حسين السمنودي
هناك أسماء إذا نطقنا بها خشعت القلوب قبل أن تتحرك الألسنة، وهناك وجوه لم ترها أعيننا قط، ومع ذلك تشعر أرواحنا أنها تعرفها منذ الأزل، وهناك إنسان واحد إذا مر اسمه على مسامعنا تغير شيء في داخلنا، وارتجف القلب شوقًا، وانحنى اللسان بالصلاة والسلام عليه… إنه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وحين نحاول أن نكتب عن محمد صلى الله عليه وسلم، نشعر أن الحروف أصغر من أن تحمله، وأن اللغة مهما اتسعت تظل عاجزة عن احتواء جماله، وأن الكلمات مهما ازدانت تبقى فقيرة أمام سيرة رجل قال الله تعالى فيه: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾.
ولعل أجمل من فتح لنا نافذة على حياته الخاصة، وعرفنا من خلالها الحبيب في بيته وبين أهله، هي أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها، التي لم تكتفِ بأن تنقل لنا الأحداث الكبرى، بل حفظت لنا التفاصيل الصغيرة التي تجعلنا نقترب من شخصية النبي صلى الله عليه وسلم وكأننا نجلس في رحاب بيته الطاهر.
لقد رأته حين يكون وحده، ورأته حين يقوم الليل، ورأته حين يبتسم، ورأته حين يحزن، ورأته حين يأكل ويشرب، ورأته حين ينام ويستيقظ، وعرفت كيف كان يتعامل مع أهله، وكيف كان يصنع من البيت مكانًا للمودة والرحمة والسكينة.
ولهذا فإن عائشة رضي الله عنها لم ترسم لنا ملامح وجه النبي فقط، وإنما رسمت لنا روحه، وأخلاقه، وطريقته في الحياة، حتى أصبح من الممكن للإنسان أن يقرأ حديثًا واحدًا عنها، فيشعر أن المسافة بينه وبين المدينة المنورة قد اختفت للحظات.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جميل الوجه، مشرق الطلعة، حسن الخلق والخُلق، معتدل القامة، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير، وكان إذا أقبل على أصحابه أقبلت معه الهيبة، وإذا ابتسم أشرقت ملامحه، وإذا تكلم أنصتت القلوب قبل الآذان.
وقد وصفه أصحابه رضي الله عنهم بأوصاف كثيرة، فذكروا جمال وجهه، وسعة عينيه، وحسن شعره، واعتدال قامته، وطيب رائحته، حتى إن من عاشره لم يكن يحتاج إلى عطر كثير، فقد كان طيب الرائحة، طيب الحضور، طيب الذكر، طيب الأثر.
وكانت عيناه تحملان شيئًا لا تستطيع الكلمات وصفه، ففيهما قوة وهيبة ورحمة، وكان وجهه إذا فرح أشرق، وإذا تبسم ظهرت بشاشته، ولم يكن صلى الله عليه وسلم ممن يملأون المجالس بالعبوس، بل كان كثير التبسم، قريبًا من القلب، لطيف المعشر.
ولم يكن جماله صلى الله عليه وسلم جمال صورة فقط، وإنما كان جمالًا اجتمعت فيه المهابة والرحمة، والقوة والتواضع، والحزم والعفو، والكرم والزهد، حتى أصبح كل جانب من جوانب حياته درسًا من دروس الإنسانية التي لا تنتهي.
وكان إذا تحدث لا يكثر الكلام بلا حاجة، ولا يرفع صوته لمجرد أن يسمعه الناس، بل كان كلامه واضحًا، عذبًا، هادئًا، قوي المعنى، وكان يكرر الكلمة أحيانًا حتى تُفهم عنه، وكأن كل كلمة تخرج من فمه الشريف كانت تعرف طريقها إلى القلب.
وكان صلى الله عليه وسلم إذا استمع إلى إنسان لا يشعره بأنه أقل منه، وإذا تحدث معه لم ينظر إليه نظرة المتكبر، وإذا صافحه لم تكن مصافحته باردة، بل كان يمنح من أمامه إحساسًا بأنه موضع اهتمام ورحمة.
وكان في بيته أعظم مما يتخيل كثير من الناس، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك كان يساعد أهله، ويكون في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة، وكأن النبي الكريم يريد أن يعلم الرجال إلى قيام الساعة أن الرجولة ليست تسلطًا، وأن خدمة الأسرة ليست عيبًا.
