حسين السمنودي
لم يكن أحد يتخيّل يومًا أن شيئًا صغيرًا، خفيفًا، يلمع كقطعة حلوى إلكترونية، سيصبح أقوى من ضوضاء العالم. لم يتوقع أحد أن الهاتف – نعم، الهاتف الذي كان مجرد وسيلة اتصال – سيغدو سيدًا، وأن البشر سيغدون خدمًا مطيعين يلتفتون إليه كلما صافحهم بصوت، أو أشار لهم بضوء، أو جذبهم كأن بداخله سحرًا لا ينفد.
في السنوات الأخيرة حدث شيء غريب… شيء يشبه انقلابًا هادئًا، ثورة بلا جنود، حربًا بلا صراخ. الإنسان لم يُهزَم في ساحة معركة، بل هُزم في مساحة صغيرة بين راحة يده وعقله. الهاتف لم يعد جهازًا، بل صار حياة كاملة: صديقًا، وخصمًا، ووقتًا ضائعًا، وذاكرة نهائية تعيد تشكيل صاحبها كما تشاء.
لقد صرنا نرى المشهد الأكثر قسوة: أسرة كاملة تجلس في غرفة واحدة، لكن كل شخص يعيش في قارة مختلفة. طفل يجلس أمام لعبة لا تنتهي. زوجان يجلسان فوق أريكة واحدة، لكنهما أقرب للغرباء؛ أصوات الإشعارات أعلى من أصوات القلوب، ولمعة الشاشة أشد بريقًا من لمعة العيون. حتى الضحكة أصبحت صادرة من "فيديو" وليس من روح.
العلاقات… تلك التي كانت تحتاج لمفاتيح من مودة وصبر، تحولت إلى علاقات بنصف تركيز ونصف حضور. لم يعد الإنسان موجودًا بكامل قلبه، بل موجودًا بنسخة مخفّفة منه، نسخة منهكة، لا تملك وقتًا للحديث ولا رغبة في الأصغاء. أصبحنا نمرّ على لحظات حياتنا مرور المتفرج لا البطل، نتفرج عليها عبر شاشة، نتفاعل معها بإعجاب، ثم نعود إلى الفراغ الذي صنعناه بأيدينا.
شيء ما تغيّر في أعماقنا…
لم نعد نشعر بالأشياء كما كنا نشعر.
لم نعد نشتاق كما كنا نشتاق.
لم نعد نتواصل كما تواصلت أجيال قبلنا.
الهاتف لم يأخذ وقتنا فقط… أخذ قدرتنا على الحضور، وسلب منّا مساحة التفكير الهادئ، وزرع مكانها ضجيجًا يشبه المطرقة. صار يوقظنا بدل أن نستيقظ، يحدّد متى نضحك، ومتى ننفعل، ومتى نغضب، ومتى نُعجب. وكأن الإنسان في القرن الحادي والعشرين أصبح مشروعًا مُعادَ تشكيله.. تُنحت روحه كل يوم بحسب ما تريده الخوارزميات لا بحسب ما يريد هو.
كل شيء أصبح «لحظيًا». لا صبر، لا انتظار، لا دهشة.
كل شيء سريع… سريع لدرجة أن أرواحنا نفسها أصبحت تركض معنا، تتعب، تنهك، ولا تجد لحظة تلتقط فيها أنفاسها.
والأدهى من كل هذا أننا نعتقد أننا نتحكم. لكن الحقيقة المؤلمة هي أننا وقعنا في أعمق فخّ في تاريخ البشرية: فخّ الانتباه.
لقد خسر الإنسان أغلى ما يملك وليس وقته… بل انتباهه. خسر قدرته على التركيز، على الاستماع، على الحب. خسر عمق العلاقات التي تحتاج إلى جلسة صامتة، وفنجان قهوة، وعينين تنظران لبعضهما، لا إلى شاشة زرقاء.
نحن نعيش اليوم في عالم مزدحم، لكن قلوبنا فارغة. عالم سريع، لكن أرواحنا بطيئة في ملاحقته. عالم متصل بكل شيء، لكن مفصول عن أهم شيء: الإنسان ذاته.
لقد أصبح الهاتف هو المرآة التي ننظر إليها لنرى أنفسنا، لكننا في الحقيقة لا نرى إلا الانعكاس الذي صُنع لنا. وكلما ظننا أننا نقترب من العالم، ازددنا ابتعادًا عنه. وكلما التقينا بالناس عبر الأجهزة، فقدنا القدرة على لقائهم بقلوبنا.
ويا لغرابة المفارقة…
الفكرة لم تكن يومًا أن نُطفئ هواتفنا، بل أن نُضيء أنفسنا من جديد.
أن نستعيد ما فقدناه دون أن نشعر.
أن نستردّ المسافة التي سُرقت منّا بينما كنا نظن أننا نعيش أسرع وأفضل.
إن معركة الإنسان اليوم ليست مع حرب ولا مع عدو ظاهر.
إنها معركة داخلية صامتة، عنوانها الحقيقي:
هل نملك أنفسنا… أم أننا أصبحنا ملكًا لما نملكه؟
لقد انتصر الهاتف بلا رصاص، وهُزم الإنسان بلا دماء.
ولعل اللحظة الأولى للتحرر هي أن ندرك حجم الهزيمة، ونقرر – ولو ببطء – أن نعود بشيء منّا إلى واقعنا… إلى علاقاتنا… إلى إنسانيتنا التي لم تُخلق لتُختزل في شاشة.
إن العودة ليست معجزة.
كل ما تحتاجه هو أن تنظر حولك مرة واحدة… وتنظر في عين من تحب مرة واحدة… وتقرر أن تربح ذاتك قبل أن تربح أي شيء آخر.
هكذا فقط… يعود الإنسان إنسانًا من جديد.