كتبت: أسماء مالك
تعد الإنجازات الطبية التي تشهدها مستشفيات الهيئة العامة للرعاية الصحية بمحافظة أسوان أحداثًا عابرة ولا يمكن التعامل معها بوصفها نجاحات عابرة، بل باتت تشكل سلسلة مترابطة تعكس تحولًا نوعيًا في بنية الخدمات الصحية داخل جنوب الصعيد. فبعد الإعلان عن نجاح إجراء أول ثلاث عمليات زراعة قرنية داخل مستشفيات الهيئة العامة للرعاية الصحية بجنوب الصعيد، جاء الإعلان عن إنقاذ رضيع لم يتجاوز عمره 45 يومًا عبر جراحة دقيقة بالمخ في مستشفى النيل التخصصي بمدينة إدفو، ليؤكد أن التطور لم يعد يقتصر على تحديث المباني أو توفير الأجهزة، وإنما امتد إلى القدرة على إجراء تدخلات طبية بالغة التعقيد داخل المحافظة نفسها.
هذه الوقائع تطرح سؤالًا مهمًا: هل بدأت أسوان بالفعل في التحول من محافظة تُحال منها الحالات الحرجة إلى العاصمة، إلى مركز إقليمي قادر على تقديم خدمات علاجية متخصصة لسكان جنوب مصر؟
لسنوات طويلة، ارتبطت الجراحات الدقيقة، سواء في طب العيون أو جراحة المخ والأعصاب، بالمستشفيات الجامعية والمراكز المتخصصة في القاهرة والإسكندرية. وكان المرضى في محافظات الجنوب يواجهون رحلة علاج شاقة، تبدأ بإجراءات التحويل، ثم السفر، وما يصاحبه من تكاليف وإجهاد نفسي للأسرة، فضلًا عن احتمالات تأخر التدخل الطبي في الحالات الحرجة.
لكن نجاح مستشفى الرمد التخصصي في إجراء ثلاث عمليات زراعة قرنية للمرة الأولى داخل مستشفيات الهيئة العامة للرعاية الصحية بجنوب الصعيد، ثم نجاح مستشفى النيل التخصصي في إدفو في إجراء جراحة عاجلة لطفل رضيع يعاني نزيفًا حادًا بالمخ، يكشف عن تغير تدريجي في فلسفة تقديم الخدمة الصحية، يقوم على توطين التخصصات الدقيقة بدلاً من نقل المرضى إليها.
وفي حالة الرضيع، فإن عنصر الزمن كان الفيصل بين الحياة والموت. فالطفل وصل إلى المستشفى في حالة حرجة إثر إصابة بالرأس أدت إلى نزيف أسفل الأم الجافية وتدهور شديد في الوعي، استدعى وضعه على جهاز التنفس الصناعي. ووفقًا للبيان الرسمي، نجح الفريق الطبي في التشخيص الفوري وإجراء جراحة دقيقة شملت تفريغ النزيف، ورفع عظام الجمجمة لتخفيف الضغط على المخ، وترقيع الأم الجافية، حتى استقرت حالته وبدأ مرحلة التعافي.
هذا النجاح لا يعكس مهارة جراحية فحسب، بل يكشف عن تكامل منظومة كاملة تبدأ من الاستقبال والطوارئ، مرورًا بالتشخيص والأشعة والتخدير والعناية المركزة، وصولًا إلى المتابعة بعد الجراحة. فالعمليات الدقيقة لا تعتمد على الطبيب وحده، وإنما على جاهزية المؤسسة الصحية بأكملها.
وفي المقابل، حمل نجاح عمليات زراعة القرنية رسالة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن العدالة الصحية لا تتحقق فقط بإتاحة العلاج، بل بإزالة العوائق الاقتصادية والجغرافية أمام المرضى. فقد أوضحت الهيئة العامة للرعاية الصحية أن المريض لم يتحمل سوى قيمة المساهمة المقررة داخل منظومة التأمين الصحي الشامل، بينما تتحمل المنظومة التكلفة الفعلية الباهظة لهذا النوع من الجراحات، بما يعكس الدور الاجتماعي الذي تؤديه المنظومة في تخفيف الأعباء عن المواطنين.
وعند النظر إلى الحدثين معًا، تتضح ملامح استراتيجية صحية أوسع، تقوم على توسيع نطاق الخدمات فائقة التخصص داخل محافظات الصعيد، بحيث لا يكون الحصول على العلاج المتقدم مرهونًا بالإقامة في المدن الكبرى. وهذا التوجه يتسق مع أهداف مشروع التأمين الصحي الشامل، الذي يستهدف بناء منظومة علاجية تعتمد على الجودة، وسرعة الاستجابة، واستدامة الخدمة.
كما تكشف هذه النجاحات عن أهمية الاستثمار في العنصر البشري. فالأجهزة الحديثة وحدها لا تصنع إنجازًا طبيًا، وإنما تصنعه الكفاءات القادرة على توظيفها. لذلك، فإن وجود فرق طبية متعددة التخصصات، تضم جراحي المخ والأعصاب، وأطباء التخدير، والعناية المركزة، والتمريض، يعكس أن بناء القدرات البشرية أصبح جزءًا أساسيًا من عملية تطوير القطاع الصحي.
وتكتسب هذه الإنجازات أهمية إضافية إذا ما وُضعت في سياق موقع محافظة أسوان الجغرافي، باعتبارها بوابة جنوب مصر، وما تفرضه المسافات الطويلة من تحديات أمام المرضى. فكل خدمة متخصصة تُقدم داخل المحافظة تعني تقليل الحاجة إلى السفر، وتسريع فرص العلاج، ورفع جودة الحياة للمرضى وأسرهم.
ومع ذلك، فإن الحفاظ على هذا المسار يتطلب استمرار دعم الكوادر الطبية، وتوفير برامج تدريب متخصصة، وتحديث المعدات، وتوسيع نطاق الخدمات الدقيقة لتشمل تخصصات أخرى، حتى تتحول النجاحات الفردية إلى نموذج مؤسسي مستدام.
إن عمليتي زراعة القرنية وإنقاذ الرضيع بجراحة دقيقة في المخ ليستا مجرد خبرين طبيين، بل مؤشران على تحول أعمق في بنية الرعاية الصحية بجنوب الصعيد. وإذا استمرت هذه الوتيرة، فإن أسوان لن تكون مجرد محافظة تطبق منظومة التأمين الصحي الشامل، بل نموذجًا عمليًا لقدرة الدولة على إعادة توزيع الخدمات الطبية المتقدمة، وترسيخ مفهوم العدالة الصحية، بحيث يصبح العلاج المتخصص متاحًا للمواطن في محافظته، لا امتيازًا يرتبط بالموقع الجغرافي أو القدرة المالية.