recent
أخبار ساخنة

نجيب محفوظ عبقري الروايه

نجيب محفوظ عبقري الروايه
بقلم /بسمه عبدالرحمن
في 30 أغسطس، تمر ذكرى رحيل نجيب محفوظ، لكنني أحيانًا أشعر أن بعض الناس لا يرحلون حقًا؛ لأنهم يتركون جزءًا منهم في الأماكن التي أحبوها، وفي الوجوه التي تأملوها، وفي الأسئلة التي تركوها معلقة في عقولنا.
وهكذا كان نجيب محفوظ.
لم يكتب مصر من بعيد، وإنما عاشها بكل تفاصيلها. مشى في شوارعها، وتأمل وجوه ناسها، وعرف حاراتها ومقاهيها وبيوتها، ثم أعاد إلينا كل ذلك في حكايات لا تموت.
كان يعرف أن مصر ليست مجرد مكان، وإنما بشر وذكريات وحكايات، ولذلك حين نقرأ نجيب محفوظ نشعر أحيانًا أننا لا نقرأ رواية، وإنما نفتح نافذة على زمن كامل من حياتنا.
ومن أكثر ما يلفتني في عالمه، أنه كان يرى الإنسان كائنًا متفردًا.
لا توجد شخصية تشبه الأخرى تمامًا، حتى لو كانا شقيقين أو شقيقتين، وعاشا في البيت نفسه وتربيا في الظروف نفسها. لكل إنسان طباعه، وأحلامه، ومخاوفه، وضعفه وقوته، وطريقته الخاصة في رؤية العالم.
وهذه واحدة من عبقرية محفوظ؛ أنه لم يتعامل مع الإنسان باعتباره شخصية على الورق، وإنما باعتباره عالمًا كاملًا يستحق أن نتأمله ونفهمه.
ولم تتوقف أسئلته عند الإنسان وعلاقاته، وإنما امتدت إلى السؤال الأكبر: لماذا نحن هنا؟ ولماذا جئنا إلى هذه الحياة؟ وإلى أين نمضي؟
وهي أسئلة وجودية شغلت الإنسان منذ القدم، وظهرت في أعمال محفوظ بأشكال مختلفة، من خلال صراعات الشخصيات وحيرتها، وبحثها عن المعنى والعدل والخير والشر والمصير.
ومن هنا، لا أرى من الإنصاف أن تُقرأ هذه الأسئلة دائمًا باعتبارها دليلًا على الشك، فالسؤال عن معنى الوجود قد يكون في حد ذاته بحثًا عن الحقيقة.
وأنا أرى أن نجيب محفوظ، في جانب من كتابته، كان يقود قارئه إلى التأمل في قيمة الإنسان ودوره في الحياة، وإلى معنى أن يكون لوجودنا أثر يتجاوز مجرد بقائنا.
وهنا أتوقف أمام قول الله تعالى:
«هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا».
فإذا كان الإنسان قد جاء ليعمر الأرض، فإن محفوظ قد عمر جزءًا منها بالكلمة.
لم يعمرها بالحجارة، وإنما بالحكايات.
رأى الإنسان المصري، وحفظ ملامح مدينته، وكتب عن أحلامه ومخاوفه وضعفه وقوته، وعن الخير والشر، والحب والفقد، والفقر والثراء، والسلطة والعدل، حتى أصبح ما كتبه جزءًا من ذاكرة مصر.
ولهذا ربما لا تكون عبقرية نجيب محفوظ في أنه كتب عددًا كبيرًا من الروايات فقط، وإنما في أنه استطاع أن يجعل الإنسان المصري يرى نفسه بين سطوره، وأن يجعل العالم يرى مصر من خلال عيون شخصياته.
رحل الجسد، وبقيت الحكايات.
بقيت القاهرة في كتبه، وبقي الإنسان المصري بتناقضاته وأحلامه، وبقيت الأسئلة التي تجعلنا نتوقف أمام أنفسنا ونسأل: من نحن؟ ولماذا نعيش؟ وماذا سنترك خلفنا؟
وهنا تكمن عظمة نجيب محفوظ.
أنه لم يكتب عن مصر فقط… بل كتب عن الإنسان.
كتب عن ذلك الكائن الذي يعيش عمره كله وهو يحاول أن يفهم نفسه والعالم من حوله، ويبحث عن معنى لحياته، وعن أثر يتركه بعد الرحيل.
وربما كان أجمل ما تركه لنا محفوظ أنه لم يترك إجابات جاهزة بقدر ما ترك لنا القدرة على السؤال.
وفي النهاية، يبقى الإنسان بما يتركه وراءه.
ونجيب محفوظ ترك وطنًا مكتوبًا بالكلمات، وترك شخصيات لا تُنسى، وحكايات تبقى حية، وأسئلة لا تنتهي.
رحل نجيب محفوظ منذ سنوات طويلة…
لكن بعض الناس لا تنتهي حياتهم حين يتوقف قلبهم.
بعضهم يبدأ عمره الحقيقي بعد الرحيل، حين تصبح كلماته جزءًا من ذاكرة الناس.
وهذا هو نجيب محفوظ…
عبقري الرواية الذي كتب مصر، فبقيت مصر مكتوبة فيه.

google-playkhamsatmostaqltradent