بقلم/ مي جوهر
هل تساءلت يوماً لماذا نشكر من أحببناهم، ولا نشكر من كسرونا؟
تخيل أن تقف أمام مرآة حياتك، وتهمس بامتنان: شكراً لأنكم تركتموني وحيدة في أحلك لحظاتي.
قد تظن أن هذا جنون، أو مجرد قسوة، لكنه أصدق اعتراف سمعته نفسي يوماً.
نحن نعيش في وهم أن الدعم هو من يمسك بيدك، لكن الحقيقة الصادمة هي أن أعظم دعم تلقيته في حياتي لم يكن يدًا حنونة، بل كان ظهراً أُدير لي، وكلمة لم تُقال، وموقفاً تخلوا فيه عني.
قبل أن يتعلم المرء الطيران، يعتقد أن السماء ستحميه، كنا نعتقد أن وجود الآخرين حولنا هو ضمان لسلامتنا، نمنحهم ثقتنا، نركن إليهم في ضعفنا، ونصنع من حولهم أسواراً نعتقد أنها تحمينا من قسوة العالم، نذوب فيهم، حتى ننسى أحياناً من نحن بدونهم.
لكن الحياة، بحكمتها القاسية، قررت أن تهدم تلك الأسوار.
حين جاءت العاصفة، بحثت عن الملاجئ، فلم أجد سوى ظلي.
في تلك اللحظة التي انهارت فيها كل التوقعات، ووقفتُ وحيدة أمام رياح لم أتوقعها، حدث شيء غريب. لم أمت. لم أنهار للأبد. بل حدث شيء أعمق بكثير: استيقظت
اكتشفت أن العمود الفقري الذي كنت أبحث عنه خارجي، كان مختبئاً داخلي طوال الوقت، ينتظر فقط أن أتوقف عن الاتكاء على الأكتاف الوهمية.
هنا، وبكل امتنان، يمكنني أن أنظر إلى الماضي، وأبتسم لندوبي، وأقول بملء فمي:
لقد قدموا لي معروفاً كبيراً حين خذلوني، لقد جعلوني امرأة قوية لا تنحني لأحد.
نعم خذلانهم كان المنعطف، كان هو المطرقة التي شكلت فولاذي، لولا أنهم رحلوا، أو تقاعسوا، أو لم يكونوا على قدر الثقة، لظللتُ تلك المرأة الهشة التي تنتظر موافقة العالم لتبدأ حياتها، لولا ألم سقوطي، لما عرفتُ أن لديّ القدرة على النهوض بمفردي.
المرأة التي لا تنحني لأحد، لم تولد هكذا، هي امرأة مرت بمراحل من الحزن، من الصمت الطويل، ومن إعادة ترتيب قطع روحها المتناثرة بيديها.
هي تعلم الآن أن كلمة "لا" هي جملة كاملة، تعلم أن رضاها عن نفسها أهم من ألف ابتسامة مزيفة من الآخرين، قوتها ليست في قسوتها، بل في سلامها الداخلي؛ سلام من أدركت أن ظهرها هو سندها الوحيد، وأن كرامتها خط أحمر لا يتجزأ.
إذا كنتِ تقرئين هذه السطور، وفي قلبك ندبة من خذلان قريب أو بعيد.. لا تجلسي في الظلام.
اشكري من رحلوا، اشكري من لم يكونوا على قدر ثقتك.
فهم لم يكسروك، بل حرروك.
هم لم يخذلوك، بل أفسحوا الطريق أمام "نسخة أقوى منك" لتولد.
والآن.. قفي، استقيمي، وامشي برأس مرفوعة.
فالعالم يحتاج إلى قوتك، وأنتِ.. تحتاجين إلى حريتك.