بقلم: أسماء مالك
أصبحت السوشيال ميديا الآن ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبحت فضاءً يعيد تشكيل وعينا، ويصنع أبطالًا في الصباح، ويهدم آخرين قبل غروب الشمس.
نعم .. فبضغطة زر واحدة، قد يرتفع إنسان إلى قمة التعاطف، أو يُلقى في قاع الإدانة، بينما الحقيقة نفسها قد تكون لا تزال تبحث عن طريقها.
بالأمس رأينا قصة رامي النجار فهي ليست مجرد حكاية شاب جمع الخردة بعدما ضاقت به السبل، وليست مجرد رواية أم تبكي ابنها، بل هي مرآة تكشف كيف تغيّرت علاقتنا بالحقيقة، وكيف أصبح الإنسان في العصر الرقمي يعيش بين محكمتين؛ محكمة القانون التي تبحث عن الأدلة، ومحكمة السوشيال ميديا التي تكتفي بالمشهد الأول.
الفيلسوف اليوناني سقراط كان يقول: "إن الحكمة تبدأ عندما ندرك أننا لا نعرف كل شيء." أما اليوم، فقد أصبح كثيرون يظنون أن مقطعًا لا يتجاوز ثلاثين ثانية يمنحهم يقينًا كاملًا بالحقيقة. وهنا تبدأ الأزمة.
الكاميرا لا تكذب، لكنها لا تقول الحقيقة كاملة أيضًا.
إنها تلتقط زاوية، لا المشهد كله. توثق لحظة، لا حياة بأكملها. قد تصور رجلاً يحمل كيس خردة، لكنها لا تخبرنا أنه كان قبل سنوات نجارًا ماهرًا. وقد ترصد دموع أم، لكنها لا تستطيع أن تنقل سنوات التعب التي سبقت تلك الدموع.
إن أخطر ما فعلته السوشيال ميديا ليس أنها منحت الجميع منصة للكلام، فهذا حق مشروع، وإنما أنها منحت الجميع شعورًا بأنهم يملكون الحقيقة المطلقة.
صرنا نحاكم الأشخاص قبل أن نعرف ظروفهم، ونبني الأحكام على الانطباع قبل الدليل، ونختزل الإنسان في لقطة، بينما الإنسان أكبر بكثير من أي صورة، وأعمق من أي منشور.
وفي المقابل، لا يمكن إنكار الوجه الآخر للسوشيال ميديا؛ فهي التي أعادت الاعتبار لكثير من المظلومين، وكشفت وقائع ما كان لها أن تصل إلى الرأي العام لولا هاتف محمول في يد مواطن. لقد أصبحت قوة رقابية ومجتمعية لا يمكن تجاهلها، لكنها تظل قوة تحتاج إلى ضابط أخلاقي، لأن القوة بلا مسؤولية قد تتحول إلى ظلم من نوع آخر.
قصة رامي، إذا صحت الروايات المتداولة، تطرح سؤالًا لا يتعلق بشخص واحد، بل بمجتمع كامل: هل نقيس قيمة الإنسان بما يعمل، أم بما يحمله من أخلاق؟
كم من طبيب فقد عيادته، وكم من مهندس اضطر لبيع الطعام، وكم من معلم قاد سيارة أجرة ليطعم أبناءه؟ هل تغيرت قيمتهم الإنسانية لأن الظروف غيرت مهنتهم؟
الحياة لا تُقاس بالمهنة، بل بالطريقة التي يواجه بها الإنسان انكساراته.
رامي – وفق ما ترويه أسرته – لم يختر الطريق الأسهل، بل اختار أن يبحث عن رزقه فيما يراه عملًا شريفًا، مهما كان شاقًا أو متواضعًا. وهذه الفكرة وحدها تستحق التأمل؛ فكرامة الإنسان لا تنبع من نوع العمل، وإنما من نزاهة اليد التي تؤديه.
لكننا نعيش زمنًا أصبح فيه الحكم أسرع من الفهم، والتعليق أسرع من التفكير، والانتشار أسرع من الحقيقة.
وربما لهذا السبب تبدو الحاجة اليوم إلى فضيلة قديمة أكثر من أي وقت مضى: التريث.
أن نسأل قبل أن نتهم.
أن نستمع قبل أن نحكم.
أن نتذكر أن لكل إنسان قصة لا تظهر في الفيديو، وظروفًا لا تكشفها الصورة، وآلامًا لا تنقلها التعليقات.
ليست المشكلة أن نختلف، بل أن نعتقد أن ما رأيناه هو كل ما حدث.
وليست المشكلة أن نتعاطف، بل أن نجعل عاطفتنا بديلًا عن الحقيقة.
إن المجتمعات لا تُقاس بسرعة إصدار الأحكام، بل بقدرتها على تحقيق العدالة. والعدالة تبدأ من الاعتراف بأن الحقيقة لا تُولد كاملة في أول منشور، ولا تنتهي عند أكثر التغريدات انتشارًا.
قد يصبح رامي بريئًا أو تثبت عليه مسؤولية قانونية، فهذا أمر تحسمه الجهات المختصة، لا صفحات التواصل. لكن المؤكد أن قصته أعادت إلينا سؤالًا أكبر من شخصه: هل ما زلنا نرى الإنسان، أم أصبحنا نرى فقط ما تعرضه الشاشة؟
ربما كانت هذه هي المفارقة الأكثر إيلامًا في عصرنا؛ فكلما ازدادت جودة الكاميرات، أصبحنا في حاجة أكبر إلى أن نبصر بقلوبنا وعقولنا، لا بأعيننا وحدها.