recent
أخبار ساخنة

بين نشوة الانتصار ووهم التحرير: ما الذي تنتظره سوريا؟/شيفاتايمز







 بين نشوة الانتصار ووهم التحرير: ما الذي تنتظره سوريا؟


حسين السمنودي 


في مشهد ملحمي تختلط فيه الأصوات بين التهليل والتحذير، يبدو أن ما يُسمى "تحريراً" قد فتح أبواباً جديدة على واقع أكثر تعقيداً مما قد يتصوره البعض. لحظة الفرح العارمة هذه، التي تخيل البعض أنها انتصار على نظام مستبد وداعميه، تخفي تحتها طبقات من التداعيات المدمرة التي قد لا تظهر إلا بعد فوات الأوان.


هل توقفت للحظة لتتأمل من يحتفل معك بهذا النصر؟ إسرائيل، التي لطالما اعتُبرت عدواً، تُبدي الآن فرحاً ضمنياً بما يجري. هذا الانتصار، الذي يسوّق على أنه بداية عهد جديد، أتاح لإسرائيل التوغل في الأراضي السورية بشكل لم يحدث منذ عام 1974. الأرض التي دفعت سوريا أثماناً باهظة للحفاظ عليها، باتت الآن مفتوحة لتوسعات أطراف كانت تنتظر اللحظة المناسبة لتقتنص الفرصة.


أما تركيا، التي دخلت المشهد تحت شعارات دعم الثورة، فقد مدت يدها لترسم خرائط جديدة تتناسب مع أطماعها التاريخية. التدخل التركي في الشمال السوري يبدو وكأنه وضع قدمين ثابتتين في أرضٍ تريدها جزءاً من مخطط أوسع لإعادة أمجاد إمبراطورية عثمانية سابقة. وبينما تُسوق تركيا نفسها كحليف، فإن خطواتها تؤكد أنها لاعب جديد يسعى لتحقيق مصالحه الخاصة.


أمريكا ليست بعيدة عن هذا المشهد، بل تراقب وتدير الصراع وفق استراتيجياتها الطويلة الأمد. أهدافها ليست في بناء وطن للسوريين أو دعم حقوقهم، بل في ضمان بقاء المنطقة في حالة من الانقسام والتبعية، مما يتيح لها الحفاظ على نفوذها وتحقيق مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية.


وفي خضم كل هذا، يغيب عن الأنظار الفاعلون الحقيقيون على الأرض: الميليشيات والمرتزقة. هؤلاء الذين جاؤوا من شتى بقاع الأرض بدعوى تحرير سوريا لن يعودوا إلى بلدانهم بمجرد انتهاء المعركة. هؤلاء سيطالبون بمكانٍ لهم على الطاولة، بمكافآت على دمائهم وأدوارٍ مستقبلية تُكرّس وجودهم. وفي كثير من الأحيان، تتحول هذه القوى إلى ميليشيات تحكم بقوة السلاح، لا تُعنى بالمواطن السوري أو بحقه في حياة كريمة.


إذاً، ما الذي يُنتظر من هذه المرحلة؟ أرض ممزقة، تتنازعها أطماع إقليمية ودولية. شعب، أُنهكته سنوات الحرب، يُستنزف مجدداً في معركة البقاء بين القوى الجديدة. وطن، يُعاد تشكيله وفق مصالح الغرباء. والنتيجة واحدة: وهم التحرير يُلقي بظلاله الثقيلة على مستقبل سوريا، يجعل من الفرحة الحالية قيداً جديداً يُضاف إلى سلاسل المعاناة.


ربما يحتاج السوريون إلى لحظة تأمل قبل أن يغرقوا أكثر في دوامة التصفيق لما يحدث. فالتاريخ علمنا أن الفرح المؤقت غالباً ما يكون بداية لأحزان طويلة. سوريا، التي كانت يوماً قلب العالم العربي، تواجه الآن خطر أن تُصبح مجرد ساحة للصراعات الدولية والإقليمية، بلا صوت يُعبر عن إرادة شعبها أو يُدافع عن حقوقه.


في هذه اللحظة الحرجة، لا يزال هناك وقت لإعادة التفكير، لإعادة تعريف معنى التحرير والانتصار. لكن، إذا استمرت الأمور في مسارها الحالي، فقد تكون سوريا على موعد مع فصل جديد من الضياع، حيث يُستبدل الاستبداد القديم باستبداد جديد، وتُبنى الأحلام على ركام وطن لا يزال يبحث عن نفسه.

google-playkhamsatmostaqltradent