المجاهد مسعود سعيد مسعود أبو دخل الله المسعودي.. ابن المساعيد وجلبانة الذي حمل مصر في قلبه، وارتبط اسمه ببطولات المقاومة
د/حسين السمنودي
خلف خطوط الاحتلال
هناك رجال لا تحتاج سيرتهم إلى ضجيج حتى تظل حاضرة في ذاكرة الأوطان، وهناك أسماء قد لا يعرفها الكثيرون، لكنها تستحق أن تُكتب بحروف من نور في صفحات التاريخ؛ لأن أصحابها لم ينتظروا شهرة، ولم يبحثوا عن منصب أو مكسب، وإنما حملوا حب الوطن في قلوبهم، وجعلوا من التضحية والعطاء طريقًا يسيرون فيه دون تردد. ومن بين هؤلاء الرجال يبرز اسم المجاهد مسعود سعيد مسعود أبو دخل الله المسعودي، ابن قبيلة المساعيد العريقة، وأحد أبناء منظمة سيناء العربية، الذي ارتبطت سيرته بمرحلة من أصعب المراحل التي مرت بها مصر، وهي سنوات الاحتلال الإسرائيلي لسيناء عقب نكسة عام 1967.
إن الحديث عن المجاهد مسعود أبو دخل الله ليس مجرد استعادة لاسم من أسماء الماضي، وإنما هو حديث عن جيل كامل من أبناء سيناء الذين أثبتوا أن الانتماء للوطن لا تحدده المسافات ولا الظروف، وأن حب مصر لم يكن يومًا حكرًا على أبناء المدن الكبرى أو أصحاب المناصب، بل كان يسكن قلوب الرجال البسطاء الذين عاشوا فوق رمال سيناء، وتوارثوا حب الأرض والوفاء لها جيلًا بعد جيل.
إننا أمام سيرة رجل خرج من جذور قبلية أصيلة، من أبناء المساعيد الذين ارتبط اسمهم بتاريخ سيناء ومجتمعها، ومن عائلة دخل الله التي تستحق أن يُسلط الضوء على تاريخها وأصولها وحضورها بين أبناء القبيلة، وخاصة في جلبانة التابعة لمركز القنطرة شرق بمحافظة الإسماعيلية، تلك المنطقة التي تحمل في ذاكرتها حكايات أجيال من أبناء سيناء، وتضم عائلات وقبائل ارتبطت بالأرض ارتباطًا عميقًا.
وجلبانة ليست مجرد قرية تحمل اسمًا على خريطة مصر، بل هي جزء من الحكاية السيناوية، ومن الامتداد الاجتماعي والقبلي الذي حافظ على هويته وعاداته وتقاليده، رغم ما مرت به المنطقة من ظروف وتحديات. وفي هذه البيئة التي تعتز بالجذور والأصول، يبرز اسم المجاهد مسعود سعيد مسعود أبو دخل الله المسعودي، ليكون مناسبة للحديث عن الرجال الذين قدموا لوطنهم الكثير، وعن العائلات التي تستحق أن تُحفظ سيرتها للأجيال القادمة.
أما المساعيد، فهم من القبائل التي ارتبط اسمها بتاريخ طويل في سيناء، ولهم حضور اجتماعي وقبلي في عدد من المناطق، وتجمع أبناءهم روابط النسب والتاريخ والعادات والتقاليد. وقد ظل الاعتزاز بالانتماء إلى هذه القبيلة حاضرًا في نفوس أبنائها، ليس باعتباره مجرد لقب أو اسم عائلي، وإنما باعتباره امتدادًا لجذور وتاريخ ومسؤولية تجاه الأرض والأهل والوطن.
ومن بين الأسماء العائلية التي تستحق التوثيق والاهتمامن اسم عائلة دخل الله، وارتباطها بأبناء المساعيد في جلبانة. فالعائلة ليست مجرد مجموعة من الأسماء المتوارثة، بل هي تاريخ من الآباء والأجداد، وذاكرة تحمل مواقف الرجال وحكاياتهم، وتنتقل من جيل إلى جيل. ومن هنا فإن الحديث عن المجاهد مسعود أبو دخل الله يفتح الباب أمام ضرورة الاهتمام بتاريخ هذه العائلة، وجمع روايات كبارها، وتوثيق ما لديها من صور ووثائق وشهادات، حتى تبقى سيرة رجالها محفوظة ولا تضيع تفاصيلها مع مرور الزمن.
لقد كانت سيناء بعد عام 1967 أمام واقع شديد القسوة، بعدما وقعت أرضها تحت الاحتلال الإسرائيلي، وأصبح أبناؤها يعيشون ظروفًا استثنائية، لكن الاحتلال لم يستطع أن ينتزع من قلوبهم انتماءهم المصري، ولم تنجح محاولاته في فصل أبناء سيناء عن وطنهم. فقد ظل المصريون في سيناء متمسكين بهويتهم، مؤمنين بأن هذه الأرض مصرية، وأن الاحتلال مهما طال عمره لا يمكن أن يصبح قدرًا دائمًا.
