recent
أخبار ساخنة

حقيقة غضب إسرائيل من إحياء الروح الوطنية في أطفال وشباب مصر/شيفاتايمز

شيفاتايمز SHEFATAIMS

حقيقة غضب إسرائيل من إحياء الروح الوطنية في أطفال وشباب مصر
بقلم : د/ حسين السمنودي
ليست الوطنية مجرد علم يرفرف فوق المباني، ولا نشيدًا يردده الأطفال في طابور الصباح، ولا كلمات حماسية تُقال في المناسبات الوطنية ثم تنتهي بانتهاء الاحتفال، بل هي روح تسري في وجدان الإنسان، وتكبر معه يومًا بعد يوم، حتى تتحول إلى وعي راسخ بالهوية، وإدراك عميق لقيمة الوطن، واستعداد حقيقي للدفاع عنه بالعلم والعمل والإخلاص والانتماء. ومن هنا، فإن إحياء الروح الوطنية في نفوس أطفال مصر وشبابها ليس مجرد نشاط عابر، وإنما هو بناء لجيل يعرف تاريخ بلاده، ويدرك قيمة أرضه، ويفهم أن الأوطان لا تُصان بالشعارات وحدها، بل بالعقول الواعية والقلوب المخلصة والإرادة التي لا تنكسر.
وعندما نتحدث عن غضب إسرائيل من عودة الروح الوطنية إلى وجدان الأجيال المصرية، فإن علينا أن نفرق بين ما يمكن إثباته من مواقف وتصريحات، وبين التحليل السياسي الذي يحاول تفسير ما قد يزعج أي طرف يرى في وعي خصمه بعناصر قوته عاملًا مؤثرًا في حساباته. فلا يصح أن نجزم بوجود غضب إسرائيلي محدد من كل مبادرة وطنية مصرية من دون دليل واضح، لكن من المنطقي أن ندرك أن شعبًا يعرف تاريخ أرضه، ويتمسك بحقوقه، ويفهم طبيعة التحديات المحيطة به، يصبح أكثر قدرة على حماية مصالحه، وأقل قابلية للتأثر بالدعاية أو محاولات التشكيك في هويته الوطنية.
إن أول أسباب تجدد الروح الوطنية في أطفال مصر وشبابها هو التاريخ الذي لا يستطيع أحد محوه من الذاكرة. فمصر ليست دولة وليدة الأمس، ولا شعبًا بلا جذور، ولا أرضًا يمكن فصل حاضرها عن ماضيها. إنها حضارة امتدت آلاف السنين، وشعب عبر عصورًا من التحديات، وواجه الاحتلال والحروب والأزمات، ثم ظل محتفظًا بشخصيته وهويته وقدرته على النهوض. وحين يتعرف الطفل المصري إلى تاريخ بلاده، ويقرأ عن أجداده الذين شيدوا الحضارة، وعن جنودها الذين دافعوا عن أرضها، وعن العلماء والمفكرين والمبدعين الذين أسهموا في تقدم الإنسانية، فإنه يبدأ في إدراك أن انتماءه إلى مصر ليس مجرد مصادفة جغرافية، بل مسؤولية أخلاقية وتاريخية.
ومن هنا نفهم أهمية الاحتفال بانتصارات أكتوبر المجيدة، واستعادة تفاصيل العبور العظيم، وتعريف الأجيال الجديدة ببطولات الجيش المصري، وبالتضحيات التي بذلها الجنود والضباط والشهداء لاسترداد الأرض وصيانة الكرامة الوطنية. فحرب أكتوبر لم تكن مجرد معركة عسكرية انتهت بتغير خطوط المواجهة، بل كانت درسًا في الإرادة والتخطيط والصبر والثقة بالقدرة على تجاوز المستحيل. لقد أثبتت تلك الحرب أن الهزيمة ليست قدرًا أبديًا، وأن الشعوب تستطيع استعادة قوتها عندما تتوافر لها القيادة الواعية والإرادة المنظمة والاستعداد لتحمل المسؤولية.
