recent
أخبار ساخنة

ببغاوات الصهاينة... وأبواق الكيان..ويحيا وطني /شيفاتايمز

ببغاوات الصهاينة... وأبواق الكيان..ويحيا وطني 

حسين السمنودي

ليست أخطر الحروب تلك التي تُخاض بالدبابات والطائرات، بل الحروب التي تُخاض بالكلمات، وتُدار عبر الشاشات، وتُنفذ بألسنة من أبناء الوطن قبل أعدائه. فحين يتحول بعض الناس إلى مروّجين لرواية العدو، ومدافعين عن جرائمه، ومهاجمين لأبناء وطنهم وأمتهم، فإنهم يمنحون خصومهم ما عجزت عنه كثير من الأسلحة.

إن التاريخ يعلمنا أن كل قوة معادية كانت تبحث دائمًا عن أبواق تردد خطابها، وتبرر مواقفها، وتشكك في أوطانها، وتزرع اليأس والانقسام بين أبناء الشعب. فهؤلاء لا يحتاجون إلى حمل السلاح حتى يكونوا مؤثرين؛ فالكلمة المضللة قد تُحدث من الفتنة ما لا تُحدثه القذيفة.

ومن المؤسف أن ترى من يسارع إلى تصديق كل ما يصدر عن إعلام العدو، بينما يقابل كل ما يصدر عن وطنه بالتشكيك والسخرية والاتهام. يبرر للعدوان، ويهوّن من الجرائم، ويقلب الحقائق، حتى يصبح المعتدي في نظره ضحية، والضحية متهمًا.

إن النقد الوطني الصادق حق مشروع، بل ضرورة لأي مجتمع حي، لكنه يختلف تمامًا عن التشفي في الوطن، أو الاصطفاف مع رواية الأعداء، أو تحويل منصات التواصل إلى منابر لترويج دعايتهم. فالوطن يُصلح من داخله، ولا يُهدم خدمةً لمن يتربص به.

لقد أثبتت الأحداث أن الحروب الحديثة لم تعد تعتمد على القوة العسكرية وحدها، وإنما على الحرب النفسية والإعلامية، ونشر الشائعات، وبث الفرقة، وكسر الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته. ومن يشارك في ذلك، عن قصد أو عن جهل، يصبح جزءًا من هذه الحرب، حتى وإن ظن أنه يمارس حرية الرأي.

إن الانتماء الحقيقي يظهر في أوقات الأزمات، حين يختلف الناس في الرأي لكنهم يجتمعون على حماية وطنهم، والدفاع عن أمنه، ورفض كل خطاب يحرض على الكراهية أو يخدم مصالح أعدائه. فليس كل من رفع صوته صار مصلحًا، وليس كل من انتقد كان ناصحًا، وإنما تُعرف صدق المواقف من الغاية التي تقف وراءها.

وحين يطوي التاريخ صفحاته، لن يسأل الناس كم كان الإنسان مشهورًا، ولا كم جمع من مال، ولا كم حصد من إعجابات أو تصفيق، وإنما سيسأل: أين كان موقفه عندما احتاجه وطنه؟ هل كان ممن شدوا أزر بلادهم في أوقات الشدة، أم ممن زادوا الجراح اتساعًا؟ وهل كانت كلماته تبني جسور الثقة بين أبناء الوطن، أم كانت تهدمها وتمنح الخصوم ما كانوا يتمنون سماعه؟

إن الأوطان لا تُباع في الأسواق، ولا تُقاس بثمن، لأنها ليست قطعة من الأرض فحسب، بل هي تاريخ الآباء، ودماء الشهداء، وعرق العمال، ودعوات الأمهات، وأحلام الأطفال الذين ينتظرون مستقبلًا أكثر أمنًا واستقرارًا. ومن يفرط في وطنه، أو يجعل نفسه صدىً لدعاية خصومه، فإنه لا يسيء إلى جيل واحد، بل يترك أثرًا يمتد إلى أجيال لم تولد بعد، لأن الكلمة قد تهدم ما تعجز المعاول عن هدمه، وقد تفتح أبوابًا للفتنة يصعب إغلاقها.

وما أقسى أن يتحول بعض الناس إلى أدوات في معركة لا يدركون أبعادها، يرددون ما يُقال لهم، ويصدقون كل ما يُراد لهم أن يصدقوه، حتى يصبحوا جزءًا من حرب تستهدف العقول قبل الحدود، والقلوب قبل المدن. فيظنون أنهم انتصروا لرأي أو موقف، بينما هم – من حيث يشعرون أو لا يشعرون – يضيفون حجرًا جديدًا إلى جدار الفرقة، ويمنحون أعداء أوطانهم هدية مجانية لم يكونوا يحلمون بها.

لقد علمتنا التجارب أن الأوطان تستطيع أن تتجاوز الحصار، وأن تعيد بناء ما تهدم، وأن تنهض بعد الكبوات، لكنها تدفع أثمانًا باهظة عندما تتسرب الخلافات إلى وجدان أبنائها، وحين تتحول الكلمة إلى سهم يصيب صدر الوطن بدلًا من أن يكون درعًا يحميه. وما أكثر الذين ندموا بعدما أدركوا أن ما ظنوه بطولة لم يكن إلا خدمة مجانية لمن يتربص ببلادهم، ولكن الندم لا يعيد وطنًا إن ضاع، ولا يمحو أثر كلمة أشعلت فتنة، ولا يداوي جرحًا تركته خيانة الموقف.

سيبقى الوطن أكبر من الجميع، وسيبقى التاريخ شاهدًا لا يجامل أحدًا. وسيذكر بإجلال كل من حمل هم وطنه بإخلاص، وصان وحدته، ودافع عنه بالكلمة الصادقة والموقف الشريف، كما سيذكر أن أخطر ما يواجه الأوطان ليس دائمًا ما يأتيها من خلف الحدود، بل ما يأتيها حين تضعف البصيرة، ويغيب الوعي، وتُستبدل المصلحة العامة بالمصالح الضيقة.

فطوبى لمن جعل ضميره حارسًا على لسانه وقلمه، وأبى أن يكون جسرًا يعبر عليه أعداء وطنه، أو أداة تُستخدم في تمزيق وحدته. فالأوطان أمانة في أعناق أبنائها، وستظل راياتها مرفوعة ما دام فيها رجال ونساء يؤمنون بأن الدفاع عنها مسؤولية، وأن الاختلاف لا يجوز أن يتحول إلى خصومة مع الوطن، ولا أن يكون بابًا ينفذ منه من يتمنى له الضعف والانقسام. وعندها فقط يدرك الجميع أن حب الوطن ليس كلمة تُقال، بل عهدٌ يُوفى، وموقفٌ يُثبت، وأمانةٌ يحملها الشرفاء جيلاً بعد جيل، حتى تبقى الأوطان شامخة، عزيزة، عصية على كل من أراد بها سوءًا.
google-playkhamsatmostaqltradent