الدكتور محمد عبد القادر.. حين تتحول إدارة المستشفى إلى صناعة للأمل وبناء للإنسان
حسين السمنودي
ليست كل القيادات سواء، فهناك من يتولى منصبًا فيصبح المنصب هو كل ما يشغله، وهناك من يتولى المسؤولية فيجعل منها مشروعًا متكاملًا للعمل والإنجاز، ويؤمن بأن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يحمله من ألقاب، وإنما بما يتركه من أثر في حياة الآخرين. وبين هذين النموذجين تظهر قيمة القيادة الحقيقية، التي لا تكتفي بإدارة الواقع، بل تسعى إلى تغييره وصناعة مستقبل أفضل.
وعندما نتحدث عن الدكتور محمد عبد القادر، مدير عام مستشفى الصالحية الجديدة المركزي، فإننا لا نريد أن نكرر حديثًا تقليديًا عن طبيب يؤدي واجبه أو مسؤول يجلس على مقعد الإدارة، وإنما نريد أن نتوقف أمام تجربة تستحق التأمل في طبيعة المسؤولية الطبية والإدارية، وفي الدور الذي يمكن أن يؤديه قائد شاب داخل مؤسسة تمس حياة الناس بصورة مباشرة.
فإدارة المستشفى ليست مهمة سهلة، وليست مجرد توزيع للأعمال أو متابعة للحضور والانصراف أو مراجعة للأوراق والتقارير، إنها مسؤولية ثقيلة تتشابك فيها آلاف التفاصيل، ويقف خلف كل تفصيلة منها إنسان ينتظر العلاج، وأسرة تتعلق بالأمل، وطبيب يحتاج إلى بيئة عمل تساعده على أداء رسالته، وممرض يحمل على عاتقه مسؤولية رعاية المرضى، وفني وعامل لكل منهما دور لا يمكن الاستغناء عنه.
وهنا تظهر حقيقة القيادة الإدارية؛ فالمدير الناجح ليس من يستطيع إصدار التعليمات فقط، وإنما من يستطيع أن يجعل كل فرد داخل المؤسسة يشعر بأن نجاحه جزء من نجاح المنظومة كلها، وأن العمل الجماعي هو الطريق الوحيد لتحقيق نتائج حقيقية.
إن الدكتور محمد عبد القادر يمثل نموذجًا يستحق أن نتحدث عنه من هذه الزاوية، زاوية بناء المؤسسة الصحية، وليس مجرد إدارة مبنى طبي. فالمستشفى الناجح لا تصنعه الأجهزة وحدها، ولا الجدران الحديثة، ولا اللافتات التي تحمل أسماء الأقسام، وإنما تصنعه منظومة متكاملة تعرف كيف تعمل، وكيف تتعاون، وكيف تتعامل مع الأزمات، وكيف تجعل مصلحة المريض هي الأولوية الأولى.
ولعل من أبرز الشواهد التي تستحق التوقف أمامها تلك الواقعة الإنسانية التي شهدها المستشفى، عندما استقبل فتاة مجهولة الهوية تعرضت لحادث، وكانت تعاني إصابات جسدية ومشكلات نفسية، وظلت داخل المستشفى قرابة ثلاثة أشهر تتلقى الرعاية الطبية والنفسية، حتى جرى التوصل إلى أسرتها بمحافظة الفيوم، وعادت إليها بعد غياب دام عشر سنوات كاملة.
تأملوا المشهد جيدًا؛ فتاة لا تعرف أسرتها أين توجد، وأسرة لا تعرف مصير ابنتها، وبينهما مستشفى لم يتعامل مع الحالة باعتبارها مجرد مريضة انتهى دور المؤسسة معها بتقديم العلاج، بل امتدت الرعاية إلى الجانب النفسي والاجتماعي، واستمرت المتابعة حتى جاءت اللحظة التي عادت فيها الابنة إلى أحضان أسرتها.
