الأزهر الشريف وحقن دماء المسلمين.. حين يصبح صوت الحكمة ضرورة سياسية
حسين السمنودي
في لحظات الاضطراب التي تمر بها المنطقة العربية، حين تتشابك الحسابات السياسية والعسكرية، وتتصاعد الصراعات على أرض اليمن، وتزداد المخاوف من اتساع دائرة المواجهة بين القوى الإقليمية، يبرز دور الأزهر الشريف باعتباره مؤسسة دينية وعلمية عريقة، لا تقف رسالتها عند حدود الوعظ والإرشاد، وإنما تمتد إلى ترسيخ قيم السلام، وحماية المجتمعات من الفتن، والدعوة إلى حقن دماء المسلمين وصيانة مقدرات الشعوب العربية.
إن ما تشهده المنطقة من خلافات وصراعات يفرض علينا أن نعيد النظر في مفهوم القوة، وأن ندرك أن انتصار طرف سياسي أو عسكري لا يعني بالضرورة انتصار الأمة، وأن خسارة الأرواح وتمزق المجتمعات وانهيار مؤسسات الدول قد تترك آثارًا تمتد لعقود طويلة، حتى بعد توقف المدافع وانتهاء المعارك.
وتأتي الأزمة اليمنية في مقدمة الملفات التي تكشف حجم التعقيد الذي تعيشه المنطقة؛ فاليمن ليس مجرد ساحة صراع بين أطراف متنافسة، بل هو دولة عربية يعيش شعبها تداعيات سنوات طويلة من الحرب والانقسام والأزمات الإنسانية والاقتصادية. وأي تصعيد جديد على أرضه لا يمكن النظر إليه بمعزل عن أمن البحر الأحمر، والملاحة الدولية، وأمن دول الخليج، والعلاقات بين العواصم العربية، فضلًا عن التداخلات الإقليمية والدولية التي جعلت الوصول إلى تسوية سياسية مهمة شديدة الصعوبة.
ومن هنا، فإن الحديث عن تكتلات عربية في مواجهة الحوثيين، أو عن اختلاف المواقف العربية تجاه مستقبل اليمن، يجب أن يُقرأ في إطار المصالح الوطنية والأمن القومي لكل دولة، مع ضرورة التمييز بين حماية الأمن الإقليمي وبين تحويل الخلافات السياسية إلى صراع مفتوح يدفع المدنيون ثمنه. فالدول العربية، مهما اختلفت تقديراتها ومواقفها، تظل مطالبة بالبحث عن مساحات مشتركة تمنع انفجار الأزمات وتحول دون انتقال الصراع من جبهة إلى أخرى.
ولا يعني رفض استهداف المدنيين أو الدعوة إلى الحوار تجاهل المخاوف الأمنية التي تطرحها الهجمات على الأراضي والمنشآت والممرات البحرية، كما لا يعني الدفاع عن حق الدول في حماية أمنها منح أي طرف حق إشعال الحروب أو توسيعها دون حساب لعواقبها. فالمعيار الذي ينبغي أن يحكم الجميع هو احترام حياة الإنسان، وسيادة الدول، والقانون الدولي، والعمل الجاد من أجل تسوية سياسية تضمن الأمن والاستقرار.
وفي هذا المشهد المعقد، تتجلى أهمية الأزهر الشريف بوصفه مؤسسة تستطيع أن تسهم في تخفيف حدة الاستقطاب، وتأكيد أن الخلاف السياسي لا يجوز أن يتحول إلى خصومة دينية، وأن الاختلاف بين المسلمين لا يبيح تكفير أحدهم أو استباحة دمه أو التحريض عليه. فحرمة الدماء ليست شعارًا يُرفع عند الحاجة ثم يُنسى عند اشتداد الخصومات، وإنما هي مبدأ أصيل يجب أن يظل حاضرًا في الخطاب الديني والسياسي على السواء.