وهنا تكمن إحدى أهم الرسائل التي ينبغي أن تصل إلى أطفال مصر وشبابها؛ وهي أن سيناء ليست مجرد مساحة جغرافية على الخريطة، وإنما جزء أصيل من الأرض المصرية، تحمل في ترابها ذكريات التضحيات، وفي جبالها ووديانها حكايات الصمود، وفي تاريخها صفحات من البطولة لا يجوز أن تُختزل أو تُنسى. وكلما تعرّف الجيل الجديد إلى حقيقة ما جرى من أجل استعادة الأرض، ازداد إدراكه لقيمة السلام الذي يحفظ الحقوق، ولأهمية القوة التي تحمي الوطن، ولضرورة اليقظة التي تمنع تكرار المآسي.
والسبب الثاني هو أن الأسرة المصرية ما زالت تؤدي دورًا مهمًا في نقل معنى الوطن من جيل إلى آخر. ففي البيوت المصرية حكايات عن الآباء والأجداد، وعن أيام الحرب، وعن الجنود الذين عادوا من ميادين القتال، وعن الذين لم يعودوا، وعن الأمهات اللاتي انتظرن أبناءهن، وعن أسر قدمت أغلى ما تملك حتى تبقى مصر آمنة ومستقلة. وقد يظن البعض أن هذه الحكايات مجرد ذكريات قديمة، لكنها في الحقيقة جزء من الذاكرة الوطنية التي تمنح الأجيال الجديدة إحساسًا بالاستمرارية، وتربط حاضرها بتضحيات من سبقوها.
وعندما يجلس الأب مع أبنائه ليحكي لهم عن معنى الانتماء، أو تشرح الأم لطفلها لماذا يرفع المصريون علم بلادهم باعتزاز، أو يتحدث الجد عن سنوات عاشها الوطن في ظروف صعبة ثم تجاوزها، فإن الوطنية تتحول من معلومة في كتاب إلى شعور حي يسكن القلب. وهذه التربية لا تحتاج إلى صراخ أو مبالغة، بل تحتاج إلى الصدق والقدوة، وإلى أن يرى الطفل في سلوك الكبار احترامًا للقانون، وإخلاصًا في العمل، وحرصًا على المال العام، وتعاونًا مع الآخرين، ورفضًا للفساد والإهمال.
أما السبب الثالث، فيتمثل في الدور الذي تؤديه المدرسة في تشكيل الوعي الوطني لدى الأجيال الجديدة. فالمدرسة ليست مكانًا لتلقي المناهج واجتياز الامتحانات فقط، بل هي مساحة لبناء الشخصية، واكتشاف المواهب، وتعليم احترام الاختلاف، وترسيخ قيم المسؤولية والانضباط والعمل الجماعي. وعندما تقدم المدرسة تاريخ مصر بصورة واعية، وتنظم الأنشطة الثقافية والفنية والرياضية، وتتيح للطلاب التعبير عن حبهم لوطنهم من خلال الإبداع والمبادرة، فإنها تسهم في بناء مواطن يعرف حقوقه وواجباته، ويشعر بأنه شريك في مستقبل بلاده.
إن طابور الصباح، والإذاعة المدرسية، والندوات التاريخية، والمسابقات الثقافية، والرحلات إلى المواقع الأثرية، والأنشطة التي تعرف الطلاب بتضحيات الشهداء وبإنجازات العلماء والمبدعين، كلها وسائل يمكن أن تجعل الوطنية تجربة حية في نفوس الصغار. لكن الأهم من كل ذلك أن يشعر الطالب بأن وطنه يقدّر عقله، ويحترم موهبته، ويمنحه فرصة عادلة للتعلم والنجاح. فالشاب الذي يجد أمامه طريقًا حقيقيًا لتحقيق أحلامه يكون أكثر ارتباطًا بوطنه، وأكثر استعدادًا للمشاركة في بنائه، لأن الانتماء الحقيقي ينمو حين يجتمع الاعتزاز بالتاريخ مع الثقة في المستقبل.
والسبب الرابع هو أن الأجيال المصرية الجديدة أصبحت تعيش في عالم مفتوح تتدفق فيه المعلومات والصور والأفكار من كل اتجاه. ولم يعد الطفل أو الشاب يتلقى روايته عن الأحداث من كتاب مدرسي أو برنامج تلفزيوني واحد، بل أصبح قادرًا على مشاهدة الوثائقيات، وقراءة الشهادات التاريخية، ومقارنة الروايات، ومتابعة ما يجري حوله من تطورات سياسية وإنسانية. وهذا الانفتاح قد يكون مصدرًا للوعي إذا صاحبه التفكير النقدي والتثبت من المعلومات، وقد يتحول إلى مصدر للارتباك إذا وقع الشاب فريسة للشائعات والمعلومات المضللة.
