخابرات!
حسين السمنودي

خالتي بتسلم عليك، وبتقول لك خد بالك من نفسك، ومتتكلمش كتير قدام الشباك، ومتفتحش قلبك للكنبة، ومتقولش أسرارك للكرسي اللي قاعد عليه، أصل الدنيا اتغيرت يا ابن أختي، وبقينا في زمن ممكن فيه تلاقي نفسك متراقب من الموبايل، ومتسجل صوتك من الساعة الذكية، وصورتك محفوظة من كاميرا في الشارع، وتحركاتك متحللة من تطبيق طلبات الأكل، وفي الآخر تكتشف إن أكتر واحد عارف أسرارك مش مراتك ولا أقرب أصحابك، لكن خوارزمية قاعدة في سيرفر بعيد بتشرب كهرباء وبتحلل حياتك بالقطعة!
أهلاً بيكم في عالم الجاسوسية الحديثة، العالم اللي فيه الجاسوس زمان كان يلبس بالطو طويل ونظارة سودا ويمشي في الشوارع وهو بيبص وراه كل خمس ثواني، أما جاسوس النهارده فممكن يبقى قاعد في مكتب مكيف، لابس بدلة أنيقة، وقدامه شاشة عليها خرائط وأرقام وصور وأقمار صناعية، ومش محتاج يخرج من بيته علشان يعرف معلومات كانت زمان محتاجة شهور من المطاردة والمغامرات والمخاطرة بالحياة. وبالمناسبة، خالتي بتقول إن الجاسوس زمان كان لازم يبقى عنده قلب أسد وأعصاب حديد، أما دلوقتي فممكن يبقى محتاج لابتوب كويس، واتصال إنترنت سريع، وكلمة مرور ضعيفة من واحد نسي إن أسراره مش لعبة!
والحكاية بين العرب وإسرائيل مش مجرد فيلم بوليسي ينتهي في ساعتين، ولا مطاردة عربية على طريق صحراوي تنتهي بقفزة من فوق سور، ولا ضابط مخابرات يخلع شاربه المستعار في آخر مشهد ويقول للبطل: كنت عارف كل حاجة من البداية! دي حكاية طويلة ومعقدة، فيها صراع على المعلومات، وفيها التكنولوجيا، وفيها الإعلام، وفيها الحرب النفسية، وفيها محاولات اختراق العقول قبل اختراق الأجهزة، لأن المعلومة في زمننا بقت سلاحاً، وأحياناً تبقى أخطر من الرصاصة، خصوصاً لما تقع في إيد اللي يعرف يستغلها.
زمان، كانت الجاسوسية محتاجة واحد يسافر بلد تانية، ويتعلم لغتها، ويعيش وسط أهلها، ويصاحب الناس، ويعرف تفاصيل حياتهم، ويمكن يفضل سنين بيبني علاقة ثقة علشان يوصل لمعلومة واحدة. وكان ممكن الجاسوس يغيّر اسمه وشكله وطريقة كلامه، ويعيش حياة كاملة بشخصية مش شخصيته، لحد ما يبقى جزءاً من المجتمع اللي بيحاول يعرف أسراره. أما النهارده، فممكن صورة منشورة على الإنترنت تكشف مكاناً، ومقطع فيديو يوضح تفاصيل في خلفية المشهد، وتصريح عابر يكشف معلومة ما كانش صاحبها يقصد إعلانها، وتفاصيل صغيرة متفرقة تتجمع فتعمل صورة كبيرة.
وهنا خالتي رفعت حاجبها وقالت لي: يعني يا حسين، الواحد لو نزل صورة صينية المحشي على فيسبوك، ممكن المخابرات تعرف هو بيحب الكرنب ولا ورق العنب؟ قلت لها: يا خالتي، لو الصورة فيها تفاصيل شخصية زيادة عن اللزوم، فالمشكلة مش في المحشي، المشكلة في اللي إحنا بننشره من غير ما نفكر! فضحكت وقالت: طب الحمد لله إني لسه ببعت الصور على الواتساب لثلاثة بس، مع إن الثلاثة دول عندهم جروب فيه سبعة وعشرين واحداً!
