recent
أخبار ساخنة

الأم… القوه الصامته التي تصنع الاجيال بقلم / النائبة نيفين فارس/شيفاتايمز

شيفاتايمز SHEFATAIMS
الصفحة الرئيسية

 







الأم… القوه الصامته التي تصنع الاجيال

بقلم / النائبة نيفين فارس

ليست الأم مجرد بداية بيولوجية للحياة، بل هي البداية الحقيقية لتشكل الوعي. في المساحة الأولى التي يفتح فيها الإنسان عينيه على العالم، لا يكون هناك خطاب سياسي، ولا مؤسسات تعليمية، ولا نظم اجتماعية معقدة… هناك فقط “أم”، تحمل في حضورها البسيط كل البذور الأولى لما سيصبح لاحقا هوية كاملة.

الأم لا تربي أبناءها فقط، بل تزرع فيهم الطريقة التي يرون بها العالم. من نبرة صوتها يتعلم الطفل معنى الطمأنينة أو الخوف، ومن ردود أفعالها يفهم ما هو مقبول وما هو مرفوض، ومن كلماتها الأولى تتشكل مفاهيم الخير والشر، القوة والضعف، الانتماء والاغتراب.

قبل أن يعرف الإنسان وطنه على الخريطة، يعرفه في وجدان أمه. وقبل أن يتعلم القوانين، يتشرب الإحساس بالعدل أو الظلم من تفاصيل يومية صغيرة داخل البيت. هكذا، دون ضجيج، تصنع الأم “الوعي الأول”… ذلك الوعي الذي يصعب تغييره لاحقا، لأنه لا يقوم على معلومات، بل على إحساس عميق متجذر.

وفي عالم تتسارع فيه مصادر التأثير، من إعلام مفتوح إلى فضاءات رقمية بلا حدود، تزداد أهمية هذا الدور أكثر من أي وقت مضى. فالأم لم تعد فقط مصدر القيم، بل أصبحت خط الدفاع الأول في مواجهة تشكل وعي قد يبنى خارج السياق، أو على مفاهيم مشوشة ومتناقضة.

لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في حجم التأثيرات الخارجية، بل في قدرة الأم على مواكبتها دون أن تفقد جوهر دورها. فالتربية اليوم لم تعد قائمة على التلقين، بل على الحوار. ولم تعد الحماية تعني المنع، بل تعني الفهم والمرافقة والتوجيه.

الأم التي تشكل وعيا متوازنا، ليست تلك التي تفرض رؤيتها، بل التي تفتح المجال للتفكير، وتمنح أبناءها القدرة على التمييز. هي التي تعلمهم كيف يسألون، لا فقط ماذا يجيبون. وكيف ينتمون دون أن ينغلقوا، ويختلفون دون أن يخاصموا.

إن الهوية لا تبنى في لحظة، بل تنسج عبر سنوات من التفاصيل الصغيرة، والأم هي الحائك الأول لهذا النسيج. قد لا تظهر نتائج هذا الدور فورًا، لكنها تتجلى لاحقا في طريقة التفكير، في ردود الأفعال، في القدرة على مواجهة العالم دون فقدان الذات.

في النهاية، يمكن للمجتمع أن يضع مناهج، ويمكن للإعلام أن يطرح روايات، ويمكن للعالم أن يفرض إيقاعه السريع… لكن ما تزرعه الأم في البدايات، يظل هو المرجعية الأعمق.

لأن الوعي الذي يتشكل في حضنها… لا يعاد تشكيله بسهولة.

google-playkhamsatmostaqltradent