حسين السمنودي
هناك صور لا تحتاج إلى تعليق طويل، لأنها تتحدث وحدها، وتوجع وحدها، وتضع أمامنا ألف سؤال لا نجد له إجابة. صورة المعلم وهو يمسك بالمقشة أو يمسح أرضية فصله ومدرسته ليست مجرد صورة عابرة، وليست مشهداً يمكن أن نمر عليه ثم نواصل يومنا وكأن شيئاً لم يحدث، لأنها ببساطة صورة تختصر حالاً مؤلماً وصل إليه التعليم، وحالاً أشد إيلاماً وصل إليه المعلم في بلادنا.
يا كل مسؤول عن التعليم في مصر.. يا من تجلسون في مكاتب مكيفة وتضعون الخطط والاستراتيجيات وتصدرون التعليمات.. هل رأيتم يوماً معلماً يقف أمام تلاميذه، ثم يترك كتابه ودفتره ودرسه، ويمسك أدوات النظافة ليكنس ويمسح ويهيئ المكان حتى يستطيع أبناؤنا أن يتعلموا في بيئة آدمية؟ هل سألتم أنفسكم: لماذا وصل هذا المعلم إلى هذه النقطة؟ ومن المسؤول عن توفير أبسط الإمكانات داخل المدرسة؟
نحن لا نتحدث عن رفاهية، ولا نطالب بقصور أو مبانٍ فاخرة، وإنما نتحدث عن مدرسة نظيفة، وعن فصل صالح للتعلم، وعن مرافق تعمل، وعن معلم يجد ما يساعده على أداء رسالته دون أن يتحول إلى موظف ومدرس وعامل نظافة وممول للمدرسة في الوقت نفسه.
المعلم يا سادة ليس مجرد شخص يقف أمام السبورة ويشرح درساً وينصرف. هذا هو الرجل أو المرأة الذي نأتمنه على عقول أبنائنا، وعلى أخلاقهم، وعلى شخصياتهم، وعلى سنوات كاملة من أعمارهم. المعلم هو الذي نحلم أن يربي جيلاً يعرف معنى الوطن، ويحترم الكبير، ويقدر العلم، ويعرف طريقه في الحياة.
فكيف نطلب منه أن يصنع أجيالاً عظيمة، بينما نحن نعجز عن توفير أبسط مقومات الحياة الكريمة له داخل المدرسة؟
كيف نطالبه بأن يكون قدوة، ونحن نضعه في ظروف تجعله يبحث عن أبسط الإمكانات حتى تستمر المدرسة في العمل؟
كيف نطالبه بأن يزرع الأمل في نفوس الطلاب، بينما هو نفسه يشعر أن المجتمع لا يرى تعبه ولا يقدر رسالته؟
والأكثر إيلاماً أن هناك معلمين أفاضل لا يكتفون بما يقومون به من عملهم الأصلي، وإنما يساهمون من أموالهم الخاصة في شراء مستلزمات، أو تدبير احتياجات، أو توفير أشياء تحتاجها المدرسة، بل يصل الأمر في بعض الحالات إلى تحمل نفقات مرافق أو احتياجات تشغيلية من جيوبهم، ثم يعودون إلى منازلهم وكأنهم لم يفعلوا شيئاً.
أي تقدير هذا الذي يحصل عليه المعلم؟
وأي رسالة نوجهها إلى أبنائنا عندما يرون من يربيهم ويعلمهم يحمل أدوات التنظيف بدلاً من أن يحمل أدوات التعليم؟
لا أحد يقلل أبداً من قيمة العمل الشريف، ولا من قيمة عامل النظافة، فكل مهنة شريفة وكل إنسان يعمل بيده يستحق الاحترام والتقدير. لكن المشكلة ليست في أن يحمل المعلم مقشة أو ممسحة، فالمشكلة الحقيقية أن يصبح هذا المشهد نتيجة لنقص الإمكانات وغياب من يفترض أن يقوم بهذه المسؤوليات، وأن يشعر المعلم أنه مضطر إلى فعل ذلك حتى لا يرى طلابه مدرسة غير لائقة.
المعلم الذي يكنس مدرسته حباً في طلابه ليس موضعاً للسخرية، بل هو موضع احترام.
المشكلة ليست في المعلم أبداً.
المشكلة في أن يصل الحال إلى أن يضطر صاحب الرسالة إلى سد عجز كان ينبغي على منظومة كاملة أن تمنع حدوثه.
وهنا يأتي العتاب.
عتاب إلى وزير التربية والتعليم..
نقول لك بكل احترام: هل هذا هو المعلم الذي نريد أن نبني به الجمهورية الجديدة؟ هل هذه هي الصورة التي نريد أن يراها أبناؤنا عن رجل التعليم؟ وهل أصبح المعلم مطالباً بأن يعالج كل نقص في المدرسة بإمكاناته الشخصية ووقته وجهده؟
نحن نعلم أن إدارة ملف التعليم ليست مهمة سهلة، وأن المشكلات تراكمت على مدار سنوات طويلة، وأن إصلاح التعليم يحتاج إلى وقت وإمكانات وتخطيط، لكن هناك أشياء لا تحتاج إلى عشرات السنوات حتى يتم إصلاحها.
نظافة المدرسة ليست حلماً.
وتوفير مستلزمات العمل الأساسية ليس ترفاً.
وحماية كرامة المعلم ليست رفاهية.
