الإسماعيلية تعزف سيمفونية التراث العالمي.. مهرجان الفنون الشعبية يجمع ثقافات الشعوب على أرض مصر
حسين السمنودي
تواصل محافظة الإسماعيلية كتابة فصل جديد من فصول الإبداع والجمال، وهي تحتضن فعاليات الدورة السادسة والعشرين من مهرجان الإسماعيلية الدولي للفنون الشعبية، الذي تحولت مسارحه إلى لوحات فنية نابضة بالحياة، تلتقي فوقها حضارات الشعوب، وتتجاور فيها الأزياء التراثية والإيقاعات الموسيقية والرقصات الشعبية، في مشهد يؤكد أن الفن لغة عالمية قادرة على توحيد القلوب وتقريب المسافات بين الأمم، مهما اختلفت اللغات والثقافات والحدود.
وتأتي هذه الدورة لتؤكد المكانة التي تحتلها الإسماعيلية على خريطة المهرجانات الثقافية والفنية في مصر، باعتبارها مدينة تجمع بين عراقة التاريخ وجمال الطبيعة وموقعها الاستراتيجي على ضفاف قناة السويس، لتصبح خلال أيام المهرجان ملتقى للفن والتراث والإبداع، ونافذة تطل منها الجماهير المصرية على ثقافات متعددة، بينما تقدم الفرق المصرية للعالم صورة حية عن تنوع الشخصية المصرية وثراء موروثها الشعبي.
ويقام المهرجان برعاية الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بأعمال وزير الثقافة، واللواء نبيل حسب الله، محافظ الإسماعيلية، وتنظمه الهيئة العامة لقصور الثقافة برئاسة الفنان هشام عطوة، بالتعاون مع الإدارة المركزية للعلاقات الثقافية الدولية بوزارة الثقافة، وبالتنسيق مع وزارة الشباب والرياضة وهيئة التنشيط السياحي وهيئة قناة السويس، في إطار الجهود الرامية إلى دعم الفنون الشعبية والحفاظ على التراث الثقافي وتعزيز التواصل الإنساني بين الشعوب.
وعلى مسرح حديقة الشيخ زايد، قدمت فرقة أطفال الإسماعيلية للفنون الشعبية، بقيادة سيد شرقاوي، مجموعة من الفقرات التي عكست حيوية التراث المصري وروح الطفولة المفعمة بالبهجة، من خلال عروض «أبويا وصاني»، و«آه يا لالي»، و«شقاوة شاطينا»، لتؤكد هذه المشاركة أن الحفاظ على الهوية يبدأ من الأجيال الصغيرة، التي تتعلم منذ طفولتها كيف تعتز بتاريخها وفنون وطنها، وتحمل موروثه إلى المستقبل بروح متجددة.
وكان للحضور الجزائري مذاقه الخاص، إذ قدمت فرقة الجزائر للفنون الشعبية، بقيادة عبد المالك حميد، مجموعة من الرقصات التي استحضرت ملامح التراث الشعبي الجزائري، من بينها «الاستعداد للحرب»، و«الانتصار»، و«الشاوي»، و«النايلي»، لتكشف هذه العروض عن جانب من ثراء الثقافة الجزائرية وتنوعها، وتمنح الجمهور فرصة للتعرف على فنون شعب عربي يجمعه بالشعب المصري تاريخ طويل من الأخوة والتضامن والروابط الثقافية والإنسانية.
ومن روسيا جاءت الألوان والإيقاعات المختلفة مع فرقة كولوريت الروسية للفنون الشعبية، بقيادة يوليا ألكساندروفنا تشيرنيخ، التي قدمت رقصات مستوحاة من التراث الروسي، من بينها «ماتوشكا»، و«خوروفود»، و«كاتيوشا»، و«روسيا»، و«كوبان»، و«كومانِك»، و«ليبيودوشكا»، في عروض حملت ملامح البيئة الروسية وخصوصية موسيقاها وحركاتها الاستعراضية، لتؤكد أن لكل شعب حكايته التي يرويها عبر الفن، وأن اختلاف الألحان لا يمنع اتفاق البشر على حب الجمال والاحتفاء بالحياة.