وفي تلك السنوات الصعبة، ظهرت معادن الرجال، وتحولت الوطنية من مجرد شعور إلى مواقف وتضحيات. وكان أبناء سيناء يدركون أنهم أمام مسؤولية تاريخية، وأن عليهم أن يقفوا إلى جانب وطنهم وجيشهم، كلٌّ بما يستطيع، في مواجهة الاحتلال واستعادة الأرض.
ومن هنا جاء الدور الوطني لأبناء منظمة سيناء العربية، التي ارتبط اسمها بالمقاومة والعمل الوطني خلف خطوط العدو، وبالتعاون مع الجهات المصرية المختصة، وفي مقدمتها المخابرات الحربية، من أجل جمع المعلومات ومتابعة تحركات قوات الاحتلال ودعم جهود الدولة المصرية في معركة التحرير.
وفي هذا السياق تأتي سيرة المجاهد مسعود سعيد مسعود أبو دخل الله المسعودي، الذي تنسب إليه الرواية المتداولة عن حياته المشاركة في مهام وطنية تمثلت في رصد مواقع العدو الإسرائيلي، وجمع المعلومات عن تحركاته وإمكاناته، ومتابعة الطرق المؤدية إلى مواقعه، وتصوير بعض الأهداف المهمة، وإيصال المعلومات إلى الجهات المصرية المختصة.
ولعل الإنسان عندما يتأمل طبيعة تلك المهام يدرك أن الأمر لم يكن سهلًا، فالحياة في ظل الاحتلال كانت محفوفة بالمخاطر، وكانت كل خطوة تحتاج إلى حذر وصبر، وكل تحرك قد يضع صاحبه في مواجهة مباشرة مع قوات الاحتلال. وكان مجرد الاشتباه في تعاون أحد أبناء سيناء مع الدولة المصرية كفيلًا بأن يعرضه وأسرته لأخطار جسيمة.
وهنا تتجلى قيمة الوطنية الحقيقية؛ أن يؤدي الإنسان واجبه رغم الخوف، وأن يضع مصلحة وطنه فوق مصلحته الشخصية، وأن يدرك أن الأرض التي نشأ عليها ليست مجرد مكان يعيش فيه، وإنما أمانة يجب أن يحافظ عليها.
ولم يكن أبناء سيناء في تلك المرحلة مجرد شهود على ما يحدث فوق أرضهم، بل كان كثير منهم جزءًا من معركة استعادة الأرض، كل بحسب دوره وقدرته وظروفه. فمنهم من ساهم بالمعلومات، ومنهم من قدم الدعم، ومنهم من تحمل مخاطر الاحتلال، ومنهم من حافظ على الهوية المصرية في مواجهة محاولات طمسها. وهكذا كانت المقاومة الوطنية صورة متكاملة من صور الوفاء لمصر.
وحين جاءت حرب أكتوبر المجيدة عام 1973، كانت تضحيات أبناء سيناء جزءًا من الملحمة الوطنية الكبرى. فقد خاضت القوات المسلحة المصرية معركة العبور واستعادة الكرامة، وكان وراء هذا الانتصار رجال كثيرون عملوا في صمت، ولم تظهر أسماؤهم جميعًا في الكتب أو وسائل الإعلام، لكنهم كانوا جزءًا من الحكاية التي أعادت لمصر أرضها وكرامتها.
إننا عندما نذكر المجاهد مسعود أبو دخل الله، فإننا نذكر معه كل رجل سيناوي آمن بأن مصر تستحق التضحية، وكل ابن قبيلة لم يتخلَّ عن وطنه في وقت المحنة، وكل أسرة تحملت ظروفًا صعبة من أجل أن تبقى راية مصر مرفوعة فوق أرض سيناء.
وما أجمل أن نتوقف أمام هذه السيرة لنتحدث عن جلبانة وأهلها، وعن أبناء المساعيد الذين يعتزون بأصولهم وتاريخهم، وعن عائلة دخل الله التي يستحق اسمها أن يكون حاضرًا في ذاكرة المكان، لا من باب التفاخر المجرد، وإنما من باب الوفاء لكل من قدم شيئًا لوطنه.
إن قيمة العائلة لا تكمن فقط في قدم اسمها أو امتداد جذورها، بل في مواقف أبنائها، وفيما يتركونه من أثر طيب بين الناس. وحين يرتبط اسم أحد أبنائها بعمل وطني وتضحيات في زمن الاحتلال، فإن من حق الأجيال أن تعرف حكايته، وأن تبحث عن تفاصيل حياته، وأن تحفظ اسمه من النسيان.
