recent
أخبار ساخنة

فضل شاكر… حين يغني الجرح بصوتٍ لا يشبه إلا صاحبه /شيفاتايمز

شيفاتايمز SHEFATAIMS








 فضل شاكر… حين يغني الجرحُ بصوتٍ لا يشبه إلا صاحبه


بقلم: الكاتبة رئيسة الهلالي


ليس حبي للفنان فضل شاكر مجرد إعجاب بصوتٍ عذب، ولا تعلقًا بأغانٍ ارتبطت بمرحلة زمنية جميلة من حياتي، وإنما هو شيء أعمق من ذلك بكثير؛ حالة إنسانية أشعر تجاهها بوجعٍ لا أستطيع تفسيره بالكلمات.









أتذكر فضل شاكر منذ أن كان عمري سبعة عشر عامًا، حين جاء من جنوب لبنان ليطرح أول ألبوماته في مصر عام 2000. ومنذ ذلك الوقت، ظل صوته حاضرًا في ذاكرتي، ليس فقط كصوتٍ غنائي مميز، وإنما كصوتٍ ارتبط عندي بذكريات وأشخاص وأيام لا يمكن للزمن أن يمحوها.


كانت أغنية «عاش من شافك» واحدة من أكثر الأغنيات التي التصقت بذاكرتي. جاءت في توقيت شديد الخصوصية بالنسبة لي؛ فقد تزامنت مع عودة أختي الكبرى من سفرٍ دام أكثر من شهرين، بعد خضوعها لعملية قلب مفتوح. ولم يمضِ وقت طويل حتى رحلت عن عالمنا، رحمها الله.


ومنذ ذلك الحين، لم تعد الأغنية مجرد أغنية.


أصبحت ذاكرة.


وأصبح صوت فضل شاكر يحمل في داخلي شيئًا من صوت أختي، وشيئًا من أيامٍ لن تعود، ووجعًا كلما مرّ على القلب ترك أثره من جديد.


لهذا، وبرغم حبي الشديد لصوته، أجدني أحيانًا أتجنب الاستماع إلى أغنياته، بل وأتجنب النظر طويلًا إلى عينيه؛ لأنني أشعر أن خلفهما مأساة طفلٍ لم يكبر بعد.


طفلٌ بقي هناك… في مكانٍ ما من الماضي.


لم تكن بدايات فضل شاكر ممهّدة بالورد، ولم تكن طفولته حكاية عادية. فالطفل الذي يُنتزع من دفء أسرته، لا بسبب وفاة أبٍ أو أم، وإنما بسبب جفاء الأقربين، ثم يجد نفسه داخل أسوار دار للأيتام، يحمل في داخله جرحًا أكبر من عمره.


كيف لطفلٍ اعتاد بيتًا يعرف زواياه، وجدرانه التي شهدت خطواته وضحكاته، وأرضيته التي حملت آثار قدميه، وأصوات أسرته وروائحها ودفئها؛ أن يستيقظ فجأة ليجد نفسه بين جدران باردة، محاطًا بوجوه لا يعرفها، بعيدًا عن الحضن الذي كان يمنحه الأمان؟


إنها ليست مجرد نقلة من مكان إلى مكان.


إنها اقتلاع للطفولة من جذورها.


ولعل أقسى ما في الحرمان أن الطفل لا يملك القدرة على فهم أسبابه، فيظل يسأل داخله: لماذا أنا؟ وماذا فعلت حتى أُترك؟


وفي وسط ذلك الألم، وجد فضل شاكر في الغناء مساحةً يتنفس فيها. كان صوته، ربما دون أن يدرك، صرخة احتجاج ناعمة على عالمٍ لم يمنحه ما يستحقه من أمان.


نشأ وسط أطفالٍ يحملون همومًا تشبه همومه، وتعلم أن يحوّل بعض أوجاعه إلى نغمات، وأن يمنح الآخرين مشاعر ربما كان هو نفسه أكثر الناس احتياجًا إليها.


ثم جاء النجاح.


وصار الصوت الذي خرج من رحم الحرمان دواءً لقلوب الملايين.


وحين عرفه الناس نجمًا، ربما لم يعرفوا الطفل الذي يقف خلف ذلك الصوت.


لكن الحياة لا تسير دائمًا كما نتمنى.