ولهذا فإن إحياء الوطنية اليوم لا ينبغي أن يقوم على منع الأسئلة أو مطالبة الشباب بتصديق كل ما يسمعونه، بل على تعليمهم كيف يسألون، وكيف يبحثون، وكيف يميزون بين الحقيقة والدعاية، وكيف يفرقون بين النقد المسؤول الذي يهدف إلى الإصلاح وبين المعلومات المختلقة التي تسعى إلى إثارة الكراهية أو تفكيك المجتمع. فالوطن الواثق من نفسه لا يخاف من عقل أبنائه، والشباب الواعي لا يحتاج إلى إغلاق عينيه حتى يحب بلاده، بل يحتاج إلى أن يرى الحقيقة بوضوح، وأن يعرف ما لبلاده وما عليها، وأن يعمل من أجل إصلاح الأخطاء وتعزيز عناصر القوة.
وهنا تبرز أهمية الوعي بما يجري في المنطقة، وخاصة القضية الفلسطينية وما ارتبط بها من حروب ومعاناة إنسانية وحقوق وطنية. فالشعب المصري يحمل ارتباطًا تاريخيًا وجغرافيًا وإنسانيًا بالقضية الفلسطينية، ويتابع ما يتعرض له المدنيون من قتل وتهجير ودمار بقلق وألم. ومن الطبيعي أن تدفع هذه المشاهد كثيرًا من الشباب إلى الاهتمام بالشأن العام، والبحث في تاريخ الصراع، وفهم أهمية الحدود والأمن القومي، وإدراك خطورة محاولات فرض واقع جديد على حساب حقوق الشعوب.
لكن الوطنية المصرية الحقيقية لا تعني الانجرار وراء الشائعات، ولا تحويل الغضب الإنساني إلى عداء أعمى، ولا تحميل الشعوب بأكملها مسؤولية قرارات الحكومات. إنها تعني التمسك بالحق، والدفاع عن كرامة الإنسان، ورفض الاعتداء على المدنيين، واحترام القانون الدولي، ودعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، مع إدراك أن حماية مصر واستقرارها مسؤولية لا تحتمل التهور أو المزايدات.
وفي هذا السياق، فإن أي طرف سياسي قد ينظر بقلق إلى تنامي وعي المصريين بحقوقهم ومصالحهم، خاصة إذا كان هذا الوعي يجعلهم أكثر تمسكًا بأرضهم، وأكثر إدراكًا للمخاطر التي يمكن أن تنشأ عن التهجير القسري أو تصفية القضايا على حساب شعوب المنطقة. غير أن القول إن إسرائيل غاضبة تحديدًا من الأنشطة الوطنية الموجهة للأطفال والشباب في مصر يظل ادعاءً يحتاج إلى شواهد وتصريحات موثقة. أما ما يمكن قوله بثقة، فهو أن الوعي الوطني المستند إلى المعرفة يمنح المجتمع قدرة أكبر على فهم الأحداث، ومقاومة التضليل، وتقدير أهمية الأمن القومي المصري.
والسبب الخامس أن جيل الشباب لا يريد أن يكون مجرد متفرج على تاريخ وطنه، بل يريد أن يشعر بأنه قادر على التأثير في حاضره ومستقبله. فالشاب المصري الذي يدرس ويجتهد ويبتكر، والفتاة التي تتفوق في العلوم والرياضة والفنون، والطالب الذي يشارك في خدمة مجتمعه، والمتطوع الذي يساعد المحتاجين، كل هؤلاء يمارسون الوطنية بصورة عملية قد تكون أكثر تأثيرًا من آلاف الكلمات. فحب الوطن لا يُقاس بارتفاع الصوت وحده، وإنما بما يقدمه الإنسان لوطنه من علم وعمل وإخلاص.
