بقلم : حمدى حسن وعبدالسيد
في زحام الحياة اليومية، تتردد على مسامعنا عبارات شعبية تبدو خفيفة الظل، لكنها تحمل في طياتها معاني خطيرة، ومن أخطرها مقولة: "السلف تلف والرد خسارة". جملة قد تُقال على سبيل المزاح، لكنها في الحقيقة تعكس خللًا عميقًا في منظومة القيم إذا تحولت إلى سلوك.
لم يعد الاقتراض عند البعض مجرد حل مؤقت لضيق الحال، بل أصبح – في حالات كثيرة – أسلوبًا دائمًا، يتبعه صمت طويل عند وقت السداد، وكأن المال الذي أُخذ صار حقًا مكتسبًا لا يجب رده. تمر الأيام، ثم الشهور، وربما السنوات، دون أدنى محاولة للاعتذار أو التوضيح، وكأن النسيان كفيل بإسقاط الحقوق.
لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها، أن الدَّين أمانة، وليس منحة، ورده واجب أخلاقي قبل أن يكون التزامًا اجتماعيًا أو دينيًا. فالمجتمعات لا تُبنى فقط بالقوانين، بل تُبنى أولًا على الثقة، وعندما تُهدر هذه الثقة، تتفكك العلاقات وتنهار أسس التعامل بين الناس.
الإنسان الذي يستلف ثم يصمت، إما أنه يبرر لنفسه هذا السلوك تحت ضغوط الحياة، أو يهرب من المواجهة خجلًا، أو – وهو الأخطر – يستغل طيبة الآخرين دون نية حقيقية للسداد. وفي كل الأحوال، النتيجة واحدة: جرح في العلاقات، وفقدان للثقة.
الأخطر من ذلك، أن تكرار هذه النماذج يُنتج ثقافة عامة تُشجع على التهاون في رد الحقوق، فيصبح الحذر هو الأصل، ويتراجع التكافل الذي طالما ميز مجتمعاتنا. فيمتنع الناس عن مساعدة بعضهم، لا قسوةً، بل خوفًا من ضياع حقوقهم.
إن الحفاظ على الحقوق ليس تشددًا، بل هو صيانة للكرامة الإنسانية. والاعتذار عند العجز ليس ضعفًا، بل قوة أخلاقية تُحترم. أما الصمت، فهو ليس حلًا… بل تأجيل للمشكلة وتكبير لها.
في النهاية، تبقى الحقيقة البسيطة:
من أخذ حقًا، وجب عليه رده… ومن صمت عنه طويلًا، فقد خسر أكثر مما يظن.
فليست الخسارة في رد الدَّين، بل الخسارة الحقيقية في فقدان الثقة… وهي أثمن من أي ما