بقلم/ أسماء مالك
منذ أيام، وبينما كنت أتصفح موقع «فيسبوك»، استوقفني منشور متداول على أحد الجروبات، ليس لأنه قدم معلومة جديدة، وإنما لأن صاحبه بنى رواية كاملة على واقعة لم تُعلن كل تفاصيلها بعد، ثم انتقل من التساؤل إلى إصدار أحكام قاطعة، وكأن التحقيقات انتهت والحقائق باتت مكتملة.
المنشور استخدم عبارات من قبيل «الفانكوش» و«الغيبوبة»، وذهب إلى الربط المباشر بين واقعة سقوط أو استهداف مسيّرة في محافظة دمياط وبين «الأوكتاجون»، ثم اعتبر الواقعة دليلًا على فشل منظومة الدفاع المصرية بأكملها.
وهنا تحديدًا، لا بد من وقفة.
من حق أي مواطن أن يسأل. ومن حق االجميع أن ينتقد. ويناقش أداء مؤسسات الدولة، لكن النقد شيء، وتحويل الاستنتاجات الشخصية إلى حقائق ثابتة شيء آخر تمامًا.
والسؤال الذي يجب أن نطرحه هنا: هل كلنا نملك كل المعلومات التي تسمح لنا بإصدار حكم نهائي؟
بحسب ما هو معلن، فإن التحقيقات والإجراءات المعنية بكشف مصدر المسيّرة وملابسات الواقعة لا تزال جارية. وبالتالي، فإن أي حديث عن المسؤولية أو تفاصيل الاختراق أو طبيعة الإجراءات التي اتخذتها الجهات المختصة يجب أن يظل في إطار المعلومات المؤكدة، لا التكهنات التي تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي.
كما أن التعامل مع التهديدات الجوية لا يمكن اختزاله في معادلة بسيطة من نوع: «رادار رأى هدفًا، إذن يجب أن يسقط فورًا».
منظومات الدفاع الجوي تعمل ضمن شبكة معقدة من أجهزة الاستشعار والرصد والتقييم و من ثم اتخاذ القرار، وتتأثر طبيعة الاستجابة بعوامل عديدة، من بينها نوع الهدف ومساره وحجمه وسرعته ودرجة التهديد التي يمثلها. أما تفاصيل عمل المنظومات العسكرية وإجراءاتها التشغيلية، فنحن لا نعلمها لأن بطبيعتها هي معلومات غير متاحة للنشر العام، ولا يصح أن نتوقع من الدولة أن تكشف كل ما يتعلق بقدراتها الدفاعية لمجرد الرد على منشور متداول.
الأخطر من ذلك هو القفز من حادثة واحدة إلى استنتاجات شاملة عن كفاءة مؤسسة عسكرية بأكملها.
ولا يحق لأي مواطن ربط أي واقعة أمنية مباشرة بـ«الأوكتاجون» من دون معلومات موثقة تثبت هذا الارتباط، ثم استخدامها للحكم على منظومة الدفاع المصرية بالكامل،
ليس صفتنا الحكم أو الإستنتاج
حتى إن كانت هناك شواهد حول مصدر المسيّرة أو الجهة المسؤولة عنها، فهناك مؤسسات مختصة تملك أدوات التحقيق والوصول إلى المعلومات، وهي وحدها القادرة على إعلان ما يمكن إعلانه في التوقيت المناسب.
هنا يجب أن نفرق بين أمرين: حق المواطن في المعرفة، وحق الدولة في إدارة المعلومات المرتبطة بالأمن القومي وفقًا لما تقتضيه طبيعة الموقف.
أنا لا طالب المواطن بعدم النقد ولا أستطيع أن أقول إن مؤسسات الدولة فوق النقد.
لكن النقد لابد أن أن يكون بناء يستتند إلى معلومات، و أدلة، والحكم على أداء منظومة أمنية يحتاج إلى معرفة تفاصيل غائبة عن المواطن العادي
أما تحويل واقعة لم تُكشف كل ملابساتها إلى مادة للسخرية من الجيش المصري، أو اتخاذها ذريعة للتشكيك في قدرات الدولة، فهو موقف "طائش"، يفتح الباب أمام الشائعات والاستنتاجات التي لا أساس لها من الصحة.
الدفاع عن الدولة لا يعني تبرير أي خطأ، كما أن انتقاد الدولة لا يعني بالضرورة معاداتها. المسألة ببساطة هي احترام الحقيقة.
مصر دولة كبيرة، ومؤسساتها الأمنية والعسكرية ليست مطالبة بأن تشرح كل خطوة تتخذها في مواجهة أي تهديد، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بملفات تمس الأمن القومي. وهناك فارق كبير بين غياب المعلومات عن المواطن وبين غياب العمل داخل مؤسسات الدولة.
قد لا نعرف كل شيء الآن، وهذا أمر طبيعي في أي واقعة ذات أبعاد أمنية. لكن عدم معرفتنا بالتفاصيل لا يعني أن نملأ الفراغ بروايات من صنعنا.
وأؤكد أن قوة مصر لا تُقاس بمنشور على مواقع التواصل، ولا تُختزل في حادثة واحدة، ولا تُحسم بتعليق ساخر أو «تريند» عابر.
قوة الدول تُقاس بمؤسساتها، وبقدرتها على حماية حدودها، وبخبرتها في التعامل مع التحديات، وبما تثبته الوقائع لا بما تقوله الحسابات المجهولة.
والأهم أن الدولة المصرية، مثل أي دولة، تُحاسب على أفعالها وقراراتها وفق المعلومات والحقائق، لا وفق الانطباعات.
لذلك، فإن الموقف الأكثر عقلانية الآن هو انتظار نتائج التحقيقات، ومعرفة مصدر المسيّرة وملابسات الواقعة، ثم مناقشة ما حدث على أساس معلومات واضحة.
أما إصدار الأحكام قبل اكتمال الصورة، وتحويل حادث أمني إلى مناسبة لتصفية الحسابات السياسية أو السخرية من مؤسسات الدولة، فهذا ليس نقدًا .
انتقدوا كما تشاؤون، واسألوا كما تريدون، لكن لا تحوّلوا الشك إلى يقين "ولا تكذبوا الكذبة وتصدقوها".
ففي قضايا الأمن القومي، أحيانًا يكون صمت المواطن جزءًا من المسؤولية عليه تجاه بلده، وانتظار الحقيقة أكثر حكمة من استعجال الحكم.