هذه ليست مجرد واقعة علاجية، بل رسالة عميقة عن معنى المؤسسة الصحية عندما تتجاوز حدود دورها التقليدي، وتصبح جزءًا من حماية الإنسان واستعادة حياته وكرامته وروابطه الأسرية. وقد أشاد وكيل وزارة الصحة بالشرقية بالدور الذي قامت به إدارة المستشفى والعاملون فيه، ومن بينهم الدكتور محمد عبد القادر، في متابعة الحالة حتى عودتها إلى أسرتها.
ومن زاوية أخرى، هناك إنجاز طبي يحمل دلالة مهمة على أهمية التطوير المستمر، ففي فبراير 2026 شهد مستشفى الصالحية الجديدة نجاح أول جراحة من نوعها بالمستشفى لتصليح الإحليل السفلي لطفلين يبلغان من العمر خمس سنوات، بمشاركة فريق طبي متخصص، وبإشراف الدكتور محمد عبد القادر.
وهنا لا نتحدث عن نجاح عمليتين جراحيتين فقط، بل عن أهمية توسيع نطاق الخدمات الطبية التي تستطيع المستشفيات تقديمها لأبناء المناطق والمدن المحيطة، بما يفتح آفاقًا جديدة أمام المرضى للحصول على خدمات تخصصية دون أن تكون المسافة أو الانتقال إلى أماكن بعيدة عبئًا إضافيًا عليهم.
وهذا هو أحد المعايير المهمة التي ينبغي أن نقيس بها نجاح أي إدارة صحية: هل تستطيع المؤسسة أن تتطور؟ هل تستطيع أن تستضيف الخبرات الطبية المتخصصة؟ هل تستطيع أن تهيئ المناخ المناسب لنجاح الفرق الطبية؟ وهل تستطيع أن تجعل من إمكاناتها نقطة انطلاق لخدمات أكثر تنوعًا وجودة؟
إن هذه الأسئلة تضعنا أمام جانب مهم من شخصية المدير الناجح، وهو الجانب العملي الذي لا ينفصل فيه التخطيط عن التنفيذ، ولا تنفصل فيه الرؤية عن متابعة التفاصيل.
فالعمل الإداري داخل المستشفى يحتاج إلى عقل منظم يستطيع قراءة احتياجات الأقسام، وتحديد الأولويات، والتعامل مع الموارد المتاحة بحكمة، ومتابعة جاهزية الأجهزة والمستلزمات، وتحقيق التنسيق بين مختلف التخصصات. كما يحتاج إلى قدرة على احتواء المشكلات قبل أن تتفاقم، وإلى حزم يضمن الانضباط، وعدالة تحفظ حقوق العاملين، ووعي يجعل المريض في مقدمة الاهتمامات.
ولا يمكن أن نغفل أن الطبيب الذي يتولى مسؤولية الإدارة يعيش تحديًا مضاعفًا؛ فهو مطالب بأن يفهم طبيعة العمل الطبي من الداخل، وأن يدرك في الوقت نفسه أن الإدارة علم وفن ومسؤولية، وأن القرار الإداري في المستشفى قد ينعكس على سلامة مريض، أو راحة طبيب، أو قدرة قسم كامل على أداء عمله.
ومن هنا تأتي أهمية امتلاك المدير للرؤية الشاملة، فلا ينشغل بجزء وينسى بقية الأجزاء، ولا ينجح قسم على حساب قسم آخر، وإنما يعمل على تحقيق التكامل بين الجميع.
والقيادة الحقيقية أيضًا لا تعني أن ينسب المسؤول كل نجاح إلى نفسه، بل أن يعرف كيف يكتشف الكفاءات، ويمنحها الفرصة، ويشجع أصحاب الخبرة، ويستثمر طاقات الشباب، ويصنع فريقًا يشعر أفراده بأنهم شركاء في رسالة واحدة.
فالمستشفى لا يقف على أكتاف مديره وحده، وإنما يقف على أكتاف أطبائه وتمريضه وصيادلة وفنييه وإدارييه وعماله، وكل يد تعمل بإخلاص داخل هذه المنظومة تستحق التقدير والاحترام.
ولذلك فإن الإشادة بالدكتور محمد عبد القادر لا ينبغي أن تكون على حساب أي فرد من أفراد هذه المنظومة، بل إن تقدير القيادة الحقيقية يبدأ من الاعتراف بجهود الفريق الذي يعمل معها، لأن أعظم ما يمكن أن يحققه المدير هو أن يصنع فريقًا ناجحًا يستطيع أن يواصل العمل والإنجاز.
