الناجون من الضربات القاتلة: حياة خلف الأنقاض
حسين السمنودي
كثيراً ما تُروى قصص الناجين من الضربات، سواء أكانت جسدية أو نفسية، بوصفها تجارب تجعل أصحابها "أقوى". غير أن الحقيقة القاسية أن الناجين من الضربات القاتلة لا يصبحون بالضرورة أقوى، بل ربما يصبحون أقل أماناً وأكثر عزلة، يحملون داخلهم أثراً خفياً للجرح، كأنما يحملون أنقاضاً لم تندمل.
الخوف المتأصل واستمرارية التوجس
الناجون من الضربات القاتلة يعيشون حياة يلازمها الخوف؛ الخوف من المستقبل، من تكرار التجربة، من ضربة قد تكون أعنف. هذا الخوف يتحول إلى شبح دائم، يعيش معهم في كل لحظة، يلون تجاربهم، ويقف عائقاً أمام الثقة في العالم. يصبح الناجون دائماً في حالة تأهب، غير قادرين على الشعور بالأمان حتى وسط الأصدقاء أو العائلة، ليبقى ذلك الشعور المتجدد بالقلق حاجزاً أمام حياة طبيعية كانت يوماً ما ممكنة.
تبلد المشاعر وانطفاء الشغف
يصف الناجون من الضربات القاتلة حالة من تبلد المشاعر، حيث تتحول السعادة والحزن إلى تفاصيل صغيرة غير مؤثرة. يصبح لديهم وعي عميق بأن كل ما يحيط بهم زائل، ما يجعل كل عاطفة أو حدث يبدو عابراً، وكأنه لا يستحق التفاعل. هذه المشاعر الباردة ليست دليلاً على القوة بقدر ما هي آلية دفاعية تقيهم من المزيد من الألم، حيث يجدون أنفسهم غير مكترثين بشيء. وبالرغم من ذلك، يبقى هذا التبلد علامة دامغة على ألمهم السابق، على التجارب التي جعلت مشاعرهم خافتة.
العزلة رغم الزحام
حين يعاني الإنسان ضربة قاتلة، يبدأ في إدراك أنه لا يمكن الاعتماد على الآخرين عند وقوع الأزمات. وهكذا، يميل الناجون إلى العزلة، ربما لئلا يخسروا أحداً آخر، أو ليحموا أنفسهم من خيبة أمل جديدة. في وسط الزحام قد يشعر الناجي أنه وحيد، يدرك جيداً أن الجميع سيتراجعون حال تعرضه لضربة جديدة. هذه العزلة لا تعني أن الناجي لم يعد يرغب في رفقة، لكنها تنبع من خوف عميق بأن العلاقات مهما بلغت قوتها قد تكون هشّة أمام ضربات الحياة.
تعلم القسوة ومواجهتها
الضربات القاتلة تخلق قسوة من نوع خاص، حيث يتعلم الإنسان أن يقسو على نفسه ليحميها من آلام جديدة. هذه القسوة تتحول أحياناً إلى درع أمام الآخرين، تجعل الناجي يبدو صلباً، قوياً في مواجهة الحياة. لكنه في الحقيقة يخفي هشاشته، يخفي حجم الأنقاض التي يحملها داخله، حيث يختار أن يتعامل بجفاف حتى لا يفاجأ بخيبة جديدة أو ألم آخر.
الأقوى فعلاً هو من يتقبل الألم
الناجون من الضربات القاتلة لا يبحثون عن تعاطف الآخرين، فقد تعلموا أن قوتهم تكمن في قدرتهم على مواجهة الحقيقة القاسية. ومع ذلك، ما يحتاجونه فعلاً ليس قوة زائفة، بل احتضان لمعاناتهم، وتفهم لحالة الوحدة التي يعيشونها، وفرصة لإعادة بناء ما تحطم، دون الحاجة إلى ادعاء القوة