recent
أخبار ساخنة

ياسمين الليبية.. لم تحمل كأس البطولة، لكنها حملت في قلبها تاجًا من الأخلاق، وانتزعت محبة الملايين

ياسمين الليبية.. لم تحمل كأس البطولة، لكنها حملت في قلبها تاجًا من الأخلاق، وانتزعت محبة الملايين

حسين السمنودي

ليست كل الانتصارات تُقاس بالكؤوس، وليست كل البطولات تُحسم فوق منصات التتويج، فهناك انتصارات لا تحتاج إلى ميداليات، وأبطال لا تعلن أسماؤهم مكبرات الصوت، وإنما تخلّدهم المواقف الإنسانية النبيلة التي تكشف عن معدن الإنسان وجمال روحه. وهذا بالضبط ما فعلته الطفلة الليبية ياسمين أوحيدة، التي ربما لم يحالفها الحظ في الحصول على كأس بطولة تحدي القراءة العربي لعام 2026، لكنها استطاعت في لحظات قليلة أن تحقق انتصارًا من نوع آخر، وأن تدخل قلوب الملايين من أوسع أبوابها.

في الوقت الذي كانت فيه الأنظار تتجه نحو منصة التتويج، احتفالًا بفوز ابنة مصر ميار محمد عثمان بلقب بطلة تحدي القراءة العربي، وسط أجواء من الفرحة والفخر والاعتزاز، كانت هناك طفلة ليبية تقف بعيدًا عن منصة الفائزين، لكنها كانت قريبة جدًا من قلوب كل من شاهدها. لم تنظر إلى ميار باعتبارها منافسة انتصرت عليها، ولم تسمح لخيبة عدم الفوز أن تسرق منها ابتسامتها، بل وقفت تصفق لها بحرارة، وتشاركها فرحتها بصدق وعفوية، وكأنها تقول للعالم كله إن نجاح الآخرين لا ينتقص من قيمة أحد، وإن القلوب الكبيرة تستطيع أن تفرح حتى عندما لا تكون هي صاحبة الجائزة.

كان مشهدًا بسيطًا في ظاهره، لكنه عظيم في معناه، مشهدًا اختصر الكثير من الدروس التي ربما تعجز صفحات طويلة من الكتب عن إيصالها. فكم من إنسان بالغ لا يستطيع أن يتقبل نجاح غيره، وكم من شخص تضيق نفسه عندما يرى زميلًا أو صديقًا أو قريبًا يحقق ما كان يتمناه لنفسه، بينما جاءت طفلة صغيرة لتقدم درسًا إنسانيًا راقيًا في المحبة والتسامح والرضا ونقاء القلب.

إن عظمة ياسمين لم تكن في أنها لم تحزن لعدم الفوز، فليس مطلوبًا من الإنسان ألا يشعر بالحزن عندما لا تتحقق أمنيته، ولكن العظمة الحقيقية أنها لم تسمح لمشاعر المنافسة أن تتحول إلى غيرة أو ضيق أو رفض لفرحة غيرها. لقد أدركت، بعفوية الأطفال ونقاء أرواحهم، أن ميار تستحق أن تفرح، وأن نجاحها لا يعني أن ياسمين أصبحت أقل قيمة أو أن مشاركتها فقدت معناها.

وهنا تكمن الرسالة الأعمق التي حملها هذا المشهد؛ فالإنسان لا يُقاس فقط بما يحققه لنفسه، وإنما يُقاس أيضًا بما يحمله قلبه تجاه الآخرين، وبقدرته على أن يصفق لنجاحهم دون أن يشعر بأن التصفيق لهم انتقاص من شأنه.

فالنجاح الحقيقي ليس أن تكون دائمًا في المقدمة، ولا أن تحصل في كل منافسة على المركز الأول، وإنما أن تخرج من المنافسة وأنت تحتفظ بأخلاقك، وتحترم الآخرين، وتعرف كيف تتعامل مع الفوز والخسارة بكرامة. ومن المؤسف أن بعض الناس يقضون أعمارهم في البحث عن الألقاب والمناصب والجوائز، وينسون أن الأخلاق هي الجائزة التي ينبغي ألا يخسرها الإنسان مهما كانت الظروف.