ومن الخطأ أن نتصور أن الوطنية تعني أن يعيش الشباب في الماضي فقط، أو أن يكتفوا باستعادة البطولات القديمة دون التفكير في معارك الحاضر. فمصر اليوم تحتاج إلى معارك من نوع آخر؛ معركة ضد الجهل، وأخرى ضد الفقر، وثالثة ضد التطرف، ورابعة ضد الإهمال، وخامسة من أجل تطوير التعليم والصناعة والزراعة والبحث العلمي. وتحتاج إلى شباب يتقن التكنولوجيا، ويصنع فرص العمل، ويحافظ على موارد بلاده، ويشارك في حل مشكلاتها، ويؤمن أن رفعة الوطن لا تتحقق بالأمنيات وحدها، بل بالمعرفة والإنتاج والانضباط.
إن إسرائيل، شأنها شأن أي دولة، تتابع ما يجري في محيطها من تطورات سياسية وأمنية، لكن من غير الدقيق اختزال مواقفها كلها في تفسير واحد أو افتراض أن كل مظهر من مظاهر الوطنية المصرية يستهدفها مباشرة. فمصر دولة لها مصالحها وحساباتها المستقلة، وتعمل على حماية حدودها وصيانة أمنها القومي، وتتعامل مع قضايا المنطقة وفق مسؤولياتها ومصالح شعبها. ومن حق المصريين أن يعتزوا بتاريخهم وجيشهم وأرضهم، وأن يربوا أبناءهم على فهم التحديات المحيطة بهم، من دون أن يتحول الاعتزاز الوطني إلى دعوة للكراهية أو إلى تصور أن كل اختلاف سياسي يعني بالضرورة مؤامرة.
ومع ذلك، فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى كل من يراقب مصر هي أن هذا الشعب يمتلك ذاكرة تاريخية عميقة، وأن الأجيال الجديدة ليست منفصلة عن جذورها، وأن تعليم الأطفال معنى الوطن يجعلهم أكثر قدرة على حماية هويتهم ومستقبلهم. فالمصري الذي يعرف قيمة أرضه لا يفرط فيها بسهولة، والذي يفهم تاريخ بلاده لا تنطلي عليه كل رواية، والذي يتعلم التفكير لا يصبح أسيرًا لكل حملة دعائية، والذي يثق بقدرته على البناء لا يكتفي بدور المتلقي في عالم تتصارع فيه المصالح.
ولعل من أهم أسباب عودة الاهتمام بالوطنية أن كثيرًا من المصريين أدركوا أن الحفاظ على الدولة ليس مسؤولية مؤسسة واحدة، ولا مهمة الجيش والشرطة وحدهما، بل مسؤولية مجتمع كامل. فالجيش يحمي الحدود، والشرطة تحفظ الأمن وفق القانون، والمعلم يبني العقول، والطبيب يصون الأرواح، والعامل يشارك في الإنتاج، والفلاح يحافظ على أرضه الزراعية، والعالم يفتح أبواب المعرفة، والإعلام المسؤول يواجه التضليل، والأسرة تربي الأجيال، والشباب يجددون طاقة المجتمع. وعندما تتكامل هذه الأدوار، تصبح الوطنية قوة يومية تظهر في السلوك والعمل والالتزام، وليس في المناسبات وحدها.
ومن هنا تأتي ضرورة أن تكون الأنشطة الوطنية في المدارس ومراكز الشباب والمؤسسات الثقافية قائمة على الفهم لا التلقين، وعلى الحوار لا التخويف، وعلى معرفة التاريخ بمصادره وشواهده، وعلى تقديم نماذج حقيقية من أبناء مصر الذين نجحوا بالعلم والاجتهاد والتضحية. فالطفل الذي يتعلم كيف بنى المصريون حضارتهم، وكيف استعادوا أرضهم، وكيف واجهوا المحن، ينبغي أن يتعلم أيضًا كيف يبني مصنعًا، أو يطور علاجًا، أو يبتكر وسيلة للزراعة، أو يحمي البيئة، أو يساهم في حل مشكلة داخل قريته ومدينته.
