recent
أخبار ساخنة

الإسماعيلية.. عيد البطولة والفداء، يوم كتب أبناء القناة بدمائهم صفحة خالدة في تاريخ الوطنية المصرية

الإسماعيلية.. عيد البطولة والفداء، يوم كتب أبناء القناة بدمائهم صفحة خالدة في تاريخ الوطنية المصرية

حسين السمنودي

في السادس عشر من أكتوبر، تحتفل محافظة الإسماعيلية بعيدها القومي، ذلك اليوم الذي يستدعي إلى ذاكرة المصريين واحدة من أروع صفحات النضال الوطني، حين وقف أبناء الإسماعيلية في وجه قوات الاحتلال الإنجليزي، وأثبتوا أن إرادة الشعوب الحرة لا تنكسر أمام السلاح، وأن الأوطان لا يحميها إلا أبناؤها المخلصون الذين يضعون كرامتها فوق كل اعتبار، ويقدمون أرواحهم فداءً لترابها الغالي.
إن عيد الإسماعيلية ليس مجرد مناسبة تمر في صفحات التقويم، ولا احتفالًا محليًا يخص أبناء المحافظة وحدهم، بل هو يوم وطني يحمل في طياته معاني التضحية والصمود والكرامة، ويعيد إلى الأذهان مشاهد البطولة التي سطرها أبناء مدن القناة في مواجهة الاحتلال البريطاني، عندما أدركوا أن الدفاع عن الوطن مسؤولية لا يمكن التنازل عنها، وأن الحرية لا تُمنح للشعوب على طبق من ذهب، وإنما تنتزعها بإرادتها وصمودها وتضحيات أبنائها.
لقد ارتبط تاريخ الإسماعيلية بالنضال الوطني ارتباطًا وثيقًا، فهذه المدينة التي نشأت على ضفاف قناة السويس، وأصبحت واحدة من أهم مدن مصر الاستراتيجية، لم تكن يومًا مجرد موقع جغرافي على خريطة الوطن، بل كانت ساحة من ساحات المقاومة، وموطنًا لرجال ونساء آمنوا بأن مصر تستحق أن يعيش أبناؤها أحرارًا على أرضها، بعيدًا عن سيطرة الاحتلال وهيمنته.
وفي الخامس والعشرين من يناير عام 1952، وقعت واحدة من أشهر المواجهات في تاريخ الشرطة المصرية، عندما حاصرت القوات البريطانية مبنى محافظة الإسماعيلية، وطالبت رجال الشرطة المصرية بتسليم أسلحتهم وإخلاء المبنى، لكن رجال الشرطة رفضوا الاستسلام، وتمسكوا بمواقعهم رغم الفارق الكبير في العدد والعتاد، لتندلع مواجهة غير متكافئة انتهت باستشهاد وإصابة عدد من رجال الشرطة، الذين اختاروا المواجهة دفاعًا عن كرامة وطنهم وواجبهم الوطني.
لم يكن هؤلاء الرجال يبحثون عن مجد شخصي أو شهرة عابرة، ولم يكونوا يتوقعون أن تتحول أسماؤهم إلى رموز خالدة في الذاكرة المصرية، لكنهم كانوا يؤمنون بأن هناك لحظات يصبح فيها التراجع تنازلًا عن الكرامة، وأن الدفاع عن الوطن واجب لا تسقطه صعوبة الظروف ولا ترهب أبناءه قوة المعتدي. ولهذا بقيت بطولتهم علامة مضيئة في تاريخ الشرطة المصرية، وأصبح يوم الخامس والعشرين من يناير عيدًا للشرطة، تخليدًا لذكرى شهدائها وتضحيات رجالها.
أما السادس عشر من أكتوبر، فهو اليوم الذي تحتفل فيه الإسماعيلية بعيدها القومي، تخليدًا لذكرى خروج آخر جندي بريطاني من المدينة عام 1951، بعد سنوات من النضال الوطني والمقاومة الشعبية ضد الوجود البريطاني في منطقة القناة. وقد حمل هذا الحدث دلالة كبيرة على قدرة أبناء الإسماعيلية ومدن القناة على التمسك بحقهم في الحرية والاستقلال، وعلى أن الاحتلال مهما طال وجوده، لا يستطيع أن يمحو إرادة شعب يرفض الخضوع ويتمسك بأرضه وكرامته.
ومن هنا، فإن الإسماعيلية تستحق أن تستعيد في عيدها القومي صفحات تاريخها بكل فخر واعتزاز، وأن يتذكر أبناؤها أن ما ينعمون به اليوم من أمن واستقرار وحرية هو ثمرة تضحيات أجيال سابقة دفعت أثمانًا باهظة من دمائها وأعمارها، حتى تبقى مصر حرة مستقلة، قادرة على حماية أرضها وصون كرامة شعبها.