وهنا ندخل إلى أخطر أبواب الجاسوسية المعاصرة، وهو الباب الذي يفتحه الإنسان بنفسه، ثم يتعجب بعد ذلك كيف عرف الآخرون عنه كل هذه التفاصيل. فوسائل التواصل الاجتماعي أصبحت مساحة واسعة لتبادل الأخبار والصور والآراء، لكنها قد تتحول أيضاً إلى مصدر معلومات عن أصحابها، خصوصاً عندما ينشرون تفاصيل دقيقة عن أماكن وجودهم، ومواعيد تحركاتهم، وطبيعة أعمالهم، وعلاقاتهم، ومشروعاتهم، وما يدور في محيطهم من أحداث. وليس معنى ذلك أن كل شخص يتابع حساباتنا جاسوس، أو أن كل تطبيق يتآمر علينا، لكن معناه أن الوعي الرقمي أصبح ضرورة، وأن الإنسان العاقل لا يمنح العالم كله مفاتيح حياته ثم يطلب منه أن يحافظ على خصوصيته!
أما الصراع الاستخباراتي بين إسرائيل والدول العربية، فقد ارتبط تاريخياً بالحروب والصراعات السياسية والعسكرية، وبمحاولات جمع المعلومات عن القدرات العسكرية والقرارات السياسية والتحركات الإقليمية. وقد شهد التاريخ عمليات تجسس واختراق ومواجهات استخباراتية معروفة، وأخرى ظلت تفاصيلها سرية أو محل روايات متباينة. لكن من الخطأ أن نتصور أن كل ما يُنشر عن عمليات المخابرات صحيح، أو أن كل قصة مثيرة نقرأها على مواقع التواصل هي حقيقة موثقة. فهناك فرق بين المعلومة المؤكدة، والرواية الصحفية، والتحليل، والشائعة التي ترتدي بدلة الحقيقة وتضع على رأسها قبعة الغموض!
وإسرائيل، بحكم طبيعة صراعها الممتد مع أطراف عربية وإقليمية، تولي أهمية كبيرة لجمع المعلومات والتحليل الاستخباراتي والتفوق التقني. وفي المقابل، تمتلك الدول العربية أجهزة ومؤسسات أمنية واستخباراتية تعمل وفق مسؤولياتها الوطنية، وتختلف قدراتها وخبراتها وأولوياتها من دولة إلى أخرى. والصورة الحقيقية ليست مباراة كروية لها نتيجة معلنة في نهاية التسعين دقيقة، ولا يصح أن نختزلها في منشور يقول إن طرفاً يعرف كل شيء والطرف الآخر لا يعرف شيئاً. فالعالم الاستخباراتي مليء بالنجاحات والإخفاقات، والمفاجآت، والتقديرات الخاطئة، والعمليات التي تنجح وأخرى تفشل رغم التخطيط الطويل.
وخلوني أقول لكم إن أخطر ما في الجاسوسية مش الشخص اللي بيتجسس فقط، لكن البيئة اللي تسمح له بالحصول على المعلومات. لما موظف يستهين بسرية مستند، أو مسؤول يتحدث في مكان غير مناسب، أو شخص ينشر تفاصيل عمله من غير إدراك، أو مؤسسة تتجاهل تحديث أنظمتها وتأمين بياناتها، فهنا المشكلة لا تتعلق بذكاء الخصم وحده، وإنما بوجود ثغرات كان يمكن إغلاقها. وده بالضبط اللي خالتي مش قادرة تستوعبه، لأنها مقتنعة إن أكبر اختراق في التاريخ هو اختراق ابن الجيران لخصوصية طبق الكنافة لما دخل المطبخ وقال: أنا بس بدوق!
ومن أبواب التجسس المعاصر أيضاً الحرب السيبرانية، التي تستهدف أحياناً أنظمة الحواسيب والشبكات والبيانات، وقد تسعى إلى تعطيل خدمات أو سرقة معلومات أو التأثير في مؤسسات حيوية. ومع تطور التكنولوجيا، لم تعد حماية المعلومات مسؤولية خبراء الحاسوب وحدهم، بل أصبحت مسؤولية مشتركة بين المؤسسات والأفراد. فالكلمة المرورية الضعيفة قد تفتح باباً لا ينبغي فتحه، والرسالة المزيفة قد تدفع شخصاً إلى كشف بياناته، والمرفق المجهول قد يكون بداية لمشكلة كبيرة. ولهذا أصبحت إجراءات مثل المصادقة متعددة العوامل، وتحديث الأجهزة، والتحقق من مصادر الرسائل، وعدم مشاركة رموز الدخول، من أساسيات الحماية وليس من الرفاهيات التقنية.