وكان إذا دخل بيته لم يدخل معه الكِبر، بل يدخل التواضع، ولم يكن يرى نفسه فوق أهله، بل كان زوجًا رحيمًا، يلاطف، ويبتسم، ويستمع، ويراعي المشاعر، ويعرف أن البيوت لا تعمر بالصوت العالي، وإنما تعمر بالمودة والرحمة.
وكان يحب عائشة رضي الله عنها، ولم يخجل من إظهار الحب، وكان يراعي مشاعرها، ويلاطفها، ويشرب من موضع فمها من الإناء، لتبقى تلك التفاصيل الصغيرة شاهدًا خالدًا على أن الإسلام لم يجعل الحب الزوجي أمرًا مخجلًا، بل جعله سكنًا ورحمة.
وكان صلى الله عليه وسلم إذا أكل سمى الله، وأكل بيمينه، وحمد الله، ولم يكن يعيب طعامًا قط، فإن اشتهاه أكله، وإن لم يشتهه تركه، ولم يكن يجعل الطعام بابًا لإهانة أحد أو تحقير ما قدمته يداه.
وكان يأكل ما تيسر من الطعام، وقد مرت على بيته أيام لم يكن فيها ما يكفي من الطعام، ومع ذلك لم تتحول قلة الدنيا في بيته إلى ضيق في صدره، ولم يكن الفقر سببًا للشكوى، فقد كان قلبه أغنى بالله من كل ما في الأرض.
كان يأكل التمر، ويشرب الماء واللبن، ويأكل اللحم إذا تيسر، ويحب من الطيبات ما أحل الله له، لكنه لم يجعل الطعام محور حياته، ولم يكن يعيش ليأكل، بل كان يأكل ليقوى على العبادة، ويحمل أمانة الرسالة، ويخدم عباد الله.
وكان نومه مختلفًا، وقيامه مختلفًا، وحياته كلها متصلة بالله، يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فإذا سألته عائشة رضي الله عنها عن سبب هذا الاجتهاد، وهو الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا».
يا الله… أي قلب هذا الذي لا يرى الطاعة ثقلاً، وإنما يراها شكرًا؟ وأي روح هذه التي كلما ازدادت قربًا من الله ازدادت تواضعًا وخشوعًا؟ وأي إنسان هذا الذي بلغ من المنزلة ما لم يبلغه بشر، ثم ظل يقول عن نفسه: عبد الله ورسوله؟
وكان رحيمًا بالأطفال رحمة تجعل القلب يلين حين يسمع أخبارها، يحملهم ويقبلهم، ويمسح على رؤوسهم، ويلاطفهم، وإذا سمع بكاء طفل في الصلاة خفف فيها رحمة بأمه، لأنه كان يرى في بكاء الطفل قلبًا صغيرًا لا يحتمل القسوة.
وكانت رحمته بالحيوان درسًا آخر، فقد أخبر أن امرأة دخلت النار في هرة حبستها، وأن رجلًا غفر الله له لأنه سقى كلبًا عطشانًا، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يعلمنا أن الرحمة لا تتجزأ، وأن القلب القاسي لا يصبح رحيمًا بمجرد كثرة الكلام.
وكان قريبًا من الفقراء والمساكين، لا يرى نفسه أعلى منهم، يجلس معهم، ويزور مرضاهم، ويقضي حاجاتهم، ويمشي مع الضعيف حتى تنقضي حاجته، وكان يمكنه أن يعيش حياة الملوك، لكنه اختار أن يكون عبدًا متواضعًا يعيش مع الناس ويشعر بآلامهم.
وكان إذا جلس بين أصحابه جلس حيث ينتهي به المجلس، حتى إن الغريب كان يدخل فلا يعرف أيهم رسول الله، ولم يكن يحب المظاهر التي ترفع الإنسان فوق إخوانه، لأن أعظم ما في الإنسان عند الله ليس ثوبه ولا مجلسه ولا سلطانه، وإنما قلبه وتقواه.
وكان كريمًا كرمًا لا يشبه كرم أهل الدنيا، يعطي من لا يخاف معه الفقر، ويجود بما في يده، ويؤثر المحتاج على نفسه، حتى وصفه أصحابه بأنه كان أجود الناس، وكان جوده في الخير كأنه ريح تحمل معها العطاء إلى كل مكان.