وتوفير بيئة تعليمية محترمة للطالب ليست أمراً ثانوياً.
والسؤال الأكبر نوجهه إلى دولة رئيس مجلس الوزراء: إذا كان المعلم الذي يحمل على كتفيه مستقبل أبنائنا يضطر أحياناً إلى دفع ما يحتاجه مكان عمله من جيبه، فمن الذي يراقب احتياجات المدارس؟ ومن الذي يتابع أحوال المعلمين؟ ومن الذي يسأل عن الأموال المخصصة للتشغيل والصيانة والنظافة والخدمات؟
لسنا ضد المعلم حين يمسك المقشة.
نحن ضد أن يكون مضطراً إلى ذلك.
لسنا ضد أن يخدم المعلم مدرسته.
بل نحن نعرف أن المعلم المصري من أكثر الناس حرصاً على مدرسته وطلابه.
لكننا ضد أن يتحول إخلاص المعلم إلى ذريعة لتحميله مسؤوليات ليست من صميم عمله، وضد أن يصبح ضميره المهني هو الوسيلة التي تسد بها الدولة أي نقص في الإمكانات.
المعلم المصري تحمل كثيراً، وصبر كثيراً، وأعطى كثيراً، وربما اعتاد أن يسمع كلمات الشكر أكثر مما يرى آثار التقدير الحقيقي في حياته العملية.
والكلمة الطيبة جميلة، لكن المعلم يحتاج أيضاً إلى إمكانات حقيقية.
يحتاج إلى فصل نظيف.
يحتاج إلى أدوات تعليم.
يحتاج إلى مدرسة مجهزة.
يحتاج إلى إدارة تسانده.
يحتاج إلى احترام حقيقي.
ويحتاج قبل كل شيء إلى أن يشعر أن الدولة التي تطلب منه أن يبني الإنسان، تقف هي الأخرى إلى جواره وتحمي كرامته وتوفر له الأدوات التي تمكنه من أداء رسالته.
يا مسؤولي التعليم..
لا تجعلوا إخلاص المعلم عقوبة عليه.
لا تجعلوا حبه لطلابه سبباً في أن يتحمل ما يفوق طاقته.
لا تجعلوا المعلم الذي يفترض أن يقف أمام السبورة شارحاً ومربياً، مضطراً إلى أن يقضي جزءاً من يومه في البحث عن منظفات أو أدوات أو احتياجات أساسية للمدرسة.
إن أردتم معلماً عظيماً، فأعطوه بيئة عظيمة.
وإن أردتم طالباً متميزاً، فضعوه في مدرسة محترمة.
وإن أردتم جيلاً يعرف قيمة الوطن، فأشعروا معلمه أولاً أن هذا الوطن يعرف قيمة من يبني أبناءه.
والله إن أكثر ما يؤلم في هذه الحكاية أن المعلم قد يفعل كل ذلك في صمت، لا بحثاً عن بطولة، ولا انتظاراً لصورة، ولا رغبة في التصفيق، وإنما لأنه لا يريد أن يدخل طلابه فصلاً غير نظيف، ولا يريد أن يبدأ يومه أمام أطفال أبرياء بمشهد من الفوضى والإهمال.
هؤلاء المعلمون يستحقون أن نقول لهم: شكراً.
لكن الشكر وحده لا يكفي.
يستحقون أن نقول لهم: نحن نرى ما تفعلون.
لكن الرؤية وحدها لا تكفي.
يستحقون أن نقول لهم: أنتم أصحاب رسالة.
لكن الرسالة تحتاج إلى دولة تحترم أصحابها.
كل التحية للرجال والنساء الشرفاء من أبناء مصر الذين ما زالوا يعملون في صمت، ويضحون من أجل طلابهم، ويحافظون على مدارسهم، ويضعون مصلحة أبنائنا فوق راحتهم.
أما الذين يجلسون في مكاتب المسؤولية، فنقول لهم بوضوح ومحبة وعتاب شديد: انزلوا إلى المدارس، وانظروا بأعينكم قبل أن تقرأوا التقارير.
اذهبوا إلى الفصول التي يدخلها أبناؤنا كل صباح.
اسألوا المعلم ماذا ينقصه.
اسألوا مدير المدرسة ماذا يحتاج.
اسألوا عن النظافة والمرافق والصيانة والأدوات.
اسألوا من يدفع عندما لا تتوافر الإمكانات.
واسألوا أنفسكم سؤالاً واحداً فقط:
هل هذه هي الصورة التي كنا نتمنى أن نراها لمربي الأجيال؟
إن كان الجواب: لا..
فلا تكتفوا بالحزن على الصورة.
غيّروا الواقع الذي صنعها.
فالمعلم لا يريد أن يكون بطلاً لأنه أمسك بالمقشة، ولا يريد أن نمدحه لأنه دفع من ماله الخاص، ولا يريد أن نلتقط له الصور وهو يسد عجزاً ليس مسؤوليته.
المعلم يريد فقط أن يؤدي رسالته.
فأعطوه حقه في أن يكون معلماً.
واحفظوا له كرامته.
ووفروا له إمكاناته.
واتركوا له أهم وأقدس مهمة: أن يربي ويعلم أبناء مصر.
فإذا كان المعلم قد انحنى اليوم ليمسح أرضية الفصل من أجل طلابه، فليس عيباً عليه أن ينحني..
العيب كل العيب أن يراه المسؤول، ثم لا يتحرك.