recent
أخبار ساخنة

هل أصبح الفقر متهمًا ؟ قبل أن نحاكم رامي فلنحاكم الظروف



بقلم: أسماء مالك
هناك مشاهد تهز الضمير أكثر مما تهز الرأي العام.

ليس لأنها تكشف جريمة، وإنما لأنها تكشف هشاشة الإنسان حين تضيق به الحياة.

قصة رامي النجار، بائع الخردة، ليست مجرد مقطع فيديو انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، وليست أيضًا دعوة لتبرئة رجل أو إدانته. فالقانون وحده صاحب الكلمة، والنيابة والقضاء هما الجهتان اللتان تملكان الفصل في الوقائع بعد استكمال التحقيقات.

لكن خلف القضية سؤال أكبر من القضية نفسها..

متى أصبح الفقر تهمة؟

كيف يصل إنسان كان يعمل نجارًا، يشهد له كثيرون بإتقان حرفته، إلى أن يقضي يومه باحثًا بين الخردة عن بضعة جنيهات يعيل بها أسرته؟

قد تختلف الروايات حول ما حدث، وقد تثبت التحقيقات صحة اتهام أو تنفيه، لكن هناك حقيقة لا تحتاج إلى تحقيق.

أن آلاف الحرفيين والعمال في مصر يعيشون اليوم تحت ضغوط اقتصادية قاسية، وأن كثيرين منهم انتقلوا من مهن كانوا يعتزون بها إلى أعمال لم يتخيلوا يومًا أنهم سيضطرون إليها، فقط لأن الحياة لم تترك لهم خيارًا آخر.

المؤلم في قصة رامي ليس فقط ما جرى معه، بل سرعة إصدار الأحكام.

ففي ساعات قليلة، انقسم الناس إلى فريقين.

فريق أعلن براءته الكاملة دون انتظار نتيجة التحقيق.

وفريق آخر أدانه وكأنه صدر بحقه حكم نهائي.

وفي الحالتين غابت العدالة.

لسنا قضاة.

ولا شهودًا على كل تفاصيل الواقعة.

ولا نملك إلا ما ظهر في مقطع مصور، بينما الحقيقة الكاملة لا تزال في يد جهات التحقيق.

لكننا نملك شيئًا آخر..

أن نتذكر أن الإنسان لا يُختزل في لقطة مصورة.

ولا في عنوان مثير.

ولا في منشور متداول.

وراء كل متهم أسرة تنتظر.

وأم لا تنام.

وأطفال قد لا يفهمون لماذا غاب والدهم.

ظهور والدة رامي، وهي تتحدث عن ابنها، لم يكن حكمًا بالبراءة، لكنه كان تذكيرًا بأن خلف كل قضية إنسانًا له حكاية.

أم تحدثت عن ابن كان يعمل نجارًا، ثم تراجع عمله، فبحث عن مصدر رزق آخر، حتى انتهى به الحال إلى جمع الخردة.

هذه روايتها، ولها كامل الحق في أن تُسمع، كما أن للجهات المختصة كامل الحق في أن تحقق وتفحص الأدلة وتصل إلى الحقيقة.

فالعدالة لا تكتمل بسماع طرف واحد.

وإذا كان المال العام خطًا أحمر يجب حمايته، فإن كرامة الإنسان أيضًا أمرًا لا يمكن تجاوزه.

الدولة التي تحمي ممتلكاتها هي نفسها الدولة التي تكفل لكل متهم حق الدفاع عن نفسه، وافتراض البراءة حتى تثبت الإدانة.

وهذه أهم مبادئ العدالة.

ما يقلقني حقًا ليس مصير رامي وحده، بل مصير مجتمع أصبح أحيانًا يحاكم الناس عبر شاشة هاتف، ويصدر أحكامه قبل أن تنتهي التحقيقات.

تحولت منصات التواصل، في كثير من الأحيان، من مساحة للنقاش إلى محاكم شعبية، لا تعرف ملف القضية، ولا تسمع الدفاع، ولا تنتظر كلمة القضاء.

ولعل السؤال الذي يجب أن يشغلنا جميعًا ليس: هل رامي مذنب أم بريء؟

بل:

كم "رامي" آخر يعيش اليوم على هامش الحياة، يحاول أن يحافظ على كرامته في مواجهة الفقر، قبل أن يجد نفسه في مواجهة الاتهام؟

إن مواجهة الفقر لا تكون بتجريم الفقراء.

ومحاربة الجريمة لا تكون بإلغاء قرينة البراءة.

واحترام القانون لا يتعارض مع التعاطف مع الإنسان.

فالقانون يحاسب على الفعل إذا ثبت وقوعه.

أما المجتمع، فيُقاس بقدرته على ألا يفقد إنسانيته وهو ينتظر كلمة العدالة.

قد تثبت التحقيقات مسؤولية رامي، وقد تثبت العكس.

لكن ما يجب ألا نسمح به هو أن يتحول الفقر إلى دليل إدانة، أو أن تصبح الحاجة سببًا لانتزاع كرامة إنسان قبل أن يقول القضاء كلمته.

فالعدالة الحقيقية لا تبدأ داخل قاعة المحكمة فقط..

بل تبدأ حين ننظر إلى الإنسان بعين القانون وبروح القانون.

google-playkhamsatmostaqltradent