وعلى مسرح نادي الأسرة، تواصلت الاحتفالية مع فرقة العريش للفنون الشعبية، بقيادة الفنان سامح الكاشف، التي قدمت فقرات «الدحية»، و«قيموا الأفراح»، و«الدبكة»، إلى جانب فاصل غنائي للفنان غريب مؤمن، في مشاركة تعكس أصالة التراث السيناوي وما يحمله من قيم الكرم والفرح والتكاتف الاجتماعي، وهي قيم متجذرة في وجدان أبناء سيناء، الذين يمثل تراثهم جزءًا أصيلًا من الهوية المصرية المتنوعة.
كما قدمت فرقة بني سويف للفنون الشعبية، بقيادة وائل عيد، مجموعة من الاستعراضات المستوحاة من التراث المصري، شملت فقرات «الصعيدي» و«النوبة»، إلى جانب رقصة التنورة التي جذبت اهتمام الجمهور، في صورة تعبر عن اتساع الخريطة الثقافية المصرية، من جنوب الوادي إلى شماله، ومن القرى والنجوع إلى المدن الكبرى، حيث يحتفظ كل إقليم بملامحه الفنية الخاصة التي تمنح الشخصية المصرية ثراءها وتفردها.
وكانت مشاركة فرقة النادي العام لهيئة قناة السويس لذوي الهمم، بقيادة المدربين الحسن والحسين الدكروني، من اللحظات التي تحمل رسالة إنسانية مهمة، بعدما قدم أعضاؤها استعراضات تراثية متنوعة شملت «السمسمية»، و«الفلاحي»، و«المانجا»، و«الصعيدي»، إلى جانب رقصة التنورة، وسط تفاعل وإعجاب الحضور. ولم تكن هذه المشاركة مجرد فقرات فنية على خشبة المسرح، بل كانت تأكيدًا عمليًا على أن الموهبة لا تعرف حدودًا، وأن الإبداع حق لكل إنسان، وأن إتاحة الفرصة أمام ذوي الهمم للمشاركة في الحياة الثقافية والفنية تمثل خطوة مهمة نحو مجتمع أكثر احتواءً وتقديرًا لقدرات أبنائه.
وفي القنطرة غرب، حضرت أسوان بتاريخها وخصوصيتها الثقافية عبر فرقة أسوان للفنون الشعبية، بقيادة مدحت محرم، التي قدمت عروضًا مستوحاة من التراث الأسواني، من بينها «تاتا»، و«الألعاب الشعبية»، و«الكف»، و«النجرشاد»، إلى جانب فواصل فنية للفنان حمادة حربي. وقد حملت هذه الفقرات إلى الجمهور أجواء الجنوب المصري بما يتميز به من إيقاعات مميزة وتقاليد راسخة واحتفالات شعبية توارثتها الأجيال، لتؤكد أن التراث الأسواني ليس مجرد ذكريات من الماضي، بل ثقافة حية تتجدد فوق المسارح وتظل حاضرة في وجدان المصريين.
وشاركت فرقة كفر الشيخ للفنون الشعبية، بقيادة إبراهيم عبد المقصود، بعروض متنوعة ضمت «الحضرة»، و«الغزل الفلاحي»، و«أفراح الحصاد»، و«الفرح»، وهي فقرات تعبر عن علاقة الإنسان المصري بأرضه ومواسم الزراعة ومظاهر الاحتفال والعمل الجماعي، وتكشف كيف تحولت تفاصيل الحياة اليومية في الريف المصري إلى أغانٍ ورقصات وموروثات فنية تنتقل من جيل إلى جيل.
واكتملت لوحة التنوع الثقافي بمشاركة فرقة شباب وشابات السلط الأردنية للفنون الشعبية، التي قدمت عروض الدبكة، بما تحمله من حركات جماعية وإيقاعات حماسية تعبر عن التراث الأردني وروح الانتماء والتماسك الاجتماعي. وجاءت هذه المشاركة لتؤكد عمق الروابط العربية، وأن الفنون الشعبية تظل من أهم الجسور التي تربط الشعوب بتاريخها المشترك، وتمنح الأجيال الجديدة فرصة للتعرف على عادات المجتمعات العربية وتقاليدها وملامح هويتها.
إن القيمة الحقيقية لهذا المهرجان لا تتوقف عند حدود العروض التي يشاهدها الجمهور، بل تمتد إلى دوره في صيانة التراث الشعبي من الاندثار، وإعادة تقديمه بصورة معاصرة تجذب الأطفال والشباب، وتمنح الفنانين فرصة للتعبير عن ثقافاتهم، كما تتيح تبادل الخبرات بين الفرق المشاركة، وتدعم حضور الفنون الشعبية باعتبارها جزءًا من الذاكرة الوطنية والإنسانية التي ينبغي الحفاظ عليها وتطويرها.
