حسين السمنودي
في زمنٍ كثرت فيه الكلمات، وأصبح كل إنسان قادرًا على أن يقول رأيه في كل شيء، لم تعد المشكلة في أن يجهل الإنسان بعض الأمور، فهذه طبيعة البشر، وإنما أصبحت المشكلة الكبرى أن يتحدث الإنسان فيما لا يعلم، ويحكم فيما لا يعرف، ويصر على رأيه وكأنه امتلك الحقيقة كاملة.
فالجهل في حد ذاته يمكن علاجه بالعلم، والسؤال، والبحث، والرجوع إلى أهل الاختصاص، لكن الأخطر من الجهل هو أن يتحول إلى غرور، وأن يعتقد صاحبه أنه لا يحتاج إلى أن يتعلم أو يتثبت أو يسأل.
ولذلك جاء القرآن الكريم واضحًا في تحذيره من السير خلف ما لا علم للإنسان به، فقال الله تعالى:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾.
آية عظيمة تضع أمام الإنسان مسؤولية كل ما يسمع، وكل ما يرى، وكل ما ينقله، وكل ما يعتقده ويقوله.
فليس كل ما نسمعه صحيحًا، وليس كل ما نراه يشرح الحقيقة كاملة، وليس كل ما يصل إلينا من أخبار يستحق أن نصدقه أو ننقله إلى الآخرين.
وقد أصبح هذا الأمر أكثر خطورة في عصر وسائل التواصل الاجتماعي؛ فخبر مجهول المصدر يمكن أن ينتشر في دقائق، وشائعة يمكن أن تصل إلى آلاف الناس قبل أن يعرف أحد أصلها أو حقيقتها.
والأشد خطورة أن بعض الناس يتعامل مع المشاركة والنشر وكأنها أمر بلا حساب، مع أن الكلمة قد تظلم إنسانًا، وتهدم بيتًا، وتشوه سمعة بريء، وتزرع العداوة بين الناس.
ولهذا قال الله سبحانه وتعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾.
لاحظوا قول الله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾.
لم يقل لنا القرآن: صدقوا كل ما تسمعون، وإنما أمرنا بالتثبت والتحقق، لأن الإنسان قد يتخذ قرارًا في لحظة بناءً على معلومة خاطئة، ثم يقضي سنوات يحاول إصلاح آثارها.
ومن أخطر صور الجهل أن يحكم الإنسان على الآخرين دون أن يعرف الحقيقة كاملة.
قد ترى شخصًا غاضبًا، ولا تعرف ما الذي أوجعه.
وقد ترى إنسانًا صامتًا، ولا تعرف ما الذي يحمله في قلبه.
وقد ترى شخصًا ابتعد عن الناس، ولا تعرف الظروف التي دفعته إلى ذلك.
وقد تسمع قصة عن إنسان، ولا تعرف الطرف الآخر من القصة.
ومع ذلك نجد البعض يسارع إلى إصدار الأحكام، ثم يتحول الحكم إلى اتهام، والاتهام إلى إدانة، والإدانة إلى قطيعة وعداء.
وهنا يأتي الإسلام ليعلمنا أدبًا عظيمًا هو حسن الظن والتثبت وعدم بناء المواقف على الشائعات.
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾.
فالظن ليس دائمًا حقيقة، وما نعتقد أننا نعرفه قد يكون بعيدًا كل البعد عن الحقيقة.
ومن أعظم صور الجهل أيضًا أن يتحدث الإنسان في أمور الدين دون علم.
فالدين ليس مجالًا للتخمين، ولا ساحة لاستعراض المعلومات، ولا كل منشور مكتوب عليه "قال رسول الله" يكون حديثًا صحيحًا، ولا كل قصة مؤثرة تكون حقيقة، ولا كل حكم يردده الناس يكون حكمًا شرعيًا.
قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾.
وهنا تظهر عظمة الإسلام في احترام العلم وأهله.
فإذا لم نعلم، فالسؤال هو الطريق.
قال الله تعالى:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وليس في قول الإنسان "لا أعلم" أي نقص أو عيب.
بل إن الاعتراف بعدم المعرفة قد يكون من علامات العقل والأمانة.
فالإنسان العاقل يعرف حدود معرفته، ويعرف أن هناك أشياء كثيرة لا يعلمها، وأن العلم بحر واسع لا يمكن لإنسان أن يحيط به كله.
ولهذا كان من أجمل ما يمكن أن يتحلى به الإنسان أن يقول: لا أعلم عندما لا يعلم.
أما أن يخترع إجابة، أو ينقل كلامًا غير متأكد منه، أو يفتي بغير علم، فذلك هو الخطر الحقيقي.
والأمر نفسه ينطبق على حياتنا الاجتماعية.
كم من مشكلة بدأت بكلمة!
وكم من خصومة بدأت بخبر لم يكن صحيحًا!
وكم من صداقة انتهت بسبب سوء فهم!
وكم من أسرة عاشت سنوات من القطيعة بسبب كلام نُقل بطريقة خاطئة!
وكم من إنسان تعرض للظلم لأن أحدهم تحدث عنه دون أن يعرف الحقيقة!
