حسين السمنودي
إن إعتداء الحوثيون على بلاد الحرمين.. وحين تتحول الشعارات الرنانة إلى صواريخ تهدد أمن المنطقة
ساعتها لم تعد جماعة الحوثي مجرد طرف يمني يختلف مع خصومه داخل حدود بلاده، ولم تعد أفعالها شأناً داخلياً يمكن للعالم أن يتجاهله، بعدما امتدت عملياتها العسكرية إلى ما وراء الحدود، وأصبح أمن المملكة العربية السعودية والمنطقة بأكملها في مرمى صواريخ وطائرات مسيّرة وهجمات لا تميز بين هدف عسكري ومنشأة مدنية، ولا تضع في حساباتها قدسية المكان ولا حرمة الإنسان ولا استقرار الشعوب.
والمؤلم أن كل ذلك يجري تحت شعارات دينية وسياسية ضخمة، بينما الواقع يقول إن المواطن العربي هو أول من يدفع الثمن، وإن المنطقة العربية أصبحت مسرحاً لصراعات تتجاوز حدودها، تتداخل فيها الحسابات الإقليمية والمصالح الدولية، وتدفع الشعوب فاتورة لا علاقة لها بالأحلام التي ترفعها الجماعات المسلحة ولا بالشعارات التي تتصدر بياناتها.
بلاد الحرمين ليست ساحة مفتوحة للمغامرات السياسية، والمملكة العربية السعودية ليست دولة يمكن العبث بأمنها ثم انتظار أن يمر الأمر بلا حساب. فالسعودية تحتضن مكة المكرمة والمدينة المنورة، ويقصدها ملايين المسلمين من مختلف أنحاء العالم، وأي تهديد لأمنها لا يمثل اعتداءً على دولة فقط، وإنما يمثل تهديداً لأمن منطقة يرتبط استقرارها بأمن ملايين المسلمين.
لقد كشفت السنوات الماضية خطورة انتقال السلاح من أداة صراع داخلي إلى وسيلة لتهديد الدول المجاورة. فالهجمات التي شنتها جماعة الحوثي باتجاه الأراضي السعودية، باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، جعلت العالم أمام جماعة مسلحة تمتلك قدرة على الوصول إلى أهداف بعيدة عن ساحات القتال التقليدية، وهو أمر لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد خلاف سياسي عابر.
والأخطر من السلاح نفسه هو تحويل السلاح إلى وسيلة لفرض الإرادة السياسية. فالدولة الحديثة تُبنى بالمؤسسات والقانون والانتخابات والحوار، وليس بالصواريخ والطائرات المسيّرة. أما عندما تصبح الجماعة المسلحة هي التي تحدد قواعد اللعبة، وتفرض رؤيتها بقوة السلاح، فإن الأمر يتحول من خلاف سياسي إلى تهديد مباشر لفكرة الدولة نفسها.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً: من المستفيد الحقيقي من استمرار هذه الفوضى؟
إن الحديث عن الدعم الخارجي للحوثيين ليس جديداً، فقد وثقت تقارير دولية وأممية وأمريكية على مدار سنوات أشكالاً مختلفة من الدعم الإيراني للجماعة، ولا سيما في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة والخبرات العسكرية. ولذلك فإن قراءة المشهد الحوثي بمعزل عن الصراع الإقليمي الأوسع تعني تجاهل جانب أساسي من الحقيقة.
فاليمن الذي كان يمكن أن يكون جسراً للتعاون العربي، تحول إلى ساحة صراع مفتوحة، وأصبح الشعب اليمني نفسه من أكبر المتضررين. ملايين اليمنيين عاشوا سنوات طويلة تحت وطأة الحرب والفقر والنزوح وانهيار الخدمات، بينما استمرت الجماعات المسلحة في إنتاج خطاب الحرب وتوسيع ساحات الاشتباك.
والمفارقة المؤلمة أن من يرفعون شعارات الدفاع عن الشعوب هم أنفسهم الذين جعلوا الشعب اليمني يدفع ثمناً باهظاً للصراع. فالإنسان اليمني لا يحتاج إلى مزيد من الصواريخ، وإنما يحتاج إلى مدرسة مفتوحة، ومستشفى يعمل، وطريق آمن، وفرصة عمل، ودولة تستطيع أن تحمي مواطنيها وتفرض القانون على الجميع.
أما المملكة العربية السعودية، فقد أثبتت على مدار السنوات أنها لن تسمح بتحويل أراضيها إلى ساحة للفوضى أو الابتزاز. ومن حق أي دولة أن تدافع عن شعبها وأراضيها ومنشآتها الحيوية، خصوصاً عندما تتعرض لهجمات متكررة من جماعة مسلحة عابرة للحدود.
ولا يمكن أن يكون الدفاع عن الأمن السعودي محل مساومة، كما لا يمكن استخدام القضية الفلسطينية أو أي قضية عربية عادلة غطاءً لتبرير استهداف الدول العربية. فالقضايا العادلة لا تحتاج إلى صواريخ تضرب المدن، ولا تحتاج إلى جر المنطقة كلها إلى حروب جديدة.
إن القضية الفلسطينية قضية عربية وإسلامية وإنسانية عادلة، لكن تحويلها إلى مبرر دائم لفتح جبهات جديدة لا يخدم الفلسطينيين، ولا يحمي المقدسات، ولا يحرر أرضاً. بل قد يؤدي إلى مزيد من الانقسام العربي، ويمنح القوى المتصارعة ذريعة لإشعال المنطقة من جديد.
