حسين السمنودي
في زمنٍ تتزاحم فيه الأصوات، وتعلو فيه الضوضاء حتى تكاد تطغى على كل ما هو جميل وهادئ، يخرج إلينا بعض المبدعين كنسمة صفاء، يعيدون ترتيب الفوضى داخلنا، ويذكروننا بأن الفن الحقيقي لا يحتاج إلى صخب ليُثبت وجوده. ومن بين هؤلاء، يبرز عازف البيانو كريم جوهر، كحالة فنية متفردة، لا يمكن اختزالها في مجرد عازف، بل يجب النظر إليها كقصة إحساس مكتملة الأركان.
منذ اللحظة الأولى التي تلامس فيها أنامله مفاتيح البيانو، تدرك أنك أمام تجربة مختلفة، تجربة لا تُقاس بسرعة العزف ولا بعدد النوتات، بل تُقاس بمدى قدرتها على التسلل إلى أعماقك دون استئذان. فالموسيقى عند كريم جوهر ليست مجرد ترتيب صوتي محسوب، بل هي ترجمة صادقة لما يدور في النفس من مشاعر قد نعجز نحن عن التعبير عنها.
هناك من يعزفون ليُبهروا العيون، وهناك من يعزفون ليملأوا المساحات، لكن كريم يعزف ليُداوي، ليُعيد التوازن، ليمنح المستمع لحظة صدق نادرة في عالم يمتلئ بالتصنع. حين تستمع إليه، تشعر وكأن كل نغمة تحمل رسالة، وكل انتقال بين المقامات يحمل معنى، وكأنك أمام حوار داخلي عميق، لا بينك وبين الموسيقى فقط، بل بينك وبين نفسك.
ولعل ما يميز هذه التجربة أكثر، هو ذلك الصدق الذي يخرج من بين أنامله دون تكلف. فلا استعراض مبالغ فيه، ولا محاولة لافتعال التأثير، بل انسيابية طبيعية تشبه تدفق النهر، هادئة في ظاهرها، لكنها عميقة في جوهرها. وهذا النوع من الفن لا يُصنع بسهولة، ولا يأتي من فراغ، بل هو نتاج روح تُجيد الإنصات قبل أن تُجيد العزف.
إن كريم جوهر يمثل نموذجًا للفنان الذي لم تفسده السرعة، ولم تُغره السهولة، ولم يسعَ لأن يكون نسخة مكررة من أحد، بل اختار أن يسير في طريقه الخاص، طريق قد يبدو أصعب، لكنه أكثر صدقًا وأبقى أثرًا. فالإبداع الحقيقي لا يُقاس بمدى الانتشار اللحظي، بل بمدى عمق الأثر الذي يتركه في النفوس.
وفي كل مرة يعزف فيها، لا يقدم مجرد مقطوعة، بل يقدم حالة، يفتح نافذة، ويترك للمستمع حرية التأويل، وكأن كل شخص يسمع لحنًا مختلفًا رغم أن النغمة واحدة. وهذه هي عبقرية الفن حين يتحول من مجرد أداء إلى تجربة إنسانية مشتركة.
ورغم كل هذا الجمال، يبقى السؤال المؤلم حاضرًا: لماذا لا تصل مثل هذه المواهب إلى المساحة التي تستحقها؟ لماذا تظل بعض الكنوز الفنية بعيدة عن الضوء، في حين تملأ الساحة أعمال أقل قيمة وأثرًا؟ إنها معادلة تحتاج إلى إعادة نظر، لأن الفن ليس ترفًا، بل هو أحد أهم أدوات تشكيل الوعي وبناء الذوق العام.
إن دعم الموهبة الحقيقية ليس مجاملة، بل هو واجب وطني وثقافي، لأن الفنان الحقيقي هو مرآة مجتمعه، وصوت روحه، وحين نهمل هذا الصوت، فإننا نفقد جزءًا من هويتنا دون أن نشعر.
وفي هذا السياق، لا يمكن أن نمر مرور الكرام على قيمة فنية بحجم كريم جوهر دون أن نُطالب بما يليق به. فالأمر لم يعد مجرد إعجاب فردي أو تقدير محدود، بل أصبح ضرورة ملحة أن تتحرك الجهات المسئولة بالدولة لاحتضان مثل هذه النماذج المضيئة. إننا في حاجة إلى برنامج فني خاص، يُسلط الضوء على إبداعه، ويُقدمه بصورة تليق بمستواه، برنامج يُبث عبر القنوات الرسمية والمنصات الرقمية، ويُترجم إلى لغات متعددة، حتى تتجاوز رسالته حدود الجغرافيا، وتصل إلى كل من يبحث عن الجمال الحقيقي في أي مكان بالعالم.
نحن لا نطلب المستحيل، بل نطالب بوضع الأمور في نصابها الصحيح. فالفن الراقي هو أحد أهم أدوات القوة الناعمة، ومصر التي أنجبت عمالقة الإبداع قادرة على أن تُعيد تصدير الجمال إلى العالم من جديد، إذا أحسنت استثمار طاقاتها. وكريم جوهر واحد من هؤلاء الذين يمكن أن يكونوا واجهة مشرفة لهذا الفن، إذا وجدوا من يؤمن بهم ويدعمهم.
إن تخصيص مساحة إعلامية حقيقية له، مع إنتاج محتوى احترافي يُظهر قدراته، وترجمة أعماله لتصل إلى الجمهور العالمي، لن يكون مجرد دعم لفنان، بل هو استثمار في صورة وطن، وفي رسالة ثقافية تمتد عبر الحدود. فالموسيقى لغة عالمية، لا تحتاج إلى ترجمة في جوهرها، لكنها تحتاج إلى منصة تُحسن تقديمها، وتُوصلها إلى من يستحق أن يسمعها.
وفي النهاية، يبقى الإبداع الحقيقي كالشمس، قد تحجبه السحب قليلًا، لكنه لا يغيب أبدًا. وكريم جوهر واحد من تلك الأنوار التي خُلقت لتُضيء لا لتبقى في الظل، ولتُسمع لا لتُهمَل. إن من حق هذا الفن الراقي أن يجد طريقه إلى كل بيت، وأن تتبناه مؤسساتنا الثقافية والإعلامية بما يليق بقيمته، لا مجاملةً لشخص، بل انتصارًا للجمال ذاته. فحين نمنح الموهبة مساحتها، فإننا في الحقيقة نرتقي بذوق أمة، ونُعيد تشكيل وعي جيل، ونمنح الأجيال القادمة نموذجًا يُحتذى به في الصدق والإبداع.
ولعل اللحظة التي نرى فيها إبداعه يُقدم في برنامج يليق به، مترجمًا تصل رسالته إلى العالم، ستكون لحظة انتصار للفن المصري كله، لا لكريم جوهر وحده… لأن الفن حين يُنصف، يُنصف معه وطن بأكمله، وتُكتب صفحة جديدة عنوانها: هنا تُحترم الموهبة، وهنا يُصان الجمال، وهنا تُولد الحكايات التي لا تموت.