إن مسؤولية الأزهر لا تقتصر على إصدار البيانات أو إطلاق النداءات العامة، بل تمتد إلى نشر الوعي الديني الصحيح، ومواجهة خطاب الكراهية، وتوضيح خطورة توظيف الدين لتبرير العنف، وتعزيز ثقافة المصالحة بين المجتمعات المتنازعة. كما أن علماءه وخطباءه ومؤسساته التعليمية يستطيعون أداء دور مهم في حماية الشباب من الانجرار وراء الدعاية الطائفية، التي تصنع من الاختلاف المذهبي جدارًا يفصل بين أبناء الأمة الواحدة.
ولعل أخطر ما تواجهه المنطقة اليوم هو أن تتحول الخلافات السياسية إلى انقسامات عربية عربية، وأن تصبح كل أزمة فرصة لتوسيع الهوة بين الدول بدلًا من البحث عن حلول مشتركة. فحين تتعدد مراكز الصراع، وتتعارض الأولويات، وتغيب الثقة، تصبح الشعوب هي الخاسر الأكبر، بينما تتراجع فرص التنمية والإعمار وتزداد الأعباء الاقتصادية والاجتماعية.
إن اليمن يحتاج إلى أكثر من الاصطفافات العسكرية؛ يحتاج إلى دولة قادرة على حماية مواطنيها، ومؤسسات تعمل لمصلحة شعبها، وتسوية سياسية لا تقوم على فرض الإرادة بالقوة، بل على التفاهم وضمان الحقوق والمشاركة في إدارة المستقبل. كما يحتاج إلى دعم عربي يضع إنهاء معاناة اليمنيين في مقدمة الأولويات، ويجمع بين حماية الأمن الإقليمي وتوفير فرص حقيقية للسلام.
وهنا يمكن للأزهر الشريف أن يضطلع بدور داعم للمساعي الدبلوماسية، من خلال خطاب ديني جامع، واتصالات علمائية وثقافية، ومبادرات للحوار بين المكونات الاجتماعية والمذهبية، مع التأكيد أن معالجة النزاعات المسلحة مسؤولية سياسية وقانونية تتطلب مشاركة الدول المعنية والأطراف اليمنية والجهات الدولية ذات الصلة، ولا يمكن أن تحل المؤسسة الدينية وحدها محل التفاوض السياسي أو مؤسسات الدولة.
إن قوة الأزهر الحقيقية تكمن في قدرته على الجمع بين ثوابت الدين ومتطلبات الواقع، وبين رفض الظلم ورفض الانتقام، وبين الدفاع عن حقوق الشعوب والتحذير من الفوضى. فالدعوة إلى السلام لا تعني الاستسلام للعدوان، كما أن حماية الأمن لا تعني إهدار الحقوق، والتمسك بوحدة الأمة لا يعني إلغاء الاختلافات السياسية، وإنما يعني إدارتها بعيدًا عن التكفير والتحريض وسفك الدماء.
إن المنطقة العربية تقف أمام اختبار حقيقي: إما أن تنتصر لغة العقل والحوار والتفاهم، وإما أن تستمر دوائر الصراع في استنزاف الإنسان والأرض والاقتصاد. وفي هذا الاختبار، يظل صوت الأزهر الشريف مطلوبًا بقوة؛ صوتًا يذكّر الجميع بأن دم المسلم ليس ورقة في لعبة السياسة، وأن دم المدني البريء لا ينبغي أن يكون ثمنًا لتصفية الحسابات، وأن الخلافات مهما بلغت حدتها لا تسقط حق الإنسان في الحياة والأمان والكرامة.
فالأمة التي تريد حماية مستقبلها لا يكفيها أن تمتلك أدوات القوة، بل تحتاج أيضًا إلى حكمة تمنع استخدامها في غير موضعها، وإرادة سياسية تحول دون الانقسام، ومرجعية أخلاقية تضع الإنسان في مقدمة الحسابات. وتلك هي الرسالة التي ينبغي أن يحملها الأزهر الشريف، بالتعاون مع المؤسسات الدينية والسياسية العربية، من أجل حقن الدماء، وحماية وحدة المجتمعات، وفتح أبواب السلام أمام اليمن والمنطقة بأسرها.