أما الجانب الإنساني، فهو الذي يمنح كل هذه الجهود معناها الحقيقي. فالمريض لا يدخل المستشفى وهو في أفضل حالاته، بل يأتي محملًا بالخوف والألم والقلق، وربما لا يعرف كيف ستنتهي رحلته العلاجية. وفي هذه اللحظات تصبح طريقة التعامل معه جزءًا من تجربته العلاجية، ويصبح احترامه والاستماع إليه وتقدير ظروفه مسؤولية لا تقل أهمية عن أي إجراء طبي.
إن المستشفى الحكومي يمثل خط الدفاع الصحي الأول بالنسبة إلى قطاعات واسعة من المواطنين، ولذلك فإن تطويره ليس رفاهية، بل ضرورة اجتماعية ووطنية. وكل نجاح يتحقق داخله ينعكس على أسر كثيرة، وكل خدمة جديدة يتم توفيرها قد تختصر رحلة معاناة طويلة، وكل قرار إداري صحيح قد يفتح بابًا للأمل أمام مريض كان يظن أن العلاج بعيد المنال.
والصالحية الجديدة مدينة تستحق منظومة صحية تليق بأبنائها وبأهميتها، وتخدم كذلك المناطق والقرى المحيطة بها، وتواكب ما تشهده الدولة المصرية من اهتمام بتطوير القطاع الصحي والارتقاء بمستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.
ومن هنا فإن مسؤولية الدكتور محمد عبد القادر تتجاوز حدود متابعة العمل اليومي، لتشمل المشاركة في بناء مؤسسة قادرة على التطور والاستجابة لاحتياجات المجتمع، والاستفادة من الخبرات الطبية، ورفع كفاءة الأداء، وتعزيز الثقة بين المواطن والمستشفى.
إننا نحتاج إلى مسؤولين ينظرون إلى مواقعهم باعتبارها تكليفًا لا تشريفًا، وإلى الشباب الذين يتولون مواقع القيادة باعتبارهم أصحاب فرصة لإثبات القدرة على الإنجاز، لا مجرد أسماء جديدة تضاف إلى قائمة المناصب.
ونحتاج أيضًا إلى ثقافة مجتمعية لا تكتفي بالانتقاد، ولا توزع عبارات المديح بلا معيار، وإنما تنصف من يعمل، وتدعم التجارب الجادة، وتطالب بالمزيد من التطوير، لأن المؤسسات العامة ملك للمواطن، ونجاحها مكسب للجميع.
والرسالة التي نريد أن تصل من الحديث عن الدكتور محمد عبد القادر هي أن الطبيب يستطيع أن يكون قائدًا، وأن المدير يستطيع أن يكون صاحب رسالة، وأن المؤسسة الصحية تستطيع أن تكون أكثر من مكان يقدم العلاج؛ يمكنها أن تكون مساحة للرحمة، وميدانًا للعلم، ومدرسة للانضباط، ومصدرًا للأمان المجتمعي.
فالتاريخ لا يتذكر المسؤول بعدد السنوات التي قضاها على كرسي الإدارة، وإنما بما تركه من أثر في المؤسسة التي تولى قيادتها، وبما ساهم في بنائه من قدرات، وما ساعد على تحقيقه من إنجازات، وما زرعه من ثقة في نفوس الناس.
تحية تقدير للدكتور محمد عبد القادر، ولكل طبيب وممرض وفني وإداري وعامل يحمل أمانة العمل داخل مستشفى الصالحية الجديدة. فالمعركة الحقيقية ليست فقط في مواجهة المرض، وإنما أيضًا في بناء منظومة صحية تليق بالإنسان المصري، وتحفظ كرامته، وتمنحه حقه في الرعاية والأمل.
فالمسؤول الناجح لا يترك وراءه مكتبًا شغله، بل يترك مؤسسة أقوى، وفريقًا أكثر قدرة، ورسالة إنسانية تظل حاضرة في حياة الناس.