حسين السمنودي
بعد نحو ثلاثة وعشرين عامًا من الغزو الأمريكي للعراق وما تبعه من مراحل عسكرية وسياسية وأمنية متعاقبة، تقف أربيل اليوم أمام مشهد يحمل الكثير من الدلالات؛ قوات أمريكية تغادر مواقعها، ومرحلة طويلة تقترب من نهايتها، والعراق يدخل اختبارًا جديدًا عنوانه الأبرز: هل يستطيع أن يصنع مستقبله بقراره الوطني وقدرات مؤسساته؟
لم تكن السنوات الماضية مجرد فترة وجود عسكري أجنبي على أرض العراق، وإنما كانت حقبة كاملة تغيرت خلالها ملامح الدولة والمجتمع والسياسة والأمن، وعاش خلالها العراقيون أحداثًا تركت آثارًا عميقة في الذاكرة الوطنية. فمنذ عام 2003، مر العراق بتحولات متلاحقة، بين سقوط النظام السابق، والمرحلة الانتقالية، والعنف الداخلي، ثم انسحاب القوات الأمريكية عام 2011، قبل أن تعود القوات الأمريكية إلى العراق في إطار التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش بعد عام 2014.
واليوم، مع مغادرة القوات الأمريكية مواقعها في أربيل وانتهاء مرحلة المهمة العسكرية للتحالف، لا تغلق العراق صفحة عابرة، وإنما يطوي فصلًا طويلًا من تاريخه الحديث، فصلًا كان مليئًا بالحروب والعمليات العسكرية والإرهاب والصراعات السياسية والتدخلات الإقليمية والدولية.
لكن الرحيل العسكري لا يعني أن كل آثار السنوات الماضية قد انتهت.
فالحروب لا تنتهي بمجرد مغادرة الجنود، وإنما تبقى آثارها في المدن والبيوت والاقتصاد والذاكرة وفي نفوس الأجيال التي ولدت وكبرت وسط أصوات الطائرات والانفجارات والحواجز العسكرية. وهناك عراقيون عاشوا سنوات طويلة وهم يرون بلدهم يتغير أمام أعينهم، من مرحلة إلى أخرى، ومن أزمة إلى أخرى، حتى أصبح الاستقرار نفسه حلمًا كبيرًا لدى كثير من أبناء العراق.
ولهذا فإن المشهد الجديد يحتاج إلى قراءة أعمق من مجرد سؤال: لماذا انسحبت أمريكا؟ أو ماذا ستفعل بعد الانسحاب؟
السؤال الأهم هو: ماذا سيفعل العراق بعد الرحيل؟
فهنا تبدأ المسؤولية العراقية الحقيقية.
إن انتقال المسؤولية الأمنية بصورة أكبر إلى المؤسسات العراقية يعني أن الدولة أصبحت مطالبة بإثبات قدرتها على حماية أراضيها ومواطنيها، ومواجهة أي تهديدات إرهابية، والحفاظ على الأمن الداخلي، ومنع تحول العراق مرة أخرى إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية والدولية.
والعراق يمتلك من الإمكانات ما يؤهله لبناء دولة قوية؛ فهو بلد غني بالموارد، عريق في التاريخ، يمتلك موقعًا جغرافيًا بالغ الأهمية، وشعبًا عانى كثيرًا من الحروب ويعرف قيمة الأمن والاستقرار أكثر من غيره.
لكن الثروة وحدها لا تبني الدول.
والتاريخ وحده لا يحمي الأوطان.
والموقع الجغرافي لا يكفي لصناعة المستقبل.
الذي يصنع المستقبل هو بناء مؤسسات قوية، وإعلاء سيادة القانون، وتطوير الاقتصاد، وحماية المواطن، وتوفير فرص العمل، والاهتمام بالتعليم والصحة والبنية الأساسية، وإبعاد البلاد عن دوائر الصراع التي أنهكتها طوال سنوات طويلة.
وهنا تظهر أهمية المرحلة المقبلة في العراق.
فخروج القوات الأمريكية لا ينبغي أن يتحول إلى بداية صراع جديد حول من يملأ الفراغ، ولا ينبغي أن يكون العراق ساحة لتنافس القوى الخارجية. فالعراقيون الذين دفعوا ثمنًا كبيرًا خلال سنوات الحرب يستحقون أن تكون المرحلة المقبلة مختلفة؛ مرحلة يكون فيها القرار الوطني هو الأساس، وتكون فيها الدولة هي المرجعية، ويكون المواطن هو محور التنمية.
لقد عانى العراق كثيرًا من الانقسامات، وعرف الإرهاب، وشهد صراعات سياسية ومذهبية وأمنية، وتعرضت مدنه لدمار كبير، واضطر ملايين العراقيين خلال سنوات مختلفة إلى النزوح وترك بيوتهم بحثًا عن الأمان.