والأجمل في هذه الحكاية أن ياسمين ليست مجرد متسابقة عابرة وصلت إلى النهائيات، بل فتاة ليبية استطاعت أن ترفع اسم بلادها عاليًا، بعدما توجت بطلة لتحدي القراءة العربي على مستوى ليبيا، وتأهلت إلى قائمة أفضل ستة قراء على مستوى العالم في الموسم العاشر، بعد أن قرأت 85 كتابًا. وهذا وحده إنجاز يستحق الفخر والاحتفاء، ويؤكد أننا أمام فتاة تمتلك الطموح والاجتهاد والقدرة على المنافسة والتميز. 
وهنا ينبغي أن نتوقف قليلًا أمام معنى التربية الحقيقية؛ فالتربية ليست مجرد أن نعلم أبناءنا القراءة والكتابة والحساب، وليست أن نساعدهم على التفوق الدراسي والحصول على أعلى الدرجات والشهادات، وإنما أن نغرس في نفوسهم احترام الآخرين، وتقبل الاختلاف، والرضا بالنتائج، والقدرة على الاعتراف بتميز الآخرين دون شعور بالنقص أو الدونية.

إننا نعيش في زمن أصبحت فيه المنافسة في كثير من الأحيان معركة لا تقبل إلا فائزًا واحدًا، وأصبح البعض يعتقد أن نجاح الآخرين خصم من نجاحه، وأن تصدر شخص آخر للمشهد يعني بالضرورة تراجعه هو إلى الخلف. ولذلك نرى أحيانًا خصومات لا مبرر لها، وغيرة تفسد العلاقات، وحقدًا يقتل المودة، لمجرد أن إنسانًا استطاع أن يحقق ما لم يستطع غيره تحقيقه.

لكن ياسمين قدمت لنا صورة مختلفة تمامًا؛ صورة تقول إن الإنسان يستطيع أن ينافس بشرف، وأن يحلم بالفوز، وأن يبذل كل ما لديه من جهد، ثم يبتسم لغيره عندما يحالفه التوفيق. وهذا ليس ضعفًا ولا تنازلًا عن الطموح، بل هو قمة القوة النفسية والنضج الإنساني.

ولعل الرسالة الأجمل في هذا المشهد أن ياسمين وميار لم تكونا مجرد طفلتين تتنافسان على لقب، بل كانتا صورتين جميلتين لما ينبغي أن تكون عليه أجيالنا العربية؛ ميار تمثل الاجتهاد والطموح والتميز الذي توج بالفوز، وياسمين تمثل الأخلاق الرفيعة والروح الرياضية التي جعلت من لحظة خسارة المنافسة لحظة انتصار للمحبة والأخوة.

فمصر فرحت بابنتها ميار، وليبيا افتخرت بابنتها ياسمين، لكن المشهد تجاوز حدود البلدين، وأصبح فرحة عربية مشتركة، وكأن الطفلتين تقولان لنا إن ما يجمع أبناء الأمة أكبر بكثير مما يفرقهم، وإن العلم والثقافة والأخلاق جسور تستطيع أن تقرب المسافات بين الشعوب مهما اختلفت الحدود والجغرافيا.

ما أجمل أن تكون المنافسة بين أبناء العرب في ميادين العلم والمعرفة والقراءة، بدلًا من أن تستهلكهم الخلافات والخصومات! وما أجمل أن يرى الطفل العربي في نجاح أخيه العربي مصدرًا للفخر والسعادة، لا سببًا للغيرة والحسد!

إننا بحاجة إلى أن نعيد اكتشاف هذه المعاني في بيوتنا ومدارسنا ومؤسساتنا التعليمية، وأن نعلم أبناءنا أن الفوز ليس مبررًا للتكبر، وأن الخسارة ليست سببًا للانكسار، وأن احترام المنافس واجب أخلاقي قبل أن يكون سلوكًا رياضيًا أو ثقافيًا.