يا أبناء الإسماعيلية، إنكم تنتمون إلى محافظة تحمل في ذاكرتها تاريخًا من المقاومة والعمل الوطني، وتحتفظ أرضها بحكايات رجال لم ترهبهم قوة الاحتلال، ولم تجعلهم تهديداته يتخلون عن واجبهم تجاه وطنهم. إن تاريخكم ليس مجرد حكايات تروى في المناسبات، بل هو أمانة ينبغي أن تنتقل من جيل إلى جيل، حتى يعرف أبناؤنا أن الوطنية ليست كلمات تُقال، ولا شعارات تُرفع، وإنما سلوك يومي يتجسد في الإخلاص في العمل، واحترام القانون، والحفاظ على الممتلكات العامة، ومساندة المحتاج، والدفاع عن وحدة المجتمع، والمشاركة في بناء المستقبل.
وفي هذه المناسبة العزيزة، يجب أن نتذكر أن حب الوطن لا يقتصر على استحضار بطولات الماضي، مهما كانت عظيمة، وإنما يمتد إلى مسؤوليتنا عن الحاضر والمستقبل. فكما قاوم الآباء والأجداد الاحتلال دفاعًا عن الأرض والكرامة، فإن واجب الأجيال الجديدة أن تقاوم الجهل والتخلف والإهمال، وأن تتسلح بالعلم والمعرفة والأخلاق، وأن تجعل من العمل والإنتاج والإتقان طريقًا حقيقيًا لخدمة مصر. فالوطن الذي ضحى أبناؤه من أجله يستحق أن يجد أبناءه اليوم على قدر المسؤولية، وأن تتحول محبتهم له إلى إنجازات ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
وتظل الإسماعيلية، بموقعها المتميز على ضفاف قناة السويس، جزءًا مهمًا من تاريخ مصر وحاضرها ومستقبلها، فهي مدينة القناة التي شهدت تحولات كبرى في تاريخ البلاد، وعاشت أفراح الانتصارات وآلام الحروب، واحتفظت بملامح الشخصية المصرية التي تجمع بين الشجاعة والصبر والقدرة على تجاوز المحن. ومن واجبنا أن نواصل العمل من أجل تنميتها، وتحسين الخدمات المقدمة لأبنائها، ودعم شبابها، والاهتمام بقراها ومدنها، والحفاظ على طابعها الحضاري، حتى تظل جديرة بتاريخها ومكانتها.
كما أن الوفاء الحقيقي لشهداء الإسماعيلية لا يكون بإطلاق الكلمات الرنانة وحدها، بل بالاهتمام بأسر الشهداء، وتخليد ذكراهم، وتعريف الطلاب بتاريخهم، وإقامة الفعاليات التي تشرح للأجيال الجديدة كيف واجه المصريون الاحتلال، وكيف تحولت التضحيات الفردية إلى قوة وطنية ساهمت في استعادة الاستقلال وبناء الدولة الحديثة. فالأمم التي تحفظ تاريخها تعرف كيف تحمي حاضرها، والشعوب التي تكرم أبطالها تمنح أبناءها نماذج حية في الشجاعة والانتماء والإخلاص.
إن السادس عشر من أكتوبر سيظل مناسبة يتجدد فيها العهد بين أبناء الإسماعيلية ووطنهم، عهدٌ بأن تبقى مصر فوق كل اعتبار، وأن تظل كرامتها مصونة، وأن تتقدم مصالحها الوطنية على كل مصلحة ضيقة، وأن يظل أبناؤها على اختلاف أعمارهم ومهنهم صفًا واحدًا في مواجهة التحديات، يعملون من أجل الاستقرار والتنمية والعدالة والرخاء.
وفي عيدها القومي، نوجه التحية إلى الإسماعيلية وأبنائها، وإلى كل من قدم تضحية من أجل هذه الأرض، وإلى رجال الشرطة الذين واجهوا قوات الاحتلال في الخامس والعشرين من يناير عام 1952، وإلى كل شهداء الوطن الذين قدموا حياتهم دفاعًا عن مصر وكرامتها. ونستحضر بكل إجلال أرواح الذين رحلوا، تاركين وراءهم درسًا خالدًا يقول إن الوطن لا ينهض إلا بسواعد أبنائه، ولا يحيا كريمًا إلا حين يدرك أبناؤه قيمة التضحية والمسؤولية والانتماء.
كل عام والإسماعيلية شامخة بتاريخها، عزيزة بأبنائها، متمسكة بهويتها الوطنية، وكل عام ومصر بخير وأمان واستقرار. ستظل الإسماعيلية صفحة مضيئة في كتاب الوطنية المصرية، وستبقى حكاية أبنائها الذين واجهوا الاحتلال شاهدًا على أن الشعوب التي تعرف قيمة أرضها لا تنسى أبطالها، وأن دماء الشهداء تظل أمانة في أعناق الأحياء، تدعوهم إلى العمل والبناء والحفاظ على الوطن الغالي.
تحية من القلب إلى الإسماعيلية في عيدها القومي، وتحية إلى كل مصري جعل من حب الوطن عملًا، ومن الانتماء مسؤولية، ومن التضحية طريقًا نحو الحرية والكرامة.
google-playkhamsatmostaqltradent