أفراح اليتامى والثكالى في مدينة غزة التى مزقتها الحروب
حسين السمنودي
في قلب غزة، حيث يتناثر الحطام وتعلو أنقاض البيوت المدمرة، يسكن الألم والجراح بعمق لا يمكن قياسه. ولكن، مع هذا الألم الموجع، يبرز مشهد غير متوقع: فرحة خفيفة، مشوبة بالحزن، تعلو وجوه اليتامى والثكالى الذين يسيرون فوق الأرض المحروقة عائدين إلى ديارهم المدمرة. في لحظات العودة إلى المنازل التي لم تبقَ منها سوى الذكريات، تتلاقى مشاعر الفقد مع آمال الضياع، ويجد الإنسان نفسه أمام مشهد من التناقضات العميقة.
لقد عاشت غزة طويلاً تحت وطأة الحروب، وخلفت الحروب وراءها مئات الآلاف من الأيتام والأرامل، وجراحًا لا يمكن التئامها. كانت البيوت، التي كانت يوماً ما مأوى للفرح والطمأنينة، الآن مجرد أطلال شاهدة على الحزن العميق. وتلك الشوارع التي كانت تزدان بالحياة، أصبحت مقابر مفتوحة تحمل على طياتها قصة شعب كامل تجرع مرارة فقدان أحبائه، لكنهم لا يزالون يصرون على العودة.
وعند العودة إلى ما تبقى من بيوتهم، يجد الأهالي أنفسهم أمام حقيقة مريرة. الأرض التي كانت تحتضنهم، والبيوت التي كانت تؤويهم، أصبحت مجرد ذكرى بعيدة، وكل ما تبقى هو الأطلال. ورغم هذا الواقع المأساوي، هناك في أعماقهم شعور غريب بالتمسك بالحياة، بالوجود، حتى وإن كان هذا الوجود في وسط هذه الخراب.
لكن الفرحة التي ترافقهم ليست فرحة عادية. إنها فرحة مشوبة بالحزن، فرحة مؤلمة لا تعرف السكون. في عيون الأطفال اليتامى، يبدو الألم واضحًا، لكنهم يجدون في العودة إلى ما تبقى من منازلهم شيئًا من الأمل. قد تكون البيوت مدمرة، وقد تكون الشوارع مهجورة، لكنهم يعرفون أنهم عائدون إلى أرضهم، إلى المكان الذي شهد على ذكرياتهم، وعلى فترات من الحياة لم تدم طويلاً. حتى في هذا الخراب، لا يزال لديهم شيئًا يستحقون العيش من أجله.
أما الثكالى، فقصتهم ليست أقل وجعًا. فقدن أزواجهن، وأعزاءهن، لكنهن لا زلن يحملن الأمل في قلوبهن. قد لا يكن قادرات على بناء ما دُمّر من حياتهن، لكنهن يصرن على أن تكون هذه الأرض هي آخر ما يعانقنه. لا يتوقفن عن البناء من جديد، ربما ليس كما كان في السابق، ولكنهن يواصلن إحياء ما تبقى من روح المقاومة في قلوبهن.
في وسط الركام، حيث لا شيء يبقى سوى الأنقاض، ترتفع أصواتهم في نشيد من الأمل والحزن في آن واحد. يعودون، لكن ليس كما كانوا، بل يرافقهم الألم، وتعطر قلوبهم أشواك الفقد، ومع ذلك يبقى لديهم شيئًا من السعادة، ليس من أجلهم، بل من أجل الأمل في غدٍ أفضل. ورغم كل شيء، يبقى فيهم شعور أن الحياة لا بد أن تستمر.
هذا هو الأمل الذي ينبثق من بين الركام، هذا هو الفرحة التي تعلو على وجوه اليتامى والثكالى، على الرغم من الألم، على الرغم من الجراح، على الرغم من كل شيء. لأنهم يعلمون أن القوة لا تكمن في تجنب الألم، بل في مقاومته، وأن الحياة مهما كانت قاسية، لا تتوقف عند الخسائر.
