الشيخ سعيد سالم حسين عقيل.. سيرة رجل حمل راية المساعيد وترك إرثًا من الوطنية والإصلاح في جلبانة
حسين السمنودي
هناك رجال لا تقاس أعمارهم بعدد السنوات التي عاشوها، وإنما بما تركوه من أثر في قلوب الناس، وما قدموه من عطاء لأهلهم وقبيلتهم ووطنهم. رجال تمر الأيام وترحل الأجساد، لكن مواقفهم تظل حاضرة، وسيرتهم الطيبة تبقى شاهدًا على أنهم عاشوا من أجل الآخرين، وجعلوا من خدمة الناس رسالة لا تنتظر مقابلًا. ومن هؤلاء الرجال الراحل الشيخ سعيد سالم حسين عقيل، شيخ قبيلة المساعيد بجلبانة، الذي ترك خلفه سيرة عطرة وتاريخًا مشرفًا من الحكمة والوطنية والإصلاح.
لم يكن الشيخ سعيد مجرد شيخ قبيلة أو صاحب مكانة اجتماعية، بل كان رجلًا حمل مسؤولية كبيرة، وأدرك أن المشيخة ليست وجاهة اجتماعية ولا لقبًا يتزين به صاحبه، وإنما أمانة ومسؤولية وتكليف قبل أن تكون تشريفًا. فمنذ توليه المشيخة عام 1997 وحتى وفاته عام 2023، امتدت رحلته إلى ستة وعشرين عامًا من العطاء والعمل والإصلاح، ظل خلالها قريبًا من الناس، حاضرًا في أفراحهم وأحزانهم، ومشاركًا لهم في همومهم ومشكلاتهم.
لقد جمع الشيخ سعيد بين مشيخة قبيلته ودوره شيخًا حكوميًا للقرية، فكان حاضرًا في خدمة المجتمع، يعمل على تقريب وجهات النظر، وإطفاء نيران الخلافات، والحفاظ على وحدة الصف، مؤمنًا بأن قوة القبيلة لا تكون بكثرة أبنائها وحدها، وإنما بتماسكهم، وتراحمهم، واحترامهم لبعضهم البعض، وحرصهم على مصلحة قريتهم ووطنهم.
كان رجل الإصلاح الأول، وكانت كلمته مسموعة ومقبولة؛ ليس لأنه يفرض رأيه على أحد، ولكن لأنه كان يتحرى الحق، ويبحث عن العدل، ويضع لم الشمل فوق كل اعتبار. لم يكن يبحث عن انتصار شخص على آخر، وإنما كان يسعى إلى انتصار المحبة وصلة الرحم والسلام بين الجميع. ولذلك أحبه الناس واحترموه، ورأوا فيه الأب والأخ والحكيم الذي يلجأون إليه عندما تضيق بهم السبل.
وكان ديوانه عنوانًا لهذه الشخصية العظيمة، مفتوحًا على مدار الساعة، لا يعرف الأبواب المغلقة ولا يفرق بين غريب وقريب، أو صغير وكبير، أو فقير وغني. كان صاحب الحاجة يجد عنده أذنًا تسمع وقلبًا يشعر ووجهًا بشوشًا يستقبله قبل أن يسمع شكواه. وكثيرًا ما كان يدخل إليه الإنسان مثقلًا بالهموم، فيخرج وقد وجد من يسانده ويجبر خاطره ويبحث معه عن حل لمشكلته.
وهنا تظهر حقيقة الرجال؛ فليس كل من امتلك مكانة اجتماعية أصبح كبيرًا في عيون الناس، وإنما الكبير هو الذي يجعل مكانته وسيلة لخدمة الضعفاء، ويستخدم نفوذه في الإصلاح، ويجعل بابه مفتوحًا لمن لا يجد بابًا يطرقه.
إن الحديث عن الشيخ سعيد سالم حسين عقيل هو حديث عن صفحة مضيئة من صفحات قبيلة المساعيد بجلبانة، هذه القبيلة التي تمتد جذورها في تاريخ البادية المصرية، وتحمل في ذاكرتها قيم الأصالة والشهامة والنجدة والوفاء. وقبيلة المساعيد ليست مجرد اسم أو رابطة نسب، بل نسيج اجتماعي له حضوره وتاريخه، وأبناؤها جزء أصيل من نسيج المجتمع المصري، يعتزون بأرضهم وانتمائهم، ويعرفون أن الانتماء الحقيقي يظهر في العمل والبناء وخدمة الناس والحفاظ على أمن الوطن واستقراره.