وهنا خالتي قررت تدخل مجال الأمن السيبراني بنفسها، وقالت لي: أنا عملت كلمة مرور صعبة جداً، محدش يقدر يخمنها. سألتها: إيه هي يا خالتي؟ قالت: تاريخ ميلادي، وبعده تاريخ ميلاد خالي، وبعده رقم تليفوني! قلت لها: يا خالتي، دي مش كلمة مرور، دي دعوة مفتوحة لأي حد يعرفك! قالت: أمال أعمل إيه؟ قلت لها: استخدمي كلمة مرور طويلة وفريدة لكل حساب، واحتفظي بيها بطريقة آمنة، وفعّلي التحقق الإضافي. قالت: يعني أغير الباسورد؟ قلت لها: أيوه. قالت: طب أغيره لاسم خالي؟ قلت لها: لا يا خالتي، خالي نفسه بقى محتاج حماية!
أما التجسس عبر الهواتف والأجهزة الذكية، فقد أصبح موضوعاً يثير قلقاً مشروعاً، خصوصاً مع وجود برمجيات تجسس متطورة استُخدمت في بعض الحالات ضد أهداف محددة، ومع تزايد جمع البيانات بواسطة التطبيقات والخدمات الرقمية. لكن ينبغي التمييز بين المخاطر الحقيقية والتهويل؛ فليس كل نفاد سريع للبطارية دليلاً على اختراق، وليس كل إعلان يظهر بعد حديثنا عن منتج دليلاً قاطعاً على أن الهاتف سجل حديثنا. فقد تكون هناك أسباب تقنية أو بيانات سابقة أو أنظمة إعلانات تعتمد على نشاط المستخدم. والوعي الحقيقي لا يعني أن نعيش أسرى الخوف، وإنما أن نفهم المخاطر ونتخذ إجراءات الحماية المناسبة من دون أن نحول كل مصادفة إلى مؤامرة دولية.
وفي الجانب الإعلامي، تتحول المعلومات أحياناً إلى سلاح من نوع آخر. فقد تنتشر أخبار غير مؤكدة عن تحركات عسكرية، أو صور قديمة تُقدم باعتبارها حديثة، أو مقاطع مجتزأة تُستخدم لإثارة الغضب والارتباك. وقد تسعى جهات مختلفة إلى التأثير في الرأي العام، أو إضعاف الثقة، أو تضخيم الخلافات بين الشعوب. وفي أوقات الأزمات، يمكن للشائعة أن تنتشر أسرع من الحقيقة، لأن الخبر المثير يجد من يشاركه قبل أن يجد من يتحقق منه. وهنا يصبح المواطن الواعي خط الدفاع الأول عن مجتمعه، عندما يتوقف لحظة قبل النشر، ويتأكد من المصدر والتاريخ والسياق، ويدرك أن إعادة إرسال خبر كاذب ليست عملاً بريئاً دائماً، حتى لو كان صاحبه حسن النية.
ويا سلام بقى لو الشائعة دخلت جروب العيلة! هنا تبدأ أخطر عملية استخباراتية في الشرق الأوسط. واحدة تبعت رسالة تقول: فيه قرار مهم هيصدر بكرة، ومحدش يعرفه غير ناس معينة، وتلاقي الرسالة انتشرت في خمس دقائق من القاهرة للإسكندرية، ومن الشرقية للمنوفية، ووصلت لابن خال العريس في الكويت، قبل ما صاحب القرار نفسه يعرف إن فيه قرار! وخالتي تقول: أنا مش بصدق أي حاجة إلا لما أتأكد. وبعدها بدقيقتين تبعت لي رسالة بعنوان: عاجل جداً.. اكتشاف كوكب جديد مصنوع من الجبنة الرومي!
لكن السخرية من الشائعات لا تقلل من خطورتها، لأن الحرب النفسية تقوم في بعض الأحيان على استغلال الخوف والغضب والانقسامات الموجودة بالفعل داخل المجتمعات. وقد تستخدم المعلومات الصحيحة خارج سياقها، أو تخلط الحقائق بالأكاذيب، أو تضخم حادثة محدودة حتى تبدو وكأنها انهيار شامل. ولهذا لا يكفي أن نسأل: من نشر الخبر؟ بل يجب أيضاً أن نسأل: ما الدليل؟ وهل توجد مصادر مستقلة تؤكده؟ وهل الصورة حديثة؟ وهل العنوان يطابق المحتوى؟ وهل هناك مصلحة في دفعنا إلى تصديق رواية بعينها؟
وفي الصراع العربي الإسرائيلي، تزداد أهمية هذه الأسئلة بسبب حساسية الأحداث وارتباطها بالأمن القومي وبمشاعر الشعوب. فليس كل ما يُنشر عن اختراق استخباراتي صحيحاً، وليس كل ادعاء عن نجاح عملية دليلاً على وقوعها، كما أن غياب المعلومات الموثوقة لا يمنحنا الحق في اختراع التفاصيل. فالموقف الوطني القوي لا يحتاج إلى الأكاذيب، والوعي الحقيقي لا يقوم على المبالغة، واحترام العقل العربي يبدأ من تقديم الحقائق بقدر ما تسمح به المعلومات المتاحة.