إن الكلمة ليست مجرد صوت يخرج من الفم، وإنما مسؤولية.
وقد قال رسول الله ﷺ: "كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع".
فليس مطلوبًا منك أن تنقل كل ما تسمعه.
وليس مطلوبًا منك أن تعلق على كل حادثة.
وليس مطلوبًا منك أن يكون لك رأي في كل شيء.
أحيانًا يكون الصمت حكمة.
وأحيانًا يكون عدم التعليق أمانة.
وأحيانًا تكون عبارة "لا أعرف" أصدق وأشرف من حديث طويل مليء بالتخمينات.
إن الإنسان لا يصبح عالمًا لمجرد أنه يتحدث كثيرًا، ولا يصبح صاحب حق لمجرد أن صوته مرتفع، ولا تصبح فكرته صحيحة لمجرد أن حوله من يصفقون لها.
الحقيقة لا تحتاج إلى ضجيج، والدليل لا يحتاج إلى صراخ، والعلم لا يحتاج إلى غرور.
ومن أعظم آفات زماننا أن بعض الناس أصبحوا يرفضون النصيحة لمجرد أنها تخالف رأيهم، ويرفضون الدليل إذا لم يتفق مع رغباتهم، ويبحثون عن من يؤيدهم بدلًا من البحث عن الحقيقة.
وهذا يجعل الإنسان أسيرًا لرأيه، حتى ولو اكتشف بعد ذلك أنه مخطئ.
أما المؤمن الحق، فإذا ظهر له الحق رجع إليه، ولا يرى الرجوع عن الخطأ هزيمة، بل يراه انتصارًا على النفس والهوى.
قال الله تعالى:
﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾.
فمهما بلغ الإنسان من العلم، سيظل هناك من هو أعلم منه، وسيظل فوق الجميع علم الله سبحانه وتعالى.
ولهذا فإن العلم الحقيقي يولد التواضع، بينما الجهل كثيرًا ما يولد الغرور.
العالم الحقيقي يقول: ربما أكون مخطئًا.
والجاهل المتكبر يقول: لا يمكن أن أكون مخطئًا.
العالم يبحث عن الدليل.
والجاهل يبحث عما يؤيد رأيه.
العالم إذا لم يعلم سأل.
والجاهل إذا لم يعلم تحدث.
العالم يحترم التخصص.
والجاهل يظن أن رأيه يصلح للحكم في كل شيء.
ومن هنا يجب أن نعيد تربية أنفسنا وأبناءنا على قيمة العلم، وعلى احترام أهل الاختصاص، وعلى التثبت قبل الحكم، وعلى التفكير قبل النشر، وعلى الصمت عندما يكون الكلام فتنة.
يجب أن نعلم أبناءنا أن السؤال ليس عيبًا، وأن الاعتراف بالخطأ ليس ضعفًا، وأن كلمة "لا أعرف" ليست كلمة مخجلة، وإنما قد تكون بداية طريق طويل إلى المعرفة.
كما يجب أن ندرك أن الدين لا يعادي العلم، بل يرفع من شأنه، وأن الإسلام لم يطلب من الإنسان أن يكون تابعًا بلا عقل، وإنما دعاه إلى النظر والتفكر والتدبر والسؤال.
إن الأمة التي تحترم العلم تستطيع أن تتقدم، والمجتمع الذي يحترم الحقيقة يستطيع أن يتماسك، والأسرة التي تقوم على الحوار والتثبت تستطيع أن تتجاوز كثيرًا من الخلافات.
أما حين يتكلم الجهل، وتغيب الحقيقة، ويصبح الحكم على الناس مبنيًا على الشائعات، فإننا نفتح أبوابًا واسعة للظلم والفتنة والعداوة.
فلنراجع كلماتنا قبل أن نقولها، ومنشوراتنا قبل أن ننشرها، وأحكامنا قبل أن نطلقها، ومواقفنا قبل أن نبنيها.
ولنتذكر أن الله سبحانه وتعالى لا يحاسبنا فقط على ما فعلنا، وإنما يحاسبنا كذلك على ما قلنا، وما نقلنا، وما شهدنا به، وما حكمنا به على عباده.
وفي النهاية، ليس عيبًا أن تقول: لا أعلم.
العيب أن تتحدث فيما لا تعلم.
وليس عيبًا أن تسأل.
العيب أن ترفض السؤال لأنك تظن أنك تعرف كل شيء.
وليس عيبًا أن تتراجع عن رأي خاطئ.
العيب أن تعرف الحق ثم تكابر.
وليس عيبًا أن تصمت.
فقد يكون صمتك في بعض المواقف أبلغ من ألف كلمة.
فلنجعل بيننا وبين الكلام ميزانًا من التقوى، وبيننا وبين الأخبار ميزانًا من التثبت، وبيننا وبين الأحكام ميزانًا من العدل، وبيننا وبين العلم ميزانًا من التواضع.
فإذا علمنا تكلمنا بالحق، وإذا جهلنا سألنا، وإذا شككنا تثبتنا، وإذا أخطأنا رجعنا إلى الصواب.
تلك هي أخلاق المؤمن، وتلك هي الطريق التي لا تضيع فيها الحقيقة وسط ضجيج الجهل.