حسين السمنودي
ليست كل الحرائق نارًا تشتعل في الأشجار، فهناك حرائق أخرى
تشتعل داخل القلوب، ولا يراها أحد، ولا تستطيع الأمطار أن
تطفئها، لأنها نار الفقد ووجع الرحيل وذكريات من غابوا إلى
الأبد، وتركوا خلفهم بيوتًا صامتة وقلوبًا لا تعرف النسيان.
هكذا تبدو الجزائر اليوم وهي تواجه مشاهد موجعة من الحرائق،
مشاهد تختلط فيها ألسنة اللهب بصرخات الخوف، ويتحول فيها
الدخان إلى ستار أسود يحجب السماء، بينما تتحول مساحات من
الخضرة والحياة إلى رماد، وكأن الأرض نفسها تبكي على أهلها.
يا جزائر.. يا بلد المليون ونصف المليون شهيد، يا أرضًا عرفت
طريقها إلى الحرية عبر الألم والتضحيات، كيف يمكن لنا أن نراك
اليوم والنيران تلتهم أجزاء من أرضك، والقلق يطرق أبواب أهلك،
والأمهات يترقبن الأخبار والقلوب ترتجف من شدة الخوف؟
إن الكارثة لا تختصرها أرقام الضحايا مهما كانت قاسية، فالرقم
الذي يظهر على شاشة التلفاز يخفي وراءه إنسانًا له أم وأب،
وله إخوة وأصدقاء، وله أحلام لم تكتمل، وله كرسي سيبقى فارغًا
على مائدة الأسرة، وله صورة ستظل معلقة في بيت لا ينساه.
حين نقول إن هناك أرواحًا فقدت حياتها، فإننا لا نتحدث فقط
عن أرقام في حصيلة رسمية، وإنما نتحدث عن أمهات فقدن أبناءهن،
وعن آباء فقدوا سندهم، وعن أطفال فقدوا آباءهم، وعن أسر كاملة
استيقظت على كارثة لم تكن تعرف أنها ستغير حياتها إلى الأبد.
هناك أم ربما كانت تنتظر عودة ابنها إلى البيت، وربما كانت
تجهز له الطعام، أو تفكر في ملابسه، أو تخطط ليوم جديد معه،
ثم جاء الخبر الذي لا تستطيع أم أن تتحمله، وعرفت أن ابنها
لن يفتح باب البيت مرة أخرى، ولن يناديها كما كان يفعل دائمًا.
وهناك أب ربما خرج من منزله وهو يظن أنه سيعود بعد ساعات،
يحمل معه بعض الأغراض أو يبحث عن مكان أكثر أمنًا لعائلته،
لكنه لم يكن يعلم أن الطريق الذي يعرفه جيدًا سيكون طريقه
الأخير، وأن أسرته ستنتظره طويلًا قبل أن تعرف الحقيقة.
وما أقسى أن يرى الإنسان النار تقترب من بيته، فيحمل أبناءه
ويهرب بهم، لا يحمل معه إلا خوفه ودعاءه، ولا يعرف إن كان
سيجد منزله قائمًا عندما يعود، أم سيجد مكانًا كان يومًا
بيتًا، ثم أصبح مجرد جدران سوداء ورائحة دخان ورماد.
لكن وسط هذا المشهد الأسود، تظهر وجوه بيضاء لا تعرف الخوف،
إنهم رجال الحماية المدنية ورجال الإنقاذ وكل من وقف في وجه
النيران، بينما كان الجميع يبحث عن طريق للهرب، هؤلاء الذين
اختاروا الاقتراب من الموت حتى يمنحوا الآخرين فرصة للحياة.
هؤلاء لا يدخلون النار بحثًا عن شهرة أو تصفيق، وإنما يدخلون
لأن هناك إنسانًا محاصرًا خلف اللهب، وهناك طفلًا ينتظر يدًا
تمتد إليه، وهناك أسرة تستغيث، وهناك حياة يجب إنقاذها مهما
كان الثمن، ومهما كان الخطر، ومهما كانت النيران بلا رحمة.
وفي مثل هذه اللحظات يعرف العالم معنى الإنسان الحقيقي،
فالكارثة لا تفرق بين غني وفقير، ولا بين قوي وضعيف، ولا
تسأل عن اسم أو منصب أو مكانة، فحين تشتعل النار يصبح الجميع
بحاجة إلى بعضهم، وتصبح يد الإنسان هي طوق النجاة الوحيد.