ومن الملفات التي تستحق الانتباه أيضاً مسألة حماية المنشآت الحيوية، مثل شبكات الكهرباء والمياه والاتصالات والموانئ والمطارات والمؤسسات الصحية والأنظمة المالية. فهذه القطاعات أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على التكنولوجيا، وأي خلل كبير فيها قد يؤثر في حياة ملايين المواطنين. ولهذا فإن الأمن القومي الحديث لا يتوقف عند الحدود والأسلحة والطائرات، بل يشمل كذلك حماية البيانات والبنية التحتية وسلاسل الإمداد والقدرة على استمرار الخدمات في الظروف الصعبة. وقد أصبح التنسيق بين المؤسسات الأمنية والفنية والمدنية ضرورة لمواجهة مخاطر لا تعترف بحدود الدول ولا تتوقف عند الأسوار.
والتجسس الاقتصادي بدوره لا يقل أهمية عن التجسس العسكري، لأن المعلومات المتعلقة بالتكنولوجيا والصناعة والطاقة والمشروعات الاستراتيجية قد تكون ذات قيمة كبيرة في المنافسة بين الدول والشركات. وقد تسعى جهات مختلفة إلى الحصول على أسرار تجارية أو بيانات بحثية أو تفاصيل عن خطط الإنتاج والأسواق. ولذلك تحتاج المؤسسات إلى سياسات واضحة لحماية معلوماتها، وتدريب العاملين على التعامل الآمن مع الملفات، ومراجعة صلاحيات الوصول إلى البيانات، وعدم افتراض أن الموظف حسن النية لا يمكن أن يقع ضحية للخداع أو الإهمال.
وخلوني أقول لكم إن الجاسوسية مش دايماً حكاية رجل غامض بيقابل شخصاً في مقهى مظلم، ويديله حقيبة فيها ملايين الدولارات، ثم يختفي في سيارة سوداء. أحياناً تبدأ المسألة بعرض عمل مغرٍ، أو طلب معلومات يبدو عادياً، أو علاقة شخصية يجري استغلالها تدريجياً، أو محاولة ابتزاز بعد الحصول على بيانات خاصة. لكن من المهم أيضاً ألا يتحول الحذر إلى اتهام للناس بلا دليل؛ فالعلاقات الطبيعية ليست جريمة، والاختلاف في الرأي ليس خيانة، والاتهامات الخطيرة تحتاج إلى أدلة وإجراءات قانونية، لا إلى ظنون ومشاهدات مبتورة.
أما المواطن العادي، فليس مطلوباً منه أن يتحول إلى محقق مخابرات، ولا أن يشك في كل جار وصديق وزميل عمل، ولا أن ينظر إلى عامل التوصيل باعتباره عميلاً سرياً يحمل في حقيبته خرائط الشرق الأوسط! المطلوب ببساطة أن يحافظ على خصوصيته، وألا يشارك معلومات حساسة لا تخصه، وألا يصور مواقع أو تجهيزات أمنية في مخالفة للقانون أو التعليمات، وأن يبلغ الجهات المختصة إذا واجه واقعة حقيقية تستحق الإبلاغ، بدلاً من نشر الاتهامات على الإنترنت وتحويل الناس إلى محاكم متنقلة.
وهنا نصل إلى نقطة مهمة جداً: حماية الأمن القومي لا تعني إغلاق العقول، ولا نشر الخوف، ولا تحويل الحياة اليومية إلى حالة طوارئ دائمة. فالدولة القوية تحتاج إلى مؤسسات محترفة، وقوانين واضحة، وتكنولوجيا حديثة، وتعليم جيد، ومواطنين يعرفون حقوقهم وواجباتهم. كما أن المجتمع الذي يحترم العلم ويشجع البحث والتفكير النقدي يصبح أكثر قدرة على مواجهة التضليل والاختراق. فالمعرفة ليست عدواً للأمن، بل أحد أعمدته، والوعي ليس مجرد ترديد للشعارات، وإنما قدرة على التمييز بين الحقيقة والادعاء، وبين التحليل والتهويل، وبين الحذر المشروع والشك المرضي.