وكان شجاعًا شجاعة لا تعرف التردد، فإذا اشتد الأمر كان الصحابة يجدونه أقرب الناس إلى الخطر، ولم تكن شجاعته صراخًا ولا استعراضًا، وإنما كانت ثباتًا في موضع يحتاج إلى الثبات، وإيمانًا لا تهزه المحن.
وكان إذا غضب لم يغضب لنفسه، وإذا انتهكت حرمات الله ظهر غضبه للحق، أما نفسه فلم تكن تعرف الانتقام، ولذلك كان قادرًا على العفو حين يكون العفو قوة، وقادرًا على الحزم حين يكون الحزم عدلًا.
وتأملوا يوم فتح مكة، يوم عاد إلى البلد الذي أخرجه منه أهله، ودخلها منتصرًا، وكان يستطيع أن يجعل ذلك اليوم يومًا للثأر، لكنه جعله يومًا للعفو، وكأن محمدًا صلى الله عليه وسلم يريد أن يقول للعالم كله إن المنتصر الحقيقي ليس من يقتل خصمه، وإنما من يستطيع أن يعفو وهو قادر على الانتقام.
وحين أُوذي في الطائف، وسالت الدماء من قدميه، لم يتحول الألم في قلبه إلى رغبة في الانتقام، بل ظل يحمل لهم بابًا إلى الله، وكأنه كان يرى وراء الحجارة بشرًا يمكن أن يهتدوا، لا مجرد أعداء يستحقون الهلاك.
وكان صلى الله عليه وسلم شديد الحب لأمته، يحمل همها في قلبه، ويدعو لها، ويخشى عليها، ويرجو لها النجاة، حتى إنك إذا قرأت سيرته شعرت أن الإنسان الذي لم يرك قط كان يحبك أكثر مما يحب الإنسان نفسه.
يا رسول الله…
نحن لم نرك، لكننا نحبك.
لم نجلس بين يديك، لكن قلوبنا تتمنى لو جلست.
لم نسمع صوتك، لكن أسماءك إذا مرت على آذاننا تحركت أرواحنا.
لم نر وجهك الشريف، لكننا حين نقرأ وصفه نشعر بشيء يشبه البكاء.
نحن الذين جئنا بعدك بقرون، ولم نشارك أصحابك لحظة من حياتك، ومع ذلك نشعر أننا مدينون لك بكل شيء؛ لأنك علمتنا التوحيد، وأخرجتنا من ظلمات الجهل، ودللتنا على طريق الله، وتركت لنا قرآنًا وسنة وسيرة تهدي القلوب.
يا رسول الله…
كم نتمنى لو كنا معك في المدينة.
كم نتمنى لو سمعنا صوتك وأنت تقرأ القرآن.
كم نتمنى لو رأينا ابتسامتك.
كم نتمنى لو صافحت أيدينا يدك.
كم نتمنى لو جلسنا في مجلسك لحظة واحدة، نسمع منك كلمة، ثم نحفظها في قلوبنا حتى نموت.
لكن الله لم يكتب لنا أن نراك في الدنيا، وكتب لنا أن نؤمن بك دون أن نراك، وجعل لنا في محبتك بابًا من أبواب الإيمان، وفي الصلاة عليك طمأنينة للقلوب، وفي اتباع سنتك طريقًا إلى رضوانه.
وهنا نفهم لماذا كانت عائشة رضي الله عنها كنزًا من كنوز السيرة، لأنها نقلت إلينا تفاصيل الرجل الذي كان وراء الرسالة، والزوج الذي كان داخل البيت، والعبد الذي كان يقوم الليل، والإنسان الذي كان يبتسم، والنبي الذي كان يحمل هم أمته.
لقد رسمت عائشة رضي الله عنها الحبيب بالكلمات، ولكنها لم تستطع الكلمات أن ترسمه كله، لأن محمدًا صلى الله عليه وسلم لم يكن وجهًا جميلًا فقط، ولا صوتًا عذبًا فقط، ولا أخلاقًا عظيمة فقط، وإنما كان مدرسة كاملة من الرحمة والعبودية والإنسانية.
وحين قالت عائشة رضي الله عنها عن خلقه: «كان خُلُقُه القرآن»، فقد اختصرت لنا أعظم لوحة يمكن أن تُرسم عن محمد صلى الله عليه وسلم.