وفي جلبانة، حيث تتجلى خصوصية الأرض وأصالة أهلها، تظل قبيلة المساعيد واحدة من المكونات الاجتماعية التي تحمل مسؤولية الحفاظ على الترابط والتكافل، والمساهمة في استقرار القرية، وتربية الأجيال على احترام الكبير، ومساندة الصغير، والوقوف إلى جانب الحق، ونبذ الخلافات التي لا تجلب إلا الفرقة والضعف.
ولعل أعظم ما تركه الشيخ سعيد لم يكن منصبًا أو ديوانًا أو مكانة اجتماعية فحسب، وإنما ترك مدرسة في تحمل المسؤولية، ونموذجًا في إدارة الخلاف، وتراثًا من المحبة والقبول بين الناس. فالزعامة الحقيقية لا تنتهي بوفاة صاحبها، وإنما تستمر في المبادئ التي غرسها، وفي الأجيال التي تعلمت منه، وفي المواقف التي تصبح قدوة لمن يأتي بعده.
ومن هنا تأتي صفحة مهمة في تاريخ القبيلة، عندما إستلم الشيخ أحمد سعيد راية قبيلة المساعيد ، لتستمر مسيرة العطاء، ويحمل الابن أمانة والده ومسؤولية الحفاظ على تاريخ القبيلة ومكانتها. وقد سار الشيخ أحمد على درب والده، مستلهمًا منه معاني الوطنية ورجاحة العقل والحكمة في التعامل مع الناس، ومدركًا أن هذه الراية ليست مجرد ميراث عائلي، وإنما أمانة ثقيلة تتطلب العمل والإخلاص، وأن الحفاظ على إرث الأب لا يكون بالكلمات وحدها، بل بمواصلة نهجه في الإصلاح وخدمة المجتمع وجمع الكلمة.
إن الشيخ أحمد اليوم أمام مسؤولية تاريخية واجتماعية كبيرة، وهي مسؤولية الحفاظ على ما بناه والده خلال ستة وعشرين عامًا، وأن يضيف إلى هذا التاريخ صفحات جديدة من العمل الوطني والاجتماعي، وأن يجعل من وحدة أبناء المساعيد وقوة روابطهم هدفًا دائمًا، وأن يظل ديوان القبيلة عنوانًا للكرم والإصلاح ونجدة المحتاج.
وليس المقصود أن تتكرر الشخصيات، فلكل إنسان بصمته وطريقته، ولكن المقصود أن تستمر القيم النبيلة، وأن تظل الحكمة والعدل والتواضع وحب الناس هي الأساس الذي تقوم عليه القيادة الاجتماعية.
إن مصر في هذه المرحلة تحتاج إلى كل رجل مخلص في موقعه، وإلى كل قبيلة وعائلة وقرية تدرك أن الوطن لا يبنى بالمؤسسات الرسمية وحدها، وإنما يبنى أيضًا بتكاتف أبنائه، وإصلاح ذات البين، وحماية النسيج الاجتماعي، ونشر ثقافة التسامح والتعاون. ومن هنا فإن الدور الوطني لقبيلة المساعيد بجلبانة لا ينفصل عن دورها الاجتماعي، فالحفاظ على استقرار القرية، وتربية الأبناء على الانتماء، والوقوف مع مؤسسات الدولة، واحترام القانون، والمساهمة في بناء المجتمع، كلها صور حقيقية من صور الوطنية.
فالقبيلة القوية هي التي تكون سندًا لوطنها، والشيخ الحقيقي هو الذي يجعل من مكانته جسرًا بين الناس، لا حاجزًا بينهم، والذي يطفئ نار الفتنة قبل اشتعالها، ويجمع القلوب عندما تتفرق، ويضع مصلحة الجميع فوق المصالح الشخصية.
رحم الله الشيخ سعيد سالم حسين عقيل، رحمة واسعة، وجزاه عن قبيلة المساعيد وأهل جلبانة وكل من امتدت إليه يداه بالخير والإصلاح خير الجزاء. رحم الله رجلًا عاش ستة وعشرين عامًا يحمل أمانة الناس، وترك وراءه سيرة طيبة لا تمحوها السنوات.
ونسأل الله أن يوفق نجله الشيخ أحمد في حمل الراية، وأن يعينه على مواصلة مسيرة والده، وأن يجمع أبناء المساعيد على المحبة والوفاء، وأن يجعلهم دائمًا أهل خير وإصلاح ووطنية.
ستبقى سيرة الشيخ سعيد شاهدًا على أن الرجال العظماء لا يرحلون تمامًا، فهناك رجال تظل كلماتهم حاضرة، ومواقفهم حية، وأبواب الخير التي فتحوها ممتدة من جيل إلى جيل.
رحم الله الشيخ سعيد، وحفظ قبيلة المساعيد بجلبانة، وحفظ مصر وأهلها، وجعل راية المحبة والوحدة والإصلاح مرفوعة دائمًا.