recent
أخبار ساخنة

تاريخ الريف المصري وقبائله العريقة كُتب دائماً بمداد من التسامح وحُسن الجوار، والقدرة على احتواء الأزمات مهما بلغت شدتها. وتظل محافظة الفيوم، بما تمتلكه من نسيج اجتماعي متماسك وتاريخ مشهود في التحكيم وفض المنازعات، نموذجاً أصيلاً لإعلاء صوت الحكمة ووأد الفتن في مهدها

كتبت هدى العيسوى
تاريخ الريف المصري وقبائله العريقة كُتب دائماً بمداد من التسامح وحُسن الجوار، والقدرة على احتواء الأزمات مهما بلغت شدتها. وتظل محافظة الفيوم، بما تمتلكه من نسيج اجتماعي متماسك وتاريخ مشهود في التحكيم وفض المنازعات، نموذجاً أصيلاً لإعلاء صوت الحكمة ووأد الفتن في مهدها.

وفي عزبة مراد الجندي التابعة لقرية فانوس بمركز طامية، تبرز اليوم قضية إنسانية واجتماعية تستوجب تضافر جهود الخير والحكماء؛ من أجل طي صفحة نزاع أليم بين عائلتي «العلاقة» و«أبو زيد»، وإعادة الاستقرار والأمان إلى الأسر والنساء والأطفال الذين ينتظرون كلمة الحق وصفاء القلوب.

يقظة الأجهزة الأمنية ومظلة العدالة

منذ اللحظات الأولى للواقعة المؤسفة التي تعود إلى أواخر أغسطس 2026، نجحت الأجهزة الأمنية بمديرية أمن الفيوم في فرض السيطرة وإقرار النظام العام، والحيلولة دون وقوع تداعيات أخرى، مع إخضاع الواقعة لإجراءات القانون والقضاء المصري الشامخ، صاحب الكلمة الفصل في تحديد المسؤوليات الجنائية وإرساء العدالة.

إن التزام جميع العائلات بالقانون، والثقة في أجهزة الدولة والنيابة العامة والقضاء، يمثلان الأساس الذي ينبغي أن ينطلق منه أي مسار تصالحي؛ فالقضاء يختص بالفصل في الحقوق والمسؤوليات القانونية، بينما تضطلع المجالس العرفية بدورها الاجتماعي في جبر الخواطر واحتواء الخلافات وحماية النسيج الأهلي من التصدع، دون المساس بأحكام القانون أو حقوق الأطراف.

مساعي الخير.. جهود مشهودة لأعيان ورموز التحكيم العرفي

لم تتوقف جهود الصلح منذ وقوع الحادث؛ حيث تحركت مجموعة من القامات المجتمعية والرموز القبلية المشهود لها بالحكمة والنزاهة والتجرد، ومن بينهم:

- العمدة محمد منصور أبو رحاب.
- العمدة حمادة مراد مغيب.
- الحاج محمود مجاور صالح خضر.
- الحاج جمعة عبد العاطي عبده.
- وفود من حكماء وأعيان المراكز المجاورة، ومن بينها مركز العياط، إلى جانب لفيف من رجالات التحكيم العرفي والوجهاء.

وتأتي هذه التحركات انطلاقاً من المسؤولية الدينية والوطنية والاجتماعية، سعياً لعقد جلسة صلح عرفية كبرى، بالتنسيق مع الجهات الأمنية المختصة، واستيفاء الأصول والضوابط العرفية المعتبرة، بما يحقق التراضي ويحفظ الحقوق ويصون كرامة جميع الأطراف، مع بحث ما جرى عليه العرف من تقديم الدية والكفن باعتبارهما من صور الاعتذار وطلب العفو والصفح، وفقاً لما يتم التوافق عليه بين الأطراف.

البعد الإنساني.. استقرار الأسر وحفظ الأرزاق

إن الغاية الأسمى من مساعي الصلح لا تقتصر على إنهاء خلاف بين أفراد أو عائلتين، بل تمتد إلى حماية مئات الأرواح من الأسر التي تأثرت بتداعيات النزاع، وأصبحت تتطلع إلى عودة الهدوء والاستقرار وممارسة حياتها الطبيعية والعودة إلى منازلها ومصادر أرزاقها.

فحماية النساء والأطفال من آثار النزاعات، وتأمين عودة الحياة الطبيعية إلى القرية، مسؤولية إنسانية واجتماعية وأخلاقية، يفرضها حق الجوار وصلة الرحم والروابط الاجتماعية الممتدة عبر أجيال داخل القرية والمركز.

نداء الواجب إلى كبار عائلة العلاقة ورجالاتها

يتوجه رجالات المجتمع والأعيان بنداء صادق، ينبع من روح المروءة والأخلاق الريفية الأصيلة، إلى كبار عائلة العلاقة الكرام، وفي مقدمتهم:

- الحاج عبد الغني عبد الجواد.
- الحاج علي حماد بريك.

بأن يكونوا كما عُهد عنهم دائماً أهل فضل وحكمة، وأن يفتحوا أبواب الحوار أمام وساطة المشايخ والعمد والمحكمين العرفيين، وأن يمنحوا مساعي الخير فرصة حقيقية للوصول إلى حل يرضي الجميع ويحفظ الحقوق والكرامات.

فالعفو عند المقدرة من شيم الكرام، وإيثار التسامح وحقن الدماء من أعظم المواقف التي يسجلها التاريخ لأصحاب الحكمة والمروءة، تصديقاً لقول الله تعالى:

﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾

دعوة لتكامل جهود النواب والقيادات الشعبية والتنفيذية

إن المرحلة الراهنة تستوجب تحركاً جاداً ومنسقاً من السادة أعضاء مجلسي النواب والشيوخ عن دائرة طامية ومحافظة الفيوم، إلى جانب القيادات الشعبية والتنفيذية، لمساندة جهود كبار المحكمين العرفيين، وتيسير سبل الحوار، والعمل على توفير الضمانات والتفاهمات التي تحقق القبول المتبادل وتحفظ كرامة الجميع، في إطار احترام هيبة الدولة وسيادة القانون.

إن المسؤولية اليوم مسؤولية الجميع، ولا ينبغي أن يعلو صوت على صوت العقل، أو أن تنتصر الخلافات على روابط الجيرة والرحم والتاريخ المشترك.

إن عزبة مراد الجندي وقرية فانوس تستحقان أن تعودا كما كانتا دائماً، واحةً للسلام والمحبة وصلة الرحم، وأن تُطوى صفحة الخلاف بالحكمة والتسامح، بعزيمة الرجال المخلصين، ورعاية مؤسسات الدولة، وتكاتف كل أصحاب الخير.

فالصلح قوة، والعفو مروءة، وحقن الدماء انتصار حقيقي لأهل البلد جميعاً.
نداء العقل وحقن الدماء في طامية بالفيوم.. وجهاء وأعيان يدعون للصلح العرفي وإعلاء قيم الجوار بعزبة مراد الجندي

google-playkhamsatmostaqltradent