كما أن من الواجب ألا نختزل ياسمين في موقف التصفيق وحده، فهذه الفتاة اجتهدت وقرأت عشرات الكتب، ونافست آلاف الطلاب، ووصلت إلى واحدة من أهم المراحل في مسابقة عربية عالمية. ومن حقها أن نحترم جهدها ونحتفي بإنجازها العلمي، مثلما نحتفي بموقفها الإنساني. فالأخلاق والعلم جناحان لا ينبغي أن ينفصل أحدهما عن الآخر.

والرسالة هنا ليست لياسمين وحدها، ولا لميار وحدها، بل لكل أب وأم ومعلم ومربٍّ؛ ازرعوا في أبنائكم حب النجاح، لكن ازرعوا معه حب الخير للآخرين. علموهم أن يتمنوا لأنفسهم الأفضل، لكن دون أن يتمنوا لغيرهم الأسوأ. علموهم أن يفرحوا عندما ينجح صديقهم، وأن يساندوا زميلهم عندما يتعثر، وأن يمدوا أيديهم لمن يحتاج إلى المساعدة، لأن قيمة الإنسان الحقيقية تظهر في المواقف التي لا ينتظر فيها مقابلًا أو تصفيقًا.

وأقول للأخت ليبيا، أرض التاريخ والأصالة والرجال والنساء الذين يحملون في قلوبهم عزة الانتماء: افتخروا بياسمين، فقد قدمت صورة مشرفة عن الفتاة الليبية، وأثبتت أن أبناء ليبيا قادرون على تمثيل وطنهم في المحافل الدولية بالعلم والثقافة والأخلاق. لقد حملت اسم بلادها إلى قائمة أفضل القراء، ثم حملت محبتها إلى قلوب ملايين العرب.

وأقول لأهل مصر: كما فرحتم بميار، احتضنوا ياسمين بالمحبة، فهذه ابنة عربية تستحق أن نشعر تجاهها بالفخر والاعتزاز. فليس من الجمال أن نفرح لأبنائنا وحدهم، وإنما الجمال الأكبر أن تتسع قلوبنا لأبناء أشقائنا، وأن نعتبر نجاحهم نجاحًا لنا جميعًا.

إن أجمل ما في هذه الحكاية أن ميار لم تخسر شيئًا من فرحتها عندما صفقت لها ياسمين، وياسمين لم تخسر شيئًا من قيمتها عندما لم تحصل على الكأس، بل ربما كسبت كلتاهما شيئًا أكبر من الجائزة؛ إحداهما كسبت لقب البطولة، والأخرى كسبت محبة الملايين، وكلتاهما رفعتا راية العلم والأخلاق.

وفي النهاية، ستظل الكؤوس محفوظة في خزائن أصحابها، وقد تتغير الألقاب وتتبدل أسماء الفائزين من عام إلى آخر، لكن المواقف الإنسانية الصادقة تبقى حية في ذاكرة الناس، تنتقل من جيل إلى جيل، لأنها تلامس شيئًا عميقًا في النفس البشرية لا تستطيع الجوائز المادية أن تشتريه.

شكرًا ياسمين، لأنك ذكّرتِ الكبار قبل الصغار بأن الأخلاق ليست درسًا نقرأه في الكتب، وإنما سلوك نترجمه في المواقف. وشكرًا ميار، لأنك اجتهدتِ وحققتِ حلمك ورفعتِ اسم مصر عاليًا.

تحية من القلب إلى ليبيا ومصر، وإلى كل طفل عربي يؤمن بأن العلم طريق المجد، وأن المحبة لا تعرف حدودًا، وأن النجاح الحقيقي لا يكتمل إلا بالأخلاق.

فلتظل ميار نموذجًا للتفوق، ولتظل ياسمين نموذجًا لنبل المشاعر، ولنتذكر جميعًا أن هناك من يفوز بالكأس، وهناك من يفوز بالقلوب، وقليلون هم الذين يتركون أثرًا يجعلنا نؤمن أن الدنيا ما زالت بخير.

ميار عادت بالكأس إلى مصر، وياسمين عادت بمحبة الملايين إلى ليبيا، أما نحن فقد ربحنا منهما درسًا عربيًا جميلًا: قد تتعدد الأوطان، لكن القلوب الطيبة وطن واحد.
google-playkhamsatmostaqltradent