حسين السمنودي
بورسعيد ليست مدينة تُروى، بل مدينة تُعاش. هي الميناء الذي يستقبل العالم، وهي القلب الذي يستقبل الشرف، وهي الأرض التي إذا مررتَ فوقها شعرت أنك تمشي على ذاكرة وطن كامل لا على حجارة. مدينة لها طعم الملوحة وريحة الجدعنة، ولها ناسٌ لا يشبهون أحدًا: رجال ونساء خُلقوا من خليط البحر والشهامة، وتوارثوا الكرامة جيلاً بعد جيل.
ومن أراد أن يرى معنى الرجولة، فليذهب إلى بورسعيد… ومن أراد أن يعرف معنى الجدعنة، فليجلس مع امرأة من حي العرب… ومن أراد أن يفهم الوطنية كما يجب أن تكون، فليسأل أهل أحيائها الذين جعلوا من الشوارع حكايات ومن البيوت قلاعًا.
بورسعيد كلها رجل، وبورسعيد كلها امرأة، وبورسعيد كلها قلب واحد… لكن لكل حي فيها روح، ولكل روح بطولة.
حي العرب… حي الجدعنة الأصلية، بيت البطولة الذي لا يهدأ، صوت الناس الذي يشبه طبول الحرب. ما من شارع فيه إلا ويحمل ذكرى مقاوم، وما من بيت إلا وخرج منه رجل أو امرأة فهموا معنى أن تكون مصر أهم من الحياة نفسها. هو الحي الذي وقف على خط النار الأول في العدوان الثلاثي، وفتح أبوابه للجنود والجرحى واللاجئين، ووزّع أطفاله الرسائل السرية، وصارت نساؤه خطّ الدفاع الأخير عن الكرامة.
حي المناخ… الحي الذي كان في قلب العاصفة، حيث البيوت متلاصقة كأنها تتكاتف، وحيث الناس كانوا يخبئون المقاومين في غرف صغيرة لا تتسع إلا لعزيمة كبيرة. هناك كانت البطولات تُبنى بصمت، دون انتظار صورة أو تصفيق. أهل المناخ حرسوا الشوارع، حموا المداخل، وقاتلوا بالحيلة حين قلّ السلاح، وابتكروا طرقًا للتمويه أربكت جنود الاحتلال وجعلت المدينة لغزًا لا يمكن اختراقه.
حي الشرق… الواجهة التي تلقّت الصدمات الأولى للعدوان، حيث البحر في الأمام والعدو في الخلف، وحيث صيادو البحر تحوّلوا إلى مقاتلين، ومراكبهم تحولت إلى وسائل لنقل السلاح والرسائل. نساء الحي كنّ يشعلن مواقد الليل لتضلل الطائرات، ورجاله كانوا يقفون على الأسطح لحراسة كل مدخل وممر. كان حي الشرق قلبًا نابضًا يقاوم من أجل أن تبقى المدينة حيّة.
حي الضواحي… وإن كان أبعد عن مركز الأحداث، إلا أنه كان ظهر المدينة وسندها، ومركزًا لاستقبال الأسر التي فرت من مناطق القتال، وبيتًا كبيرًا فتح أبوابه للجميع. هناك كانت النسوة تطبخ، والرجال يشكلون مجموعات دعم، والأطفال يوزعون الماء والمؤن… كأن الحي كله صار عائلة واحدة لا تترك أحدًا وحيدًا في ساعة الخطر.
وإذا اجتمعت هذه الأحياء كلها… صارت بورسعيد التي يعرفها العالم: مدينة من أربعة أركان كل ركن فيها بطل، وكل شارع فيها قصة شرف، وكل بيت فيها شاهد على لحظةٍ لا تُنسى في تاريخ هذه البلاد.
وحين جاء العدوان الثلاثي عام 1956، لم يدخل بريطانيا وفرنسا وإسرائيل مدينة ضعيفة… بل دخلوا مدينة أصلب من الحديد، مدينة اجتمع فيها حي العرب والمناخ والشرق والضواحي على قلب رجلٍ واحد. كان المستعمر يظن أنها معركة قصيرة… فإذا بها تتحول إلى أسطورة طويلة، تكتبها حواري ضيقة وشوارع واسعة وقلوب لا تخاف.
لم يكن في بورسعيد رادارات كبيرة، ولا ترسانات سلاح ضخمة، ولا جيوش مترامية… كان فيها شيء أكبر: شعب يعرف معنى الكرامة. النساء قدّمن الطعام تحت القصف، الرجال قاتلوا من شرفات المنازل، الأطفال حملوا رسائل المقاومة، والشيوخ وقفوا يدعون ويثبتون الشباب. كانت الأحياء كلها مثل أصابع اليد الواحدة… مختلفة في الشكل، لكنها تمسك بعضها بإصرارٍ واحد.
وفي تلك الأيام لم تُهزم الجيوش فقط، بل هُزم الغرور، هُزم الغزو، هُزمت فكرة أن مدينة صغيرة يمكن أن تُكسر. لقد خرج العالم من تلك الحرب وهو يتساءل:
كيف صمدت هذه المدينة؟
كيف هزمت ثلاثة جيوش؟
كيف انتصرت وهي بلا معدات وبلا إمكانيات؟
وكان الجواب بسيطًا… لأن بورسعيد لم تقاتل وحدها، بل قاتل فيها حي العرب والمناخ والشرق والضواحي كتفًا بكتف… وقاتلت فيها نساؤها قبل رجالها، وقاتل فيها الأطفال قبل الكبار، وقاتل فيها البحر بجنونه، والهواء بصفيره، والبيوت بصمودها.
وفي النهاية… لا تُختصر بورسعيد في معركة، ولا في حدث، ولا في حي واحد. بورسعيد هي روح وطن حين يشتد عليه الخطر، وهي النموذج الذي سيظل يُدرَّس بأن المدن لا تنتصر بحجمها، بل بحجم قلوب ناسها. هي الأسطورة التي ولدت من موج البحر وقفزت إلى صفحات التاريخ، وهي المدينة التي علّمت العالم أن الكرامة إذا سكنت القلوب تحولت إلى قوة لا تُهزم، وأن أحياءها مهما اختلفت تظل كتلة واحدة من الشرف لا تتجزأ.
وستبقى بورسعيد، برجالها ونسائها، بأحيائها القديمة والحديثة، بصياديها وعمّالها وتجارها وطلابها… المثال الحي لمدينة إذا وقفت قالت للعالم كله:
هنا بلد لا ينحني… هنا وطن يُقاوم… هنا بورسعيد.