recent
أخبار ساخنة

جزى الله الشدائد كل خير/شيفاتايمز

بقلم / نورا عواجه

ما أكثر العبارات التي نرددها، وما أقل ما ندرك معناها حتى نعيشها..
فمن أكثر العبارات صدقا : 
"جزى الله الشدائد كل خير."
لم أكن أعلم أن الشدة ليست مجرد إبتلاء ، بل مرآة صادقة ، لا تُظهر لك وجهك فقط ، بل تكشف لك وجوه الناس أيضًا..في أوقات الرخاء يلتف الجميع حولك ، وتختلط الأصوات، ويصعب أن تميز الصادق من المجامل، لكن ما إن تضيق بك الدنيا، حتى يسقط الزحام، ويبقى فقط من جاء بقلبه لا بمصلحته، ومن حضر بدعائه قبل حضوره، ومن حمل عنك بعض وجعك ولو بكلمة..
في الشدائد لا يحتاج الإنسان إلى الكثير... ولا ينتظر المستحيل، ولا يطلب من الناس أن يحملوا عنه أعباءه ، كل ما يحتاجه أن يشعر أنه ليس وحده..
 كلمة صادقة، سؤال دافئ، رسالة قصيرة، دعوة بظهر الغيب... أشياء تبدو صغيرة، لكنها عند المنكسرين تساوي حياة كاملة.
والعجيب أن الشدة لا تمنحك الأحزان فقط ، بل تمنحك البصيرة أيضًا.. تعرف فيها من يحبك حبًا حقيقيًا، ومن كانت علاقته بك مجرد وجود عابر.. ترى أشخاصًا لم يكن بينك وبينهم إلا القليل، فإذا بهم أقرب الناس إليك وقت الحاجة، وترى آخرين كنت تظن أنهم سندك، فإذا بهم أول الغائبين..ليس لأنهم  سيئين ، 
 ، فلكل إنسان معاركه التي لا يراها أحد ، ولكل قلب وجعه الخفي . لكن الشدة تعلمنا ألا نبالغ في التوقعات، وألا نربط قيمة أنفسنا بحضور أحد أو غيابه، بل نجعل يقيننا بالله أكبر من انتظارنا للناس..لقد أدركت أن بعض الغياب رسالة، وبعض الحضور نعمة، وأن الله إذا أغلق بابًا من البشر، فتح أبوابًا من رحمته، وسخّر لك قلوبًا لم تكن تتوقعها، لتوقن أن السند الحقيقي هو الله، وأن من يرسله الله إليك في وقت إنكسارك هو رزق لا يُشترى..
فمن أعماق قلبي... شكرًا لكل من وقف بجانبي في محنتي، ولكل من حمل همّي في دعائه، ولكل من جبر خاطري بكلمة أو موقف أو ابتسامة... أسأل الله أن يجبر خواطركم كما جبرتم خاطري، وألا يريكم وجعًا فيمن تحبون..وشكرًا أيضًا لمن غاب... فغيابه لم يزدني قسوة، بل زادني وعيًا. علّمني أن أضع كل إنسان في مكانه الحقيقي داخل قلبي، بلا خصومة، وبلا لوم، وبلا ضجيج. فمن عرف قدره عند الناس، استراح من كثير من الخيبات..
حقًا (جزى الله الشدائد كل خير) فهي لا تهدم الإنسان كما نظن، بل تعيد بناءه من الداخل. تُهذب روحه، وتُنقي قلبه، وتكشف له حقيقة من حوله
، وتجعله أكثر رحمة بمن يتألم، وأكثر حرصًا على ألا يمر يوم دون أن يجبر بخاطر أى إنسان.
فربما كانت كلمة منك، أو سؤال صادق، أو دعوة خفية، سببًا في أن ينهض قلب أوشك على الإنكسار... وما أعظم أجراً ممن أحيا قلبًا كان يظن أنه وحيد...
وفي النهاية... لم تعد الشدائد في نظري مجرد أيامٍ ثقيلة ننتظر انقضاءها، بل أصبحت رسائل رحمةٍ وإن جاءت في ثوب الألم. فهي التي تُسقط الأقنعة، وتُظهر معادن القلوب، وتُعيد ترتيب الناس في أماكنهم الحقيقية داخل أرواحنا، وتُعلّمنا أن السند الذي لا يخذل أبدًا هو الله..
google-playkhamsatmostaqltradent