ومن حق الشعوب العربية أن تهتم بأمنها ومصالحها، وأن تستفيد من خبراتها العلمية والتقنية، وأن تطور قدراتها في حماية المعلومات ومواجهة الهجمات الرقمية، وأن تدعم التعاون المشروع بين مؤسساتها. لكن من الضروري كذلك ألا نخلط بين الشعوب والحكومات، أو نحول الخلاف السياسي إلى كراهية عمياء، أو نعتبر كل شخص يحمل جنسية معينة جاسوساً محتملاً. فالمسؤولية تُحدد بالأفعال والأدلة، وليس بالهوية وحدها، والعدالة لا تتعارض مع الوطنية، بل تمنحها أساساً أكثر قوة واحتراماً.
وفي النهاية، خالتي بتسلم عليك مرة تانية، وبتقول لك: يا ابني، أنا مش فاهمة كل حكايات الأقمار الصناعية والاختراق الإلكتروني والحرب السيبرانية، لكن عندي قاعدة بسيطة: اللي عنده سر مهم ما يبعتهوش في رسالة لجروب العيلة، واللي عنده خبر خطير ما ينشروش قبل ما يتأكد منه، واللي موبايله بيطلب منه رقم سري ما يديهوش لأي حد يدعي إنه موظف خدمة العملاء، واللي يلاقي نفسه متورط في حكاية مش مفهومة ما يتصرفش بعشوائية، وإنما يرجع للجهة المختصة.
وبعدين خالتي بصت لي وقالت: بس عندي سؤال أخير يا حسين، هو لو الجاسوس عرف كل أسرارنا، هيعرف كمان إننا عاملين ملوخية النهارده؟ قلت لها: ممكن يعرف لو إنتِ صورتي الحلة ونشرتيها مع عنوان البيت وموعد الغداء! قالت: خلاص، من النهارده هصور الملوخية من غير ما أظهر البلكونة، وهقفل الستارة، وهخلي الكزبرة سرية للغاية، لأن الأمن القومي يبدأ من المطبخ!
ضحكنا، لكن الحقيقة أن وراء هذه النكتة رسالة جادة: العالم يتغير بسرعة، والمعلومات أصبحت من أهم أدوات القوة، والتكنولوجيا التي تسهل حياتنا قد تخلق أيضاً مخاطر جديدة إذا تعاملنا معها باستهتار. فلا ينبغي أن نعيش مرعوبين من الجاسوسية، ولا أن نتصور أننا بعيدون عن مخاطرها، وإنما علينا أن نكون أكثر وعياً، وأكثر حرصاً على خصوصيتنا، وأكثر دقة في تداول الأخبار، وأكثر دعماً للعلم والمؤسسات القادرة على حماية الوطن.
أما الصراع الاستخباراتي بين العرب وإسرائيل، فسيظل جزءاً من مشهد إقليمي معقد، تتداخل فيه المصالح السياسية والعسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. ولن تكون الغلبة فيه لمن يصرخ أكثر، أو لمن ينشر أكبر عدد من القصص المثيرة، بل لمن يمتلك المعرفة، ويحسن تحليل المعلومات، ويطور مؤسساته، ويحمي بياناته، ويعرف كيف يوازن بين القوة والوعي والمسؤولية.
وإلى أن تنتهي خالتي من إعداد تقريرها الاستخباراتي عن أسعار الطماطم وسعر كيلو اللحمة وأخبار الجيران، أنصح الجميع بأن يحافظوا على أسرارهم، ويتحققوا من أخبارهم، ويستخدموا التكنولوجيا بعقل، وألا يمنحوا الشائعات فرصة لتخريب وعيهم أو الإساءة إلى وطنهم.
ففي زمن الجاسوسية الرقمية، قد تكون كلمة المرور أقوى من باب حديد، وقد تكون المعلومة الصحيحة أغلى من كنز، وقد تكون إعادة نشر شائعة أخطر من الصمت، وقد يكون أكثر الناس أماناً هو أكثرهم وعياً، لا أكثرهم خوفاً.
وصدقوني، لو خالتي مسكت جهاز المخابرات، أول قرار هتصدره هو منع نشر صور المحشي قبل صلاة المغرب، واعتبار تسريب مقادير الكفتة جريمة تمس الأمن الغذائي القومي، وتشكيل لجنة عليا للتحقيق في اختفاء آخر قطعة بسبوسة من الثلاجة!
أما القرار الثاني، فسيكون سرياً للغاية، ولن يعرفه أحد إلا بعد ما خالتي تقول لكم بنفسها: خالتي بتسلم عليك!
 حسين السمنودي

google-playkhamsatmostaqltradent