كان القرآن يمشي على الأرض في صورة إنسان.
إذا أمر القرآن بالرحمة كان رحيمًا.
وإذا أمر بالعفو كان عفوًا.
وإذا أمر بالصدق كان صادقًا.
وإذا أمر بالإحسان كان محسنًا.
وإذا أمر بالصبر كان صابرًا.
وإذا أمر بالتواضع كان متواضعًا.
ولهذا فإن من أحب محمدًا حقًا لا يكتفي بأن يرفع صوته بالصلاة والسلام عليه، وإنما يحاول أن يجعل شيئًا من أخلاق محمد يعيش في بيته ولسانه ومعاملته وقلبه.
يا من تقول إنك تحب رسول الله…
اجعل في بيتك من رحمته.
واجعل في كلامك من صدقه.
واجعل في غضبك من حلمه.
واجعل في قوتك من عفوه.
واجعل في مالك من كرمه.
واجعل في قلبك من تواضعه.
واجعل في عبادتك شيئًا من خشوعه.
فأجمل صورة يمكن أن نقدمها عن محمد صلى الله عليه وسلم ليست صورة نرسمها بالقلم، وإنما أخلاق نعيشها بين الناس.
يا رب…
إننا لم نرَ نبيك الكريم بأعيننا، لكننا عرفناه بقلوبنا.
لم نسمع صوته بآذاننا، لكننا سمعنا سنته.
لم نمش خلفه في طرقات المدينة، لكننا نمشي خلف هديه.
فلا تحرمنا يوم القيامة من قربه.
اللهم اجمعنا بمحمد صلى الله عليه وسلم في دار لا فراق فيها.
اللهم اسقنا من يده الشريفة شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبدًا.
اللهم ارزقنا شفاعته، واحشرنا تحت لوائه، واجعلنا من أهل سنته ومحبيه.
اللهم إن عيوننا لم تكتحل برؤيته في الدنيا، فلا تحرمها من رؤيته في الآخرة.
اللهم إن أيدينا لم تصافح يده، فلا تحرم أرواحنا جواره.
اللهم إن أقدامنا لم تمش خلفه في شوارع المدينة، فارزقنا صحبته في جنات النعيم.
يا رسول الله…
سلام عليك يوم وُلدت.
وسلام عليك يوم بُعثت.
وسلام عليك يوم حملت رسالة ربك.
وسلام عليك يوم أُوذيت فصبرت.
وسلام عليك يوم انتصرت فعفوت.
وسلام عليك يوم دخلت مكة فاتحًا فلم تنتقم.
وسلام عليك يوم وقفت على المنبر وودعت أمتك.
وسلام عليك يوم رحلت عن الدنيا وقلبك متعلق بأمتك.
وسلام عليك يوم نلقاك عند الحوض، فنقول لك بقلوب مرتجفة من الحب:
يا رسول الله… لقد اشتقنا إليك.
لقد قرأنا سيرتك فبكينا.
وسمعنا اسمك فصلينا عليك.
وعشنا بعدك ولم نرك، لكنك عشت في قلوبنا.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، عدد ما تعاقب الليل والنهار، وعدد ما نطق لسان بالصلاة عليه، وعدد ما اشتاقت إليه قلوب المؤمنين.
اللهم صل وسلم على من كان رحمة للعالمين، وعلى من علّمنا أن أجمل القوة عفو، وأجمل الغنى قناعة، وأجمل العظمة تواضع، وأجمل الحياة أن يعيش القلب لله.
اللهم صل وسلم على الحبيب المصطفى، الذي لم تره أعيننا، لكن أحبه قلبنا، ولم تسمع أصواتنا صوته، لكن أرواحنا اشتاقت إلى صوته، ولم نجلس معه في الدنيا، لكننا نرجو أن يجمعنا الله به في الجنة.
صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله، يا من إذا ذُكر اسمك رقّت القلوب، وإذا ذُكرت سيرتك فاضت العيون، وإذا صُلّي عليك اطمأنت الأرواح.
اللهم اجعل حب محمد صلى الله عليه وسلم حيًا في قلوبنا، واجعل اتباعه نورًا في طريقنا، واجعل لقاءه أعظم أمانينا، واجعل الجنة دارنا ودار من نحب، واجمعنا فيها بالحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.