كما ينبغي ألا ننسى أن الوطنية لا تنمو في فراغ، وأن احترام المواطن وإتاحة الفرص أمامه وتحقيق العدالة وتكافؤ الفرص من العوامل التي تعزز شعوره بالانتماء. فالشباب يحتاجون إلى خطاب وطني يمنحهم الأمل، لكنه يحتاج أيضًا إلى واقع يفتح أمامهم أبواب العمل والتقدم والمشاركة. وكلما شعر الشاب بأن جهده محل تقدير، وأن مستقبله يستحق السعي، وأن صوته يمكن أن يشارك في الإصلاح عبر الطرق المشروعة، أصبح انتماؤه أكثر رسوخًا وقدرته على خدمة وطنه أكبر.
إن أخطر ما يمكن أن يواجه أي مجتمع ليس اختلاف أبنائه في الرأي، وإنما فقدانهم الثقة في قدرتهم على بناء مستقبل مشترك. ولذلك فإن الوطنية الحقيقية لا تطلب من الشباب أن يتخلوا عن أحلامهم أو أن يصمتوا عن المشكلات، بل تدعوهم إلى تحويل أحلامهم إلى عمل، وانتقاداتهم إلى حلول، وطاقاتهم إلى إنتاج، واعتزازهم بتاريخهم إلى مسؤولية تجاه الغد. فمصر لا تحتاج إلى جيل يكتفي بترديد أمجاد الماضي، بل إلى جيل يفهم تلك الأمجاد ويضيف إليها إنجازات جديدة.
وفي النهاية، فإن السؤال الأهم ليس: هل تغضب إسرائيل من إحياء الروح الوطنية في أطفال مصر وشبابها؟ بل: ماذا يعني أن ينشأ طفل مصري وهو يعرف وطنه، ويفهم تاريخه، ويعتز بلغته وثقافته، ويحترم جيشه، ويدرك قيمة أرضه، ويؤمن بأن مستقبله مرتبط بقدرة بلاده على التقدم؟ إن هذا الطفل سيكون أكثر وعيًا بحقوقه، وأقدر على التمييز بين الحقيقة والتضليل، وأكثر استعدادًا لأن يكون مواطنًا منتجًا ومسؤولًا. وهذه هي القيمة الحقيقية للتربية الوطنية التي لا تقوم على الكراهية، وإنما على المعرفة والكرامة والوعي.
يا أبناء مصر، إن حب الوطن ليس خصومة دائمة مع أحد، وليس خوفًا من العالم، وليس ترديدًا لشعارات لا يرافقها عمل؛ إنه أن تعرفوا من أنتم، وأن تدركوا قيمة الأرض التي تعيشون عليها، وأن تحترموا تاريخكم، وأن ترفضوا التفريط في حقوقكم، وأن تبنوا مستقبلًا يستحقه أبناؤكم. وإن كانت مصر قد صنعت صفحات عظيمة في تاريخها، فإن مسؤولية الأجيال الجديدة أن تكتب صفحات أخرى بالعلم والابتكار والعمل والإخلاص، وأن تجعل من الوطنية قوة للبناء والسلام وحماية الحقوق.
فمصر التي عبرت أصعب اللحظات في تاريخها لا تريد من أبنائها أن يعيشوا أسرى الحروب، وإنما تريدهم أن يتعلموا من تضحياتها كيف يصنعون السلام القائم على القوة والحقوق، وكيف يحمون وطنهم بالوعي، وكيف يواجهون التحديات بالعقل، وكيف يثبتون أن الشعوب العظيمة لا تحفظ أوطانها بالصوت المرتفع وحده، بل بالعمل الذي يترك أثرًا، والعلم الذي يصنع مستقبلًا، والوحدة التي تحترم التنوع، والإرادة التي تعرف طريقها.
ستظل الوطنية المصرية أكبر من أن تكون حملة عابرة، وأعمق من أن تكون هتافًا مؤقتًا؛ إنها ذاكرة شعب، ووعي أجيال، ومسؤولية وطن. وحين يكبر أطفال مصر وهم يعرفون قيمة بلادهم، ويتحول شبابها إلى قوة في العلم والإنتاج والإبداع، فإن مصر تكون قد وضعت في أيديهم أعظم سلاح يحمي المستقبل: عقلًا واعيًا، وقلبًا محبًا، وإرادة لا تتوقف عن البناء.
google-playkhamsatmostaqltradent