ويشارك في الدورة السادسة والعشرين خمس عشرة فرقة مصرية وأجنبية، تمثل ثماني دول هي روسيا ورومانيا ولبنان وتنزانيا والسودان والجزائر والأردن وإندونيسيا، إلى جانب فرق تابعة للهيئة العامة لقصور الثقافة، من بينها فرق الإسماعيلية وبني سويف والحرية بالإسكندرية والعريش وكفر الشيخ وأسوان وأطفال الإسماعيلية للفنون الشعبية، فضلًا عن مشاركة فرقتي القلوب البيضاء لذوي الهمم والقلوب البيضاء 2 التابعتين لمديرية الشباب والرياضة، وفرقة النادي العام لهيئة قناة السويس.
ويعكس هذا الحضور المتنوع حرص المهرجان على الجمع بين الفرق الدولية والفرق المصرية، بما يحقق التوازن بين الانفتاح على ثقافات العالم والاعتزاز بالهوية الوطنية، ويجعل من الإسماعيلية ساحة للتعارف الثقافي وتبادل الخبرات الفنية، وفرصة لتعريف الزائرين بما تمتلكه مصر من طاقات إبداعية وموروثات شعبية أصيلة.
كما يصاحب الفعاليات معرض للحرف البيئية، الذي يضيف بعدًا آخر إلى الاحتفال بالتراث، إذ لا تقتصر الهوية الشعبية على الرقصات والأغاني والأزياء، وإنما تشمل كذلك الصناعات اليدوية والحرف التقليدية التي تعبر عن مهارة الإنسان وارتباطه ببيئته، وتمثل مصدرًا مهمًا للحفاظ على الخبرات المتوارثة ودعم أصحاب الحرف وإبراز منتجاتهم أمام الجمهور.
وتتواصل العروض الفنية على عدد من مسارح المحافظة، حيث تستضيف حديقة الشيخ زايد ونادي الأسرة ونادي الدنفاه مجموعة من الفرق المصرية والأجنبية، في برنامج يتيح للجمهور متابعة ألوان متعددة من الفنون الشعبية، ويمنح مختلف مناطق الإسماعيلية فرصة المشاركة في هذه الأجواء الثقافية، بما يعزز وصول الأنشطة الفنية إلى المواطنين ويجعل الثقافة مساحة مفتوحة للجميع.
ومن المنتظر أن تختتم فعاليات المهرجان في الثامنة مساء الجمعة الموافق 16 أكتوبر، بحفل فني وتكريم الفرق المشاركة على مسرح قصر ثقافة الإسماعيلية، ليكون الختام تتويجًا لأيام من العروض التي جمعت الفنانين والجمهور حول رسالة واحدة، عنوانها أن التراث ليس ماضيًا نحتفظ به في الذاكرة فحسب، بل حياة تتجدد كلما وجد من يحمله ويقدمه للأجيال الجديدة.
وتبقى الإسماعيلية، من خلال هذا الحدث الثقافي، نموذجًا لمدينة تستطيع أن تجمع بين الفن والسياحة والثقافة والعمل المجتمعي، وأن تحول مسارحها وميادينها إلى مساحات للتواصل بين الشعوب، حيث تتجاور الدبكة مع التنورة، وتتلاقى الإيقاعات الجزائرية والروسية والأردنية مع الفنون المصرية الأصيلة، في مشهد يؤكد أن لكل أمة تراثها الذي تفخر به، وأن احترام ثقافات الآخرين لا ينتقص من الاعتزاز بالوطن، بل يزيده عمقًا واتساعًا.
إن مهرجان الإسماعيلية الدولي للفنون الشعبية ليس مجرد مناسبة للترفيه، بل رسالة حضارية تؤكد قدرة الفن على بناء جسور التفاهم، وترسيخ قيم التسامح والتنوع والانتماء، وتقديم صورة مشرقة عن مصر بوصفها وطنًا يحتضن الثقافات ويقدر الإبداع ويفتح أبوابه أمام الشعوب لتلتقي على أرضه في أجواء من المحبة والسلام.