ومع ذلك بقي العراق.
وهذه ربما تكون أهم حقيقة في هذه القصة الطويلة.
فالعراق لم يسقط من ذاكرة التاريخ، ولم تنتهِ قدرته على النهوض. وكلما ظن البعض أن هذا البلد لن يستطيع الوقوف، وجد العراقيون طريقًا جديدًا للاستمرار.
ومن هنا فإن خروج القوات الأمريكية من أربيل يمكن أن يكون أكثر من مجرد حدث عسكري؛ يمكن أن يكون لحظة للتأمل في معنى الدولة والسيادة والمستقبل.
فالدولة القوية ليست الدولة التي تملك أكبر عدد من الجنود فقط، وإنما الدولة التي يستطيع مواطنها أن ينام آمنًا، وأن يذهب ابنه إلى المدرسة دون خوف، وأن يجد فرصة للعمل، وأن يحصل المريض على العلاج، وأن يشعر الجميع بأن القانون فوق الجميع.
العراق يحتاج اليوم إلى بناء السلام الداخلي قبل أي شيء آخر.
يحتاج إلى مصالحة حقيقية بين أبنائه، وإلى تجاوز جراح الماضي دون أن يمحو ذاكرته، وإلى تحويل موارده الهائلة من أدوات للصراع إلى أدوات للتنمية.
ويحتاج كذلك إلى أن ينظر إلى أجياله الجديدة باعتبارها رأس ماله الحقيقي.
فالشاب العراقي الذي عاش طفولته وسط سنوات الحرب لا ينبغي أن يكون مستقبله استمرارًا للحرب. يجب أن يكون مستقبله الجامعة والمصنع والمشروع والعمل والإبداع.
والطفل الذي ولد بعد سنوات الغزو لا ينبغي أن يرث الخوف الذي ورثه آباؤه.
يجب أن يرث وطنًا أكثر أمنًا واستقرارًا.
وهنا تحديدًا يصبح الرحيل بداية لمسؤولية أكبر.
فوجود القوات الأجنبية كان دائمًا جزءًا من المشهد العراقي، لكن العراق في النهاية هو الذي سيبقى، وشعبه هو الذي سيحمل تبعات كل قرار، وهو الذي سيبني المستقبل أو يدفع ثمن الفشل.
ولذلك فإن المرحلة القادمة تحتاج إلى عقل سياسي هادئ، ومؤسسات قوية، ورؤية وطنية بعيدة عن الانفعال، وعلاقات متوازنة مع مختلف دول العالم، بحيث لا يتحول العراق إلى تابع لهذا المحور أو ذاك، وإنما يكون صاحب مصلحة واضحة وسياسة تحمي أمنه واقتصاده وسيادته.
أربيل اليوم تودع القوات الأمريكية، والعراق يقف أمام مرحلة جديدة.
لكن الأهم من مشهد الرحيل هو مشهد ما بعد الرحيل.
فالتاريخ لا يسأل فقط: من دخل العراق؟ ومن خرج منه؟
بل يسأل أيضًا: ماذا فعل العراقيون بوطنهم بعد أن انتهت تلك المرحلة؟
هل بنوا دولة أقوى؟
هل حافظوا على وحدتهم؟
هل حوّلوا ثرواتهم إلى تنمية؟
هل جعلوا أبناءهم يشعرون بأن المستقبل يستحق أن يعيشوا من أجله؟
هذه الأسئلة هي التي ستحدد قيمة المرحلة المقبلة.
لقد مر العراق بثلاثة وعشرين عامًا شديدة التعقيد، تغيرت خلالها حكومات، وتبدلت تحالفات، وظهرت تنظيمات واختفت أخرى، ودخلت قوى وخرجت قوى، لكن شيئًا واحدًا بقي ثابتًا: العراق وشعبه وأرضه وتاريخه.
والآن، بعد رحيل القوات الأمريكية، ربما يكون الوقت قد حان لكي يتقدم العراق خطوة جديدة نحو المستقبل؛ لا مستقبل يقوم على الحرب، ولا على الانتقام، ولا على التبعية، وإنما على الدولة والقانون والتنمية والسلام.
فأربيل قد تودع الجنود، لكن العراق كله يستقبل سؤالًا أكبر من الرحيل نفسه:
هل يستطيع العراق أن يجعل السنوات القادمة مختلفة عن السنوات الثلاث والعشرين الماضية؟
الإجابة لن تكون بالكلمات، وإنما بما سيُبنى على الأرض، وبما سيحصل عليه المواطن العراقي من أمن وكرامة واستقرار وفرصة حقيقية لصناعة مستقبل أفضل.
وهنا تبدأ صفحة جديدة من حكاية العراق.