بقلم النائبه/ نيفين فارس
كل دولة تحتاج إلى اقتصاد قوي، وكل حكومة من حقها أن تبحث عن حلول لأزماتها المالية، لكن الخطر يبدأ عندما يتحول الإنسان من غاية للسياسات إلى وسيلة لتمويلها.
لسنوات طويلة، تعلم المصريون أن يتحملوا. تحملوا ارتفاع الأسعار، وتراجع القوة الشرائية، وتآكل الدخول، على أمل أن يكون الغد أفضل من الأمس. لم يكن الصبر نابعا من وفرة، بل من إيمان بأن الأزمات مؤقتة، وأن الإصلاح يحتاج إلى وقت.
لكن الزمن يطرح سؤالًا لا يمكن تأجيله: إلى متى يظل المواطن هو الحلقة التي تستوعب كل صدمة؟
هناك فرق بين أن تطلب الدولة من شعبها المشاركة في تحمل مسؤولية الوطن، وبين أن يشعر هذا الشعب أن دوره الوحيد هو دفع ثمن كل أزمة، بينما يظل نصيبه من ثمار الإصلاح مؤجل إلى أجل غير معلوم.
الأوطان لا تنهار حين تقل مواردها، بل حين يفقد الناس إحساسهم بالعدالة. فالإنسان يستطيع أن يتحمل المشقة إذا شعر بأنها موزعة بالإنصاف، لكنه يفقد القدرة على الاحتمال عندما يرى أن التضحيات أصبحت قاعدة، بينما تتحول المكاسب إلى وعود مؤجلة.
الاقتصاد ليس معادلات جامدة، بل هو علم لإدارة حياة البشر. وإذا نجحت السياسات في تحسين المؤشرات، لكنها أضعفت قدرة الناس على الحياة الكريمة، فإن السؤال لا يكون عن نجاح الأرقام، بل عن نجاح الفلسفة التي تقف خلفها.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس ارتفاع الأسعار، وإنما اعتيادها. أن يصبح الغلاء خبر عادي، وأن يتحول التنازل عن الاحتياجات الأساسية إلى أسلوب حياة، وأن يقتنع الإنسان بأن مطالبه في العيش الكريم أصبحت رفاهية لا يحق له التفكير فيها.
الدولة القوية ليست التي تجمع أكبر قدر من الإيرادات، وإنما التي تحافظ على التوازن بين احتياجات الخزانة وحقوق المواطن. فالخزانة يمكن تعويضها بخطط اقتصادية، أما الثقة إذا تآكلت، فإن استعادتها تحتاج إلى سنوات.
ومن هنا، فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من الموازنة العامة، بل يبدأ من سؤال بسيط: كيف سيشعر المواطن بعد هذا القرار؟ فإذا كانت الإجابة أنه سيزداد خوفا على مستقبله، أو قلقا على أسرته، أو عجز عن تلبية احتياجاته الأساسية، فلابد من مراجعة القرار أو البحث عن بدائل أكثر عدالة.
لأن الدولة في النهاية ليست مباني، ولا مؤسسات، ولا تقارير مالية. الدولة هي الإنسان. وإذا أصبح الإنسان آخر ما نفكر فيه، فلن تنجح أي خطة مهما بدت أرقامها جميلة.
سيظل الاقتصاد أداة، وستظل الموازنات وسيلة، أما الإنسان فهو الهدف. وعندما تنقلب هذه المعادلة، ندفع جميعًا الثمن، ليس من جيوبنا فقط، بل من رصيد الثقة الذي لا يبنى إلا بالعدل، ولا يبقى إلا بالإنصاف.