جاءت أحداث بيروت العاصفة، ثم جاء الفقد الأليم برحيل ابن أخيه، الذي كان بالنسبة إليه بمثابة الابن والروح. وفي لحظات الانكسار الإنساني، عندما تتراكم الجراح فوق بعضها، يصبح الإنسان أكثر هشاشة أمام من يتقن استغلال ضعفه.


وهنا دخلت حياته إلى فصل شديد الظلمة.


استُغلت جراحه وانكساراته، وانجرف إلى مسارٍ قاد حياته إلى صدامات وأزمات انتهت به إلى الاختفاء سنوات طويلة في مخيم عين الحلوة، بعيدًا عن الأضواء التي اعتادها، وعن الجمهور الذي أحب صوته.


لا يمكن لأحد أن يبرر الخطأ، ولا أن يلغي مسؤولية الإنسان عن اختياراته.


لكن هناك فرقًا بين أن نحاسب الإنسان على خطئه، وبين أن نختصر حياته كلها في خطأ واحد.


فالإنسان ليس موقفًا واحدًا.


والقصة الإنسانية لا تُقرأ من آخر صفحة فقط.


وربما لهذا أجد نفسي أمام مقولة: «فاقد الشيء لا يعطيه»، وأشعر أنها ليست دائمًا صحيحة.


فأحيانًا يكون فاقد الشيء هو أكثر الناس قدرةً على منحه.


من حُرم الحنان يعرف قيمته.


ومن ذاق الوحدة يعرف معنى أن يجد إنسانًا بجواره.


ومن افتقد الأمان قد يصبح أكثر حرصًا على أن يمنحه لأبنائه.


وهذا ما يجعل بعض مشاهد فضل شاكر مع أبنائه شديدة التأثير بالنسبة لي؛ لأنني أرى فيها محاولة إنسان لتعويض سنواتٍ لم يحصل فيها على ما يحتاجه الطفل من حضن واحتواء وأمان.


وربما كانت أكثر الصور إيلامًا تلك التي يظهر فيها مستلقيًا على قدمي ابنه، وكأن الزمن قرر للحظة أن يعكس الأدوار؛ فيصبح الابن أبًا حنونًا، ويعود الأب طفلًا يبحث عن حضنٍ فقده منذ سنوات.


تلك اللحظة لا أراها مجرد صورة.


أراها حكاية طفلٍ صغير ما زال يسكن داخله.


طفلٍ كبر جسده، واشتهر صوته، وتغيرت ملامحه، لكنه ربما ظل في أعماقه يبحث عن شيء بسيط جدًا:


أن يشعر بأنه محبوب.


ولذلك، حين أسمع فضل شاكر، لا أسمع المطرب وحده.


أسمع الطفل.


أسمع الرجل.


أسمع الألم.


وأسمع الإنسان الذي أخطأ وأصاب، وانكسر وحاول أن يقف من جديد.


قد يختلف الناس حول الفنان، وحول مواقفه وخياراته وما مر به، وهذا حقهم.


لكنني أؤمن أن الاختلاف لا يجب أن يقتل إنسانيتنا، وأن خلف كل وجهٍ قصة لا نعرف تفاصيلها كاملة.


وفي النهاية، ربما لا تكون أصعب المعارك هي تلك التي يخوضها الإنسان أمام العالم، وإنما تلك التي يخوضها في داخله؛ بين طفلٍ يريد أن يُحتضن، ورجلٍ اضطرته الحياة إلى أن يبدو قويًا.


فضل شاكر بالنسبة لي ليس مجرد صوتٍ أحببته منذ عام 2000…


إنه صوتٌ ارتبط بذكرى أختٍ رحلت، وبمرحلة عمرية لا تعود، وبحكاية إنسان رأيت في عينيه شيئًا يشبه وجع الأطفال الذين كبروا قبل أوانهم.


ولهذا، كلما سمعت صوته، لا أستطيع أن أمنع قلبي من السؤال:


كم من طفلٍ بداخلنا كبر معنا… لكنه لم يتعافَ قط؟


ربما لهذا السبب تحديدًا، بعض الأصوات لا تمر من الأذن إلى القلب فقط…


بل تأتي من جرحٍ إلى جرح.

google-playkhamsatmostaqltradent