حسين السمنودي
هل ما يجري على أرض العالم مجرد صدفة تاريخية تتكرر، أم أنه مشهد مكتمل الأركان كُتبت فصوله بعناية فائقة، ثم تُرك لينفجر في توقيت واحد وبسرعة واحدة؟ سؤال يفرض نفسه بقوة أمام هذا الجنون السياسي، وهذا التشابك المريب في التحالفات، وتلك الخيانات التي لم تعد تُدار في الخفاء، بل أصبحت تُمارَس على الهواء مباشرة، وبوقاحة لا تعرف الخجل.
العالم اليوم لا يسير نحو التقدم، بل يندفع نحو الهاوية، تقوده قوى كبرى تتزعمها الولايات المتحدة الأمريكية ومعها عدد من الدول الأوروبية، ترفع شعارات الحرية وحقوق الإنسان، بينما تُدير خلف الستار أخطر صفقات الدم، وتغذي الحروب، وتعيد رسم خرائط النفوذ على حساب الشعوب الضعيفة. لم تعد الحروب تُخاض من أجل الدفاع، بل من أجل السيطرة، ولم تعد التحالفات تُبنى على القيم، بل على المصالح المؤقتة، حتى لو كان ثمنها إحراق الكوكب كله.
القضية الفلسطينية تظل الجرح المفتوح الذي يكشف زيف هذا النظام العالمي. فلسطين ليست مجرد أرض محتلة، بل شهادة إدانة دائمة لكل من يتحدث عن العدالة الدولية. إسرائيل، بدعم أمريكي وغربي غير محدود، تمارس القتل والحصار والتجويع، ثم تُكافأ بالصمت أو بالتبرير، وكأن دم الفلسطيني أرخص من أن يُذكر في نشرات حقوق الإنسان. أمريكا، التي تدّعي رعاية السلام، هي الشريك الأول في إدامة الصراع، تمد الاحتلال بالسلاح والغطاء السياسي، ثم تتساءل ببرود عن أسباب الغضب في الشرق الأوسط.
وفي المشهد نفسه، تظهر إيران لاعبًا مزدوج الوجه؛ ترفع راية المقاومة في العلن، وتُدير في الخفاء حسابات النفوذ والمصالح. لا يهمها إن احترقت العواصم العربية، بقدر ما يهمها أن تتسع رقعة نفوذها، وأن تبقى ورقة الصراع مشتعلة، تُستخدم وقت الحاجة في مفاوضات الكبار، بينما تدفع الشعوب ثمنًا باهظًا من أمنها واستقرارها ومستقبلها.
وعلى الجانب الآخر من العالم، تتصاعد الأزمة بين الصين وتايوان، في مشهد يعيد إلى الأذهان بدايات حروب كبرى. الصين ترى تايوان جزءًا لا يتجزأ من أراضيها، والولايات المتحدة تجد في هذا النزاع فرصة ذهبية لتطويق بكين وإشغالها. التوتر هنا لا يُدار دفاعًا عن الديمقراطية كما يُروَّج، بل باعتباره صراعًا على الزعامة العالمية، وعلى من يملك مفاتيح الاقتصاد والتكنولوجيا في العقود القادمة.
أما روسيا وأوكرانيا، فهما عنوان صارخ لفشل النظام الدولي في منع الحروب. حرب اندلعت ولا تزال تُدار وكأنها ساحة اختبار مفتوحة للأسلحة والعقوبات. أوكرانيا تُستنزف، وروسيا تُستفز، وأوروبا تدفع الثمن اقتصاديًا وأمنيًا، بينما تقف الولايات المتحدة في الخلف، تدير المشهد، وتبيع السلاح، وتُطيل أمد الصراع، لأن السلام السريع لا يخدم مصالحها بقدر ما تخدمها الفوضى الطويلة.
وإذا اتجهنا شمالًا، نجد الحديث المتزايد عن جرينلاند، تلك الجزيرة التي تحولت فجأة من أرض جليدية بعيدة إلى كنز استراتيجي تتصارع عليه القوى الكبرى. ذوبان الجليد كشف عن ثروات وطرق تجارية جديدة، فاشتعلت الأطماع، وعادت لغة السيطرة القديمة في ثوب حديث. حتى الطبيعة لم تسلم من جشع السياسة، فالتغير المناخي نفسه أصبح ورقة في صراع المصالح الدولية.
ووسط هذا التشابك العالمي، تقف الدول الفقيرة في قلب العاصفة، لا حول لها ولا قوة. لا تشارك في صناعة القرار، لكنها تتحمل نتائجه كاملة. اقتصاديًا، تنهار عملاتها مع كل أزمة عالمية، وترتفع أسعار الغذاء والطاقة، وتتضاعف الديون، ويهرب الاستثمار، لتتحول حياة المواطن البسيط إلى صراع يومي من أجل لقمة العيش. الحروب التي تُدار على بعد آلاف الكيلومترات تصل آثارها إلى موائد الفقراء أولًا، بينما تُقدَّم لهم القروض بشروط تُكبّل حاضرهم وترهن مستقبل أجيالهم.
سياسيًا، تُجبر هذه الدول على الاصطفاف القسري، وإلا واجهت العزلة أو العقوبات أو الابتزاز. سيادتها تصبح شكلية، وقرارها الوطني هشًا، وصوتها في المحافل الدولية بالكاد يُسمع. وإذا حاولت الخروج عن النص، وُضعت في خانة الاتهام، أو أُغرقت في أزمات داخلية تُنهكها وتُبعدها عن أي دور حقيقي.
اجتماعيًا، تتفجر الأزمات من الداخل؛ فقر متزايد، بطالة خانقة، هجرة جماعية، وتآكل للطبقة الوسطى. تتراجع منظومات التعليم والصحة، ويتسع الفارق بين القلة القادرة والكثرة المهمشة، فينشأ جيل مثقل بالإحباط، محاصر بين أحلام مؤجلة وواقع لا يمنحه فرصة حقيقية للحياة الكريمة.
وهكذا، لا تبدو كل هذه الملفات أحداثًا منفصلة، بل حلقات في سلسلة واحدة تُدار بعقلية واحدة، هدفها إعادة تشكيل العالم وفق ميزان قوة لا يعترف إلا بالأقوى. الخيانة أصبحت سياسة، والتحالفات مؤقتة، والإنسان آخر ما يُفكَّر فيه. والخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الحروب المشتعلة، بل في اعتياد العالم على هذا الجنون، وفي صمت الشعوب، وفي تآكل القيم التي كانت يومًا ما خط الدفاع الأخير.
إن ما يحدث ليس صدفة عابرة، بل ترتيب محكم وسرعة مدروسة، وإذا استمر هذا المسار، فلن يكون الدمار حكرًا على الدول الضعيفة وحدها. فحين يحترق الهامش، لن ينجو المركز طويلًا، وحين ينهار ميزان العدالة، يسقط العالم كله دفعة واحدة، ويكتشف الجميع – متأخرين – أن النار التي أشعلوها بعيدًا، قد وصلت إليهم أخيرًا.