بقلم: نوال محمد
لم تعد التغيرات التي يشهدها المجتمع تقتصر على أسلوب الحياة أو التطور التكنولوجي فحسب، بل امتدت لتطال منظومة القيم والأخلاق، حتى أصبح كثيرون يصفون واقعنا بـ"زمن العجايب". زمن تتغير فيه المفاهيم بسرعة، وتختلط فيه الأولويات، ويصبح التمسك بالمبادئ لدى البعض أمرًا غريبًا، رغم أنه كان يومًا أساس التربية والحياة.
لا شك أن التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي أحدثت ثورة هائلة في عالم الاتصال، فقرّبت المسافات، وسهّلت تبادل المعرفة، وفتحت أبوابًا واسعة للتعلم والعمل والتواصل. لكنها في المقابل فرضت واقعًا جديدًا يحتاج إلى وعي وحكمة في التعامل معه.
ففي خضم هذا الانفتاح، بدأت العلاقات الإنسانية تفقد شيئًا من دفئها. أصبحت الرسائل الإلكترونية تحل محل اللقاءات، والإعجابات والتعليقات تُغني عند البعض عن السؤال الحقيقي والاهتمام الصادق، بينما تحولت المظاهر إلى معيار يحكم على الأشخاص، وأصبحت الصورة أحيانًا أهم من الحقيقة.
كما أسهمت بعض المنصات في صناعة واقع افتراضي يختلف كثيرًا عن الواقع الحقيقي، فأصبح البعض يقدّم حياة مثالية لا تعكس ما يعيشه، مما ولّد المقارنات السلبية، وأضعف الرضا، وزرع الشك بين الناس. والأسوأ من ذلك استغلال هذه الوسائل في ممارسات مرفوضة كالتشهير، والابتزاز الإلكتروني، ونشر الشائعات، وانتهاك الخصوصية، وهي سلوكيات تهدد استقرار الأفراد والمجتمع.
ورغم هذه السلبيات، فإن تحميل التكنولوجيا وحدها مسؤولية ما يحدث ليس من الإنصاف، فهي في النهاية وسيلة، والخطأ أو الصواب يرتبط بطريقة استخدامها. فكما يمكن أن تكون بابًا للعلم، والخير، وصلة الرحم، قد تتحول أيضًا إلى أداة للهدم إذا غاب الضمير والوازع الأخلاقي.
إن القضية الحقيقية ليست في الهواتف الذكية أو التطبيقات الحديثة، وإنما في تربية الإنسان، وفي القيم التي يحملها وهو يستخدم هذه الوسائل. فالأخلاق لا تتغير بتغير الزمن، والصدق، والأمانة، والاحترام، والرحمة ستظل مبادئ ثابتة لا يمكن الاستغناء عنها مهما تطورت الحياة.
وقد أرشدنا القرآن الكريم إلى أهمية التمسك بالأخلاق، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: 90].
وقال سبحانه: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]، في توجيه رباني يؤكد أن حسن الخلق أساس التعامل بين البشر.
كما قال النبي ﷺ: «إنما بُعثتُ لأتمم صالح الأخلاق»، ليؤكد أن بناء الإنسان يبدأ من أخلاقه قبل أي شيء آخر.
إننا اليوم أحوج ما نكون إلى تحقيق التوازن؛ نستفيد من التكنولوجيا دون أن نفقد إنسانيتنا، ونواكب العصر دون أن نتخلى عن هويتنا، ونستخدم وسائل التواصل لبناء الجسور لا لهدمها، ولنشر الكلمة الطيبة لا لإيذاء الآخرين.
فالأمم لا تُقاس بما تمتلكه من أجهزة وتقنيات، وإنما تُقاس بما تحمله من قيم، وما تغرسه في أبنائها من أخلاق. وإذا أردنا مستقبلًا أكثر استقرارًا، فعلينا أن نعيد الاعتبار للتربية، وأن نجعل من بيوتنا ومدارسنا وإعلامنا منارات تُرسّخ الفضيلة، لأن الأخلاق إذا ضاعت، ضاع معها كل شيء.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن نتوقف أمامه: هل نحن من يقود التكنولوجيا، أم أننا سمحنا لها بأن تقود حياتنا وتعيد تشكيل قيمنا دون أن نشعر؟