ولعل أجمل ما يمكن أن تقدمه عائلة دخل الله اليوم هو أن تجمع كل ما لديها من ذكريات وشهادات وصور عن المجاهد مسعود، وأن توثق أسماء من عاصروه وعرفوا دوره، وأن تسجل ما يتناقله كبار العائلة عن تاريخها وصلاتها بأبناء المساعيد في جلبانة. فالتاريخ لا يُحفظ بالأمنيات وحدها، وإنما بالبحث والتوثيق والشهادات التي تنقل الحقيقة للأجيال.
إننا نريد لأبناء جلبانة أن يعرفوا أن قريتهم جزء من تاريخ سيناء الوطني، وأن أبناءها وعائلاتها ليسوا مجرد أسماء في سجلات الأحوال المدنية، وإنما لهم جذور وحكايات تستحق أن تُروى. ونريد لأبناء المساعيد أن يعتزوا بتاريخهم، وأن يجعلوا من هذا الاعتزاز حافزًا لخدمة وطنهم ومجتمعهم، وأن يدركوا أن شرف الانتماء إلى القبيلة يكتمل بالوفاء لمصر والعمل من أجل رفعتها.
كما أن من الواجب ألا ننسى أن البطولة ليست حكرًا على شخص واحد، وأن المجاهد مسعود أبو دخل الله، مهما كانت تفاصيل دوره التي تحتاج إلى مزيد من التوثيق، يمثل مناسبة لاستعادة ذاكرة جيل كامل من رجال سيناء الذين عاشوا زمن الاحتلال، وقدموا لوطنهم الكثير بعيدًا عن الأضواء.
فكم من رجل رحل دون أن يعرف الناس حجم ما قدمه؟ وكم من حكاية وطنية بقيت حبيسة ذاكرة الأسرة أو القرية؟ وكم من بطل لم تنصفه صفحات التاريخ لأنه لم يجد من يجمع شهاداته ويحفظ وثائقه؟ إن الوفاء الحقيقي لهؤلاء الرجال يبدأ من البحث عن سيرتهم، والاعتراف بما قدموه، وتعريف الأجيال الجديدة بتاريخهم.
إن أبناء سيناء لم يكونوا يومًا بعيدين عن مصر، ولم تكن سيناء في يوم من الأيام أرضًا منفصلة عن وجدان المصريين. إنها جزء من الوطن، وأرض مصرية عزيزة، وأهلها شركاء في تاريخها وحاضرها ومستقبلها. وقد أثبتت سنوات الاحتلال أن الانتماء لا يُقاس بالمكان الذي يعيش فيه الإنسان، وإنما بما يحمله قلبه من وفاء لوطنه.
واليوم، ونحن نستعيد اسم المجاهد مسعود سعيد مسعود أبو دخل الله المسعودي، فإننا لا نكتب من أجل الماضي وحده، وإنما نكتب من أجل المستقبل أيضًا، حتى يعرف أبناؤنا أن وراء كل شبر من أرض سيناء قصة، ووراء كل انتصار رجالًا، ووراء كل راية مرفوعة تضحيات لا ينبغي أن تُنسى.
رحم الله المجاهد مسعود سعيد مسعود أبو دخل الله المسعودي، ورحم كل من قدم روحه أو جهده أو عمره من أجل مصر، والتحية لأسرته وعائلته وأبناء قبيلته المساعيد في جلبانة والقنطرة شرق وسائر أنحاء الوطن.
وتحية لكل عائلات سيناء التي احتفظت بانتمائها المصري، ولكل رجل وقف مع وطنه في زمن المحنة، ولكل أم صبرت، ولكل أسرة تحملت، ولكل مجاهد عمل في صمت ولم ينتظر جزاءً أو شكورًا.
فيا أبناء جلبانة، احفظوا تاريخ رجالكم، ويا أبناء المساعيد، صونوا جذوركم واعتزوا بأصولكم، ويا أبناء عائلة دخل الله، لا تتركوا سيرة رجالكم تضيع في زحام السنوات، واجعلوا من ذكرى المجاهد مسعود أبو دخل الله بداية لعمل جاد يوثق تاريخ العائلة ودورها في المجتمع والوطن.
إن الرجال يرحلون، لكن مواقفهم تبقى، وإن الأجساد تفنى، لكن سير الشرفاء تظل حية في ضمير الأوطان.
فسيناء لم تكن يومًا مجرد أرض على حدود مصر، بل كانت وستظل حكاية وطن، وكرامة شعب، ووفاء رجال. والمجد لكل من جعل من حياته رسالة حب لمصر، والرحمة لكل من ضحى من أجل أن تبقى رايتها عالية خفاقة.