يا أهل الجزائر.. نعلم أن الأرض ستتعافى يومًا من آثار النار،
وأن الأشجار التي احترقت يمكن أن تُزرع مكانها أشجار جديدة،
وأن البيوت التي دمرتها النيران يمكن إعادة بنائها من جديد،
لكن الإنسان الذي رحل لن تستطيع الدنيا كلها أن تعيده.
وهنا تكمن المأساة الحقيقية، فالأرض يمكن أن تعود خضراء،
والغابات يمكن أن تستعيد شيئًا من جمالها بعد سنوات، لكن
الأم التي فقدت ابنها ستظل تبحث عن صوته في ذاكرتها،
والأب الذي فقد ابنه سيظل يتمنى لو عاد به الزمن لحظة واحدة.
ستنتهي الحرائق، وسينحسر الدخان، وستشرق الشمس مرة أخرى،
وستعود الطيور إلى بعض الغابات، وسيبدأ الناس في إصلاح ما
تحطم، وستزرع الأشجار فوق الأرض المحترقة، لكن آثار الفقد
ستظل في قلوب أسر كثيرة لا تعرف كيف تتجاوز غياب أحبابها.
ولهذا فإن حماية الناس من الحرائق ليست مجرد مسؤولية مؤقتة،
وليست قضية تظهر فقط عندما تتصدر صور النيران نشرات الأخبار،
بل هي مسؤولية مستمرة تبدأ بحماية الغابات، وتطوير الإنذار
المبكر، ورفع كفاءة فرق الإنقاذ، والاستعداد قبل وقوع الكارثة.
فكل دقيقة في مثل هذه الكوارث يمكن أن تساوي حياة إنسان،
وكل إنذار مبكر قد يمنح أسرة فرصة للهروب، وكل سيارة إطفاء
قد تصل في الوقت المناسب يمكن أن تمنع مأساة، وكل شجرة
يمكن إنقاذها اليوم قد تصبح يومًا ظلًا وحياة لأجيال قادمة.
يا جزائر.. من مصر، لا نملك أمام هذا الألم إلا الدعاء،
ندعو الله أن يرحم من رحلوا، وأن يشفي المصابين، وأن يحفظ
أهلك من كل سوء، وأن يرد عن أرضك النار، وأن يعيد إلى
غاباتك خضرتها، وإلى سمائك صفاءها، وإلى بيوتك أمنها.
قلوبنا مع كل أم تبكي ابنًا لن يعود، ومع كل أب فقد جزءًا
من قلبه، ومع كل طفل عاش لحظات الخوف، ومع كل أسرة تركت
بيتها بحثًا عن النجاة، ومع كل رجل إنقاذ وقف في مواجهة
النار ليحمي حياة إنسان لا يعرفه وربما لن يعرف اسمه أبدًا.
قد تفصلنا الحدود، لكن الألم لا يعرف الحدود، ودمعة الأم
في الجزائر تشبه دمعة الأم في مصر، وخوف الطفل هناك هو
نفس الخوف هنا، وحزن الأب واحد، والإنسان حين يتألم لا
يحتاج إلى جواز سفر حتى يصل وجعه إلى قلوب الآخرين.
رحم الله ضحايا هذه الكارثة، وحفظ الجزائر وأهلها، وأعاد
إلى الأرض التي أكلتها النيران حياتها، وأعاد إلى القلوب
التي أرهقها الخوف شيئًا من الطمأنينة، وجعل بعد العسر
فرجًا، وبعد الرماد حياة، وبعد الدموع أيامًا أكثر أمانًا.
وستبقى الحقيقة الأكثر قسوة هي أن النار قد تنطفئ في الغابات،
وقد يختفي الدخان من السماء، وقد تعود الحياة إلى الأرض،
لكن هناك بيوتًا ستظل أبوابها مفتوحة في انتظار غائب،
وهناك أمهات سيظل دعاؤهن يحمل أسماء أحبائهم إلى آخر العمر.
ستنطفئ النار يومًا.. لكن نار الفقد في قلوب الأمهات
لن تنطفئ، وسيبقى الرماد على الأرض شاهدًا على المأساة،
وستبقى الجزائر قادرة على النهوض من بين الركام، لأن الشعوب
قد تنكسر أمام لحظة، لكنها لا تموت ما دام في قلوبها أمل.