ولذلك فإن ما يحدث في محيط بلاد الحرمين يجب أن يُقرأ بعين مفتوحة؛ فالأمن العربي ليس مجموعة جزر منفصلة. ما يحدث في اليمن يؤثر في السعودية، وما يحدث في البحر الأحمر يؤثر في مصر والسعودية ودول الخليج، وما يحدث في الخليج ينعكس على حركة التجارة والطاقة والاستقرار الدولي.
ومن هنا تأتي خطورة الجماعات المسلحة التي تتصرف خارج إطار الدولة، لأنها لا تهدد دولة واحدة فقط، وإنما تهدد منظومة كاملة من المصالح والأمن والاستقرار.
وليس من المقبول أن تصبح الممرات البحرية الدولية رهينة لقرارات جماعة مسلحة، أو أن يصبح المدنيون في دول المنطقة يعيشون تحت تهديد الصواريخ والطائرات المسيّرة، أو أن تتحول المنطقة إلى صندوق بريد تتبادل من خلاله القوى الإقليمية رسائلها العسكرية.
إن الشعوب العربية أنهكتها الحروب، ولم تعد تحتمل مزيداً من المغامرات. اليمن يحتاج إلى السلام، والسعودية تحتاج إلى الأمن، ومصر تحتاج إلى استقرار البحر الأحمر، والخليج يحتاج إلى الهدوء، والمنطقة كلها تحتاج إلى عقلاء يطفئون النيران بدلاً من الذين يبحثون دائماً عن عود ثقاب جديد.
ولذلك فإن مواجهة المشروع القائم على السلاح والفوضى لا تكون بالانفعال وحده، وإنما بتثبيت مفهوم الدولة الوطنية، ودعم مؤسساتها، وتجفيف مصادر تمويل الجماعات المسلحة، ومنع تهريب الأسلحة، ومواجهة أي تدخل خارجي يحول الدول العربية إلى ساحات صراع بالوكالة.
أما الشعارات التي تتحدث عن الكرامة والاستقلال بينما تجعل قرار الدولة مرهوناً بالسلاح الخارجي، فهي شعارات فقدت معناها. الاستقلال الحقيقي هو أن يكون القرار الوطني نابعاً من إرادة الشعب، وأن تكون مؤسسات الدولة هي صاحبة القرار، لا جماعة مسلحة تمتلك ترسانة عسكرية وتفرض بها رؤيتها على الملايين.
وإذا كان الحوثيون يريدون أن يثبتوا أنهم جزء من مستقبل اليمن، فإن الطريق إلى ذلك ليس عبر تهديد السعودية، ولا عبر استهداف الملاحة، ولا عبر إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، وإنما عبر العودة إلى الدولة والحوار والسلام واحترام سيادة الدول.
أما بلاد الحرمين، فستظل أكبر من أن تُختزل في ساحة صراع، وأقدس من أن تصبح هدفاً للمغامرين، وأقوى من أن تُرهبها جماعة مهما امتلكت من سلاح.
ويبقى السؤال الأكبر أمام كل عربي: إلى متى تظل المنطقة تدفع ثمن صراعات الآخرين؟ وإلى متى تتحول الدول العربية إلى ساحات لتصفية الحسابات الإقليمية؟
لقد آن الأوان لأن يكون أمن العرب خطاً أحمر، وأن يفهم الجميع أن الخلاف السياسي يمكن حله على طاولة المفاوضات، أما عندما تدخل الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى المشهد، فإن الخلاف لم يعد خلافاً في وجهات النظر، وإنما أصبح تهديداً لحياة الأبرياء واستقرار الأوطان.
إن بلاد الحرمين تستحق السلام، واليمن يستحق السلام، والبحر الأحمر يستحق أن يبقى ممراً للحياة والتجارة لا طريقاً للحرب، والمنطقة العربية بأكملها تستحق أن تستيقظ ذات يوم فلا تسمع صفارات الإنذار، ولا أخبار الصواريخ، ولا بيانات الجماعات المسلحة.
فالحروب لا تصنع الأوطان، والصواريخ لا تبني مستقبلاً، والشعارات لا تطعم جائعاً، ومن يريد فعلاً نصرة الشعوب العربية فعليه أن يبدأ بحماية الإنسان العربي من الموت والفقر والتهجير، لا أن يدفعه مرة أخرى إلى أتون حرب جديدة.
وفي النهاية، ستبقى الحقيقة الأوضح أن أمن المنطقة لا يمكن أن يبنى على الفوضى، وأن الدولة لا يمكن أن تعيش بجوار سلاح منفلت، وأن أي مشروع يضع الجماعة فوق الدولة والسلاح فوق القانون سيظل مشروعاً لإطالة الأزمة، مهما ارتفعت الشعارات ومهما تعددت التبريرات.
لقد تعبت المنطقة من الحرائق، وحان الوقت لأن يتوقف الذين يشعلونها، وأن يعود القرار إلى الدول، والقانون إلى مكانه، والسلاح إلى مؤسسات الدولة، وأن يدرك الجميع أن مستقبل العرب لن تصنعه الصواريخ، وإنما تصنعه الشعوب عندما تجد الأمن والاستقرار والكرامة والسلام.
خفف التعميمات واللغة الاتهامية
قسّم المقال إلى محاور واضحة
قوِّ حضور الإنسان اليمني.