بقلم: أسماء مالك
هناك خطوط لا تقبل المساومة، وعلى رأسها الحدود والسيادة الوطنية. وحين تتخذ أي دولة محترمة إجراءً لحماية أراضيها أو ثرواتها الطبيعية، فإنها لا تمارس عدوانًا ضد أحد، بل تؤدي واجبًا تفرضه عليها مسؤولياتها تجاه شعبها وأمنها القومي.
خلال الساعات الماضية، تصاعدت على بعض منصات التواصل الاجتماعي موجة من الانتقادات والاتهامات ضد مصر على خلفية ما أُثير بشأن التعامل مع أنشطة غير مشروعة من جانب "الدهابة" في المناطق الحدودية الجنوبية. والمثير للدهشة أن بعض الأصوات سارعت إلى توجيه الاتهامات قبل التحقق من الوقائع، وكأن المطلوب من الدولة المصرية أن تقف متفرجة على أي تجاوز يمس حدودها أو مواردها.
الدفاع عن الحدود ليس خيارًا سياسيًا يمكن الأخذ به أو تركه، بل هو جوهر وظيفة الدولة نفسها. فلا توجد دولة في العالم تسمح بعبور غير قانوني أو أنشطة استخراج غير مرخصة داخل نطاقها الجغرافي، ثم تُلام إذا تحركت لحماية حقها السيادي.
وإذا كان من حق الآخرين أن يغضبوا لأبناء وطنهم، فمن حق المصريين أيضًا أن يطمئنوا إلى أن جيشهم وأجهزتهم المعنية يقومون بواجبهم في حماية الأرض والثروات الوطنية. فالدول لا تحافظ على استقرارها بالنوايا الحسنة وحدها، وإنما بقدرتها على فرض القانون وحماية حدودها.
لكن ما يدعو للتأمل حقًا هو أن كثيرًا من الأصوات المرتفعة اليوم لم نسمعها بالقدر نفسه أمام الكارثة الإنسانية التي يعيشها السودان منذ اندلاع الحرب. ملايين المشردين والنازحين، ومدن دُمرت، وأسر تمزقت، وانتهاكات هزت ضمير العالم، بينما انصرف البعض إلى تحميل مصر مسؤولية أزمات لم تصنعها ولم تكن طرفًا فيها.
لقد كانت مصر منذ بداية الأزمة السودانية من أوائل الدول التي وقفت بجانب الشعب السوداني الشقيق، فتحت أبوابها للفارين من ويلات الحرب، وتحملت أعباء إنسانية واقتصادية كبيرة انطلاقًا من روابط التاريخ والجوار والمصير المشترك. ولذلك فإن تحويلها إلى شماعة تُعلق عليها أخطاء الآخرين لا يخدم الحقيقة ولا يساعد على معالجة جذور الأزمة.
العلاقة بين مصر والسودان أكبر من الحملات الإلكترونية والانفعالات المؤقتة. فهي علاقة شعبين تجمعهما الجغرافيا والتاريخ والنيل والمصالح المشتركة. غير أن هذه العلاقة لا تعني أبدًا التنازل عن حق أي دولة في حماية أراضيها أو التغاضي عن أي نشاط يهدد أمنها أو يستنزف مواردها.
إن احترام السيادة المصرية ليس موقفًا عدائيًا تجاه السوادان، بل قاعدة أساسية لاستقرار العلاقات بين الدولتين. وعندما تدافع مصر عن حدودها، فإنها تمارس حقًا تكفله كل القوانين والأعراف الدولية، تمامًا كما تفعل أي دولة تحترم نفسها وتحترم مسؤولياتها تجاه شعبها.
ولهذا يبقى المعيار بسيطًا وواضحًا: الأخوة بين الشعوب قيمة راسخة، أما السيادة المصرية واجب وطني لا يُعتذر عنه.