recent
أخبار ساخنة

ظاهرة التسول أمام المساجد… مسؤوليتنا أم مسؤوليتهم؟/شيفاتايمز

شيفاتايمز SHEFATAIMS


حسين السمنودي


لم تعد ظاهرة التسول أمام المساجد مشهدًا عابرًا أو حالة إنسانية فردية تستدعي الشفقة المؤقتة، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى ظاهرة اجتماعية معقدة، تفرض نفسها على المشهد الديني والإنساني معًا، وتطرح سؤالًا مؤرقًا: من المسؤول؟ هل هو المجتمع الذي اعتاد العطاء بلا وعي؟ أم المتسول الذي اتخذ السؤال مهنة؟ أم أن المسؤولية مشتركة بين الجميع؟
المسجد في وجدان المجتمع ليس مجرد مكان لأداء الشعائر، بل هو بيت الله، ومنارة للقيم، وملاذ للفقراء والمحتاجين، ولهذا كان اختيار أبوابه وساحاته للتسول أمرًا مقصودًا، يعتمد على رقّة القلوب بعد الصلاة، وعلى لحظات الخشوع التي تسبق العطاء. غير أن المشكلة الحقيقية تبدأ حين تختلط صور الحاجة الصادقة بصور الاحتيال المقنع، وحين يصبح من الصعب التمييز بين فقير دفعته الظروف، وآخر امتهن التسول وجعله مصدر رزق دائم.
لا يمكن إنكار وجود محتاجين حقيقيين، أرامل، مرضى، كبار سن، وأسر أثقلها الغلاء وضيق المعيشة، فوجدت نفسها على أبواب المساجد بلا سند. هؤلاء لا يجوز أن نغلق في وجوههم الأبواب، ولا أن نقسو عليهم باسم التنظيم أو النظام، فهم أمانة في أعناق المجتمع كله. لكن في المقابل، ظهرت فئة أخرى احترفت التسول، وطورت أساليبها، من روايات درامية مفتعلة، إلى استغلال الأطفال، بل وتحويل التسول إلى نشاط منظم يسيء للفقراء الحقيقيين قبل أن يسيء لصورة المسجد.
وهنا يقف الفرد حائرًا: هل يعطي كل من سأل؟ أم يمتنع خوفًا من الخداع؟ والحقيقة أن العطاء قيمة نبيلة لا خلاف عليها، لكن ترشيده ضرورة. فالدين الذي حث على الصدقة، هو نفسه الذي دعا إلى العمل، ونهى عن السؤال بغير حاجة. ومن هنا يصبح الوعي هو الفاصل بين الرحمة والسذاجة، وبين الإحسان الحقيقي والتشجيع غير المقصود على التسول.
ولا يمكن تحميل الفرد وحده عبء هذه الظاهرة، فالدولة تتحمل جانبًا أساسيًا من المسؤولية، ليس فقط عبر الإجراءات الأمنية، بل من خلال سياسات اجتماعية عادلة، توفر فرص عمل حقيقية، وتفعل مظلة الحماية الاجتماعية، وتحتوي غير القادرين في مؤسسات تحفظ كرامتهم بدل دفعهم إلى الشارع. كما يقع على عاتق المؤسسات الدينية دور توعوي مهم، من خلال خطاب ديني رشيد يوضح الفرق بين الصدقة المشروعة والتسول المذموم، ويوجه الناس إلى صور العطاء المنظمة التي تصل إلى مستحقيها دون استغلال.
إن المسجد يجب أن يظل مكانًا للسكينة والعبادة، لا ساحة للابتزاز العاطفي ولا مسرحًا للفوضى الإنسانية. وحماية قدسيته مسؤولية مشتركة بين الإمام والمصلين والمجتمع والدولة، كلٌ يؤدي دوره بوعي وإخلاص، دون إفراط أو تفريط.
وفي الختام، تبقى ظاهرة التسول أمام المساجد جرس إنذار لا يجوز تجاهله، لأنها لا تمس صورة الفقير وحده، بل تمس قدسية بيوت الله، وتختبر ضمير المجتمع بأسره. وعلاجها لا يكون بالقسوة ولا بالإهمال، بل بمنظومة متكاملة تقوم على التوعية الرشيدة، وتنظيم العطاء، وتفعيل دور صناديق الزكاة والجمعيات الموثوقة، مع مواجهة حاسمة للتسول المنظم، وفتح أبواب الأمل والعمل أمام القادرين، واحتواء غير القادرين بما يصون إنسانيتهم.
فإذا نجحنا في تحقيق التوازن بين الرحمة والوعي، وبين الإحسان والحكمة، استطعنا أن نغلق أبواب التسول، ونفتح أبواب الكرامة، ليبقى المسجد كما أراده الله: بيتًا للعبادة، وملاذًا للقيم، لا ساحة للمعاناة ولا سوقًا للمتاجرة بالفقر.
google